العقيد صياد خدايي: سمكة إيرانية كبيرة في شباك الموساد

صادق الطائي
حجم الخط
0

العملية الأخيرة بعيدة نوعا ما عن تداعيات الملف النووي الإيراني، لكنها قريبة من ملف استراتيجي ملحق به هو ملف الترسانة الصاروخية الهائلة للحرس الثوري الإيراني.

أعلنت وسائل إعلام وجهات حكومية رسمية في إيران عن اغتيال ضابط رفيع المستوى في الحرس الثوري الإيراني على يد مسلحيْن في العاصمة طهران، في حادث أثار ضجة كبيرة إيرانيا وإقليميا. وقال الحرس الثوري الإيراني، في بيان نُشر على موقعه على الإنترنت، بحسب التقارير الأولية للعملية فإن العقيد حسن صياد خدايي قد تعرض للاغتيال بعملية ممنهجة، تلقى خلالها خمسة عيارات نارية منها إثنتان في الرأس، نفذ العملية شخصان مجهولان على متن دراجة نارية، حيث تم التخطيط والمراقبة لتنفيذ الاغتيال قرب منزل خدايي الكائن في أحد الأحياء القديمة في شارع مجاهدي الإسلام بالعاصمة طهران، وقد نُفذت العملية الساعة الرابعة بعد ظهر يوم الأحد 22 أيار/مايو الجاري، أثناء عودة خدايي من عمله بسيارته الخاصة. أصابع الاتهام وجهت لشبكة من المتعاونين المحليين مع الموساد الإسرائيلي الذي لم يعلن مسؤوليته عن تنفيذ العملية.
الوصف الذي أطلقه البيان الرسمي للحرس الثوري الإيراني على العقيد خدايي هو «المدافع عن المراقد» وهذا المصطلح يستخدم عادة للإشارة لكل من يعمل في عمليات فيلق القدس الخارجية في الشرق الأوسط وبشكل خاص في سوريا والعراق ولبنان واليمن. وقال التلفزيون الإيراني الرسمي إن العقيد خدايي كان شخصية معروفة في سوريا، دون ذكر مزيد من التفاصيل.
لكن بعض الإشارات الإيرانية كانت واضحة في تلميحها لدور العقيد صياد خدايي الذي عمل مساعدا لقائد فيلق القدس السابق الجنرال قاسم سليماني الذي اغتيل بغارة أمريكية في بغداد في 3 كانون الثاني/يناير 2020 أذ ذكر موقع «دفاع برس» التابع لوزارة الدفاع الإيرانية أن «العقيد حسن صياد خدايي الذي جرى اغتياله في طهران، كان يتولى منصب معاون مدير قسم البحث والتطوير التكنولوجي في هيئة الصناعات الدفاعية التابعة لوزارة الدفاع». كما ذكر موقع «نسيم» التابع لجهاز استخبارات الحرس الثوري أن خدايي كان مسؤولاً عن نقل تقنية صناعة الصواريخ إلى حزب الله اللبناني، وقد تولى سابقا عمليات نقل الأسلحة إلى سوريا ولبنان.
التصريحات الإعلامية وصفت ما حدث بأنه عملية كبرى، إذ يعتبر خدايي أرفع شخصية تقتل منذ اغتيال العالم النووي الإيراني البارز محسن فخري زادة في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2020 وقد صرح مسؤولون إيرانيون على ما حدث بالقول، إن «اغتيال خدايي يشكل تجاوزا متهورا للخطوط الحمراء، وأن ذلك سيؤدي إلى تغييرات جوهرية في معادلة الصراع». وكان المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني العميد رمضان شريف قال إن «إيران سترد بشكل حازم ومدمر إذا ثبت ارتكاب إسرائيل أي عمل شرير ضدها في أي مكان» حسب تعبيره. وأضاف أن «إسرائيل أعلنت رسميا أنها ستهاجم المصالح الإيرانية، وأنها تواصل كشف مقراتنا الحيوية واغتيال شخصياتنا» وشدد على أن «إيران لن تقبل بوجود أي مقر إسرائيلي قرب أراضيها، وستعمل للحفاظ على أمنها ومصالحها القومية».
ويبدو أن العملية الأخيرة بعيدة نوعا ما عن تداعيات الملف النووي الإيراني، لكنها قريبة من ملف استراتيجي ملحق به هو ملف الترسانة الصاروخية الهائلة للحرس الثوري الإيراني، وأن «سمكة كبيرة» قد تم اصطيادها بشباك عملية نسقها الموساد الإسرائيلي، إذ ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن خدايي كان وفق تقديرات أمنية إسرائيلية «ضالعاً في عمليات إرهابية ضد أهداف إسرائيلية في الخارج، بما فيها أهداف في أفريقيا وأمريكا اللاتينية». وأشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، إلى أن اغتيال العقيد صياد خدايي، الذي كان مقرباً من قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني يشكل ضربة موجعة لفيلق القدس الإيراني الذي لم يتعاف بعد من عملية اغتيال سليماني. وذهب موقع «معاريف» الإسرائيلي إلى القول إن اغتيال خدايي يشكل خرقاً كبيرا للاستخبارات الإيرانية.
وبالرغم من عدم صدور أي تصريح رسمي أو شبه رسمي من جهات حكومية أو أمنية إسرائيلية حول العملية الأخيرة، إلا أن الصحافة الإسرائيلية قرأت الأمر على أنه عملية نفذها الموساد ضد هدف إيراني كبير. فقد كتب يوسي يهوشواع المراسل العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أنه «إذا صحت التقارير والتفاصيل التي صدرت حول العملية من إيران، فإنه يبدو فعلاً أن الموساد الإسرائيلي ينشط ضد الحرس الثوري الإيراني وضد فيلق القدس تحديداً، في عقر دارهم وليس فقط في سوريا» واعتبر يهوشواع، في هذا السياق، أن «اغتيال خدايي هو إغلاق حساب مع الشخص الذي خطط لسلسلة عمليات ضد أهداف إسرائيلية بينها اغتيال دبلوماسي إسرائيلي يعمل في قنصلية إسرائيلية في تركيا».
لكن يبدو أن إسرائيل متخوفة من رد الفعل الإيراني بدلالة التعليمات التي نشرتها المؤسسة الأمنية والتوجيهات للسفارات والقنصليات والمكاتب الإسرائيلية في مختلف دول العالم لاتخاذ الحيطة والحذر وتوقع عمليات انتقام إيرانية ضد المصالح الإسرائيلية. وذكرت الإذاعة الإسرائيلية، يوم الإثنين 23 أيار/مايو الجاري، أن الأوساط الرسمية في إسرائيل تتحسب لاحتمال رد فعل إيراني على اغتيال العقيد حسن صياد خدايي في طهران، وقالت المراسلة السياسية للإذاعة العبرية، غيلي كوهين، إن حالة التأهب في السفارات والممثليات الدبلوماسية لإسرائيل في أنحاء العالم جاءت خوفاً من رد فعل إيراني على اغتيال خدايي.
لكن السؤال هو: هل نتوقع أن يكون رد الفعل الإيراني على مقتل العقيد خدايي مماثلا لما تم فعله ردا على اغتيال الجنرال سليماني من ضربات صاروخية على المواقع الأمريكية في العراق؟ أم سيكون الأمر مواربا وخاضعا للتوازنات السياسية كما حصل في رد الفعل على اغتيال العالم النووي فخري زاده؟
لا أحد يعرف حتى الآن طبيعة رد الفعل الإيراني تجاه ما حدث، إذ أعلنت وكالة «إسنا» شبه الرسمية للأنباء في إيران بعد يوم واحد من اغتيال خدايي عن اكتشاف شبكة تجسس تابعة للموساد الإسرائيلي في إيران، وقد تم اعتقال أفرادها. ولم يتضح بعد ما إذا كان لعملية الاعتقال المزعومة أي ارتباط بحادث مقتل خدايي. كما كان رد الفعل الإيراني صاخبا نوعا ما، إذ ارتفع صوت التهديد المطالب بالانتقام ممن نفذوا عملية الاغتيال، وقد تخللت مراسم تشييع صياد خدايي، دعوات بالانتقام من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة. كما توجه مسؤولون سياسيون وعسكريون في مقدمتهم قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال إسماعيل قاآني، إلى منزل خدايي لتقديم واجب العزاء.
وفي كلمة من مدينة خرمشهر جنوب غربي إيران، أكد القائد العام للحرس الثوري الإيراني، حسين سلامي، أن الحرس الثوري الإيراني»سينتقم لدماء جميع أعزائه» قائلاً إن هذا الانتقام «سيكون موجعا وسيجعل العدو يندم على فعلته». كما قال نائب وزير الخارجية الإيراني، كبير المفاوضين الإيرانيين، علي باقري كني، من منزل العقيد صفاياري جنوبي العاصمة طهران، إن «الصمت أمام هذا الاغتيال مدان» مؤكداً أنه «لن يُحدث خللا في مسيرة البلاد نحو التقدم وسيسرع وتيرته» وأضاف أن «صمت بعض الدول أمام الاغتيال يعد مكافأة للإرهابيين» مؤكداً أن بلاده «لديها إرادة قوية لمواجهة الإرهاب» ومشدداً على أن هذه الاغتيالات لن تؤثر على سياساتها في المنطقة وأن إيران «ستظهر أقوى» من قبل الاغتيال في سياساتها «المرسية للاستقرار» على حد تعبيره.
بعض المحللين ربط عملية اغتيال العقيد خدايي واحتمال قيام إيران بردود فعل انتقامية بما يحصل من تهيئة عسكرية في عملية «عربات النار» إذ تشارك قوات عسكرية أمريكية مع الجيش الإسرائيلي في مناورات وصفت بأنها محاكاة لضربة على المنشآت النووية الإيرانية، إذ أفادت تقارير إعلامية بأن سلاح الجو الأمريكي سيشارك في المناورات بحضور وفد أمريكي بقيادة قائد القيادة المركزية للجيش الأمريكي «سنتكوم» الجنرال أريك كوريلا، والملحقين العسكريين للبلدين.
وقالت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إن التعاون الأمريكي الإسرائيلي في هذه المناورة ينظر إليه على أنه «رسالة محتملة لإيران» وسط تعثر المفاوضات لإعادة إحياء الاتفاق النووي، فيما ذكر تقرير للقناة 13 الإسرائيلية، أن القوات الجوية الأمريكية ستعمل كقوة تكميلية في المناورة، حيث تساهم طائرات الولايات المتحدة بتزويد المقاتلات الإسرائيلية بالوقود أثناء محاكاتها لدخول الأراضي الإيرانية وتنفيذ ضربات متكررة على المنشآت النووية.
وتبقى تداعيات عملية اغتيال العقيد صياد خدايي بكل توتراتها أشبه باللعب على حافة الهاوية، إذ يجب أن نتذكر تصريحات الجنرال علي شمخاني، مستشار الأمن القومي الإيراني قبل أسابيع عندما قال إن «الطائرات الإسرائيلية المغيرة على إيران لن تعود إلى قواعدها التي انطلقت منها، لأنها وبكل بساطة، لن تجد مطارات لكي تهبط فيها».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية