العلامة في الشعر: نافذة كاذبة أم طاق زخرفي؟

يقول أمبرتو إيكو عن العلامة إنها تستخدم لإبلاغ معلومة، ولقول شيء أو الإشارة إليه، شيء يعرفه أحد ما ويريد أن يَتعرَّفهُ الآخرون أيضا. وهذا وصف لا يخفى لنفعية العلامة، يستعيد فكرة الفعل الإرادي الذي يؤديه مرسل ما متوجه إلى متقبل ما. وتتوضح هذه «الإرادية «من خلال التمييز بين العلامة المصطنعة والعلامة الطبيعية. فالأولى تصدر عن الإنسان على قاعدة مواثيق خاصة مضبوطة بقصد إبلاغ أحد ما شيئا ما. والثانية مصدرها طبيعي فهي لا تتعلق بأي إرادة ولا بأي قصد. ونحن نتأولها من حيث هي إشارة أو أمارة.
ثمة إذن علامة إرادية اصطلاحية تواصلية، وأخرى غير إرادية، ولكنها تعبيرية إذ توحي بحالة من حالات الفكر أو تَبِين عنها، وهذا هو مجال الأدب والشعر. والعلامة بهذا المعنى تند عن حد العلامة الذي تقدم ذكره. وربما أحاط بها تعريف كهذا الذي يسوقه كل من موريس وإيكو فـ»شيء ما ليس علامة إلا لكونه مؤولا من حيث هو علامة على شيء ما بواسطة مؤول». وقد ينم هذا التعريف عن «إرادية» ما أو «اختيار» ما، ما دامت هذه العلامة منوطة بمؤوِل يؤديها ويشرحها ويفسرها. على أنها «إرادية» تغير مواضعها، فالرسالة ليست وقفا على توصيل المرسل، وإنما هي تتوسع وتتمدد وتتحدد نسبة إلى الذي يعيد بناءها أو يتأولها ثانية. فإذا كان التخاطب يستند إلى إرادات متلازمة تكاملية، في إرسال معلومة واستقبالها، فإن وفرة العلامات المستقبلة المدركة بوساطة المرسل إليه (المؤول) يمكن أن تختلف عميقا عن تلك التي صدرت إراديا. إن العلامة سواء كانت إرادية أو غير إرادية تشهد لتنظيم ما للكون، أشياء وقيما وأحاسيس.

والنظام اللغوي لا يمكن إلا أن يحوي تحليلا للعالم الخارجي يخصه، ولكنه يختلف عن نظام لغات أخرى مثلما يختلف من حقبة إلى أخرى، في حيز اللغة الواحدة. وقراءة الشعر العربي قديمه وحديثه، إنما اختلفت وتختلف من طور إلى آخر لأسباب منها، وضع اللغة العربية نفسها وعلاقات القراء بها.
ودون خوض في الدرس اللغوي، نعرف جميعا أن العلامة كيان بوجهين لا ينفكان: دال ومدلول. على أننا قد نكون في الصميم من موضوعنا وهو الشعر الذي ننسى أنه ينشأ في حيز «الكلام»، وليس في اللغة المشتركة أي لغة التخاطب والإبلاغ والتواصل. ومن المفيد في هذا السياق، أن نأخذ بمقترح ستيفان أولمان الذي يدعو إلى استبدال الاصطلاحات (دال ـ مدلول ـ مرجع) بـ»الاسم» و»المعنى» و»الشيء». ويرى أنه إذا كان ثمة رابط مباشر بين الاسم والمعنى ـ ما دام لواحد منهما يستدعي الآخر، كما هو الشأن بين المعنى والشيء، إذ الصورة التي نتصورها عن الشيء رسم مشتق من التجارب الماضية، حيث أمكن أن نرى هذا الشيء ـ فليس ثمة من رابط بين الاسم والشيء؛ لأن الاسم يستدعي فكرة الشيء لا الشيء؛ أو هو يستدعي صورته، أو الاثنين معا. وعليه يذهب أولمان إلى أن المعنى، وهو في هذا المستوى تسمية أخرى للمدلول، مناوبة بين الاسم والشيء. ومن ثمة يمكن أن نحده من حيث هو الصورة أو الفكرة التي يقدحها الدال (الاسم). وفي سياق شبيه بهذا يرى هلمسلاف أن ما يدور بخلد المتكلم هو الفحوى، على حين أن العبارة فيه هي الأداء الصوتي أو الخطي. وهما عند جاك فونتاني، العالم الداخلي والعالم الخارجي، كل على حد؛ لأن اللغة في تقديره محصول علاقة بين «العالم الداخلي» (مستوى المحتويات) و»العالم الخارجي» (مستوى العبارة).

يفترض إذن في العلامة، لكي تنهض بوظيفة الإبلاغ المنوطة بها، توافر شرطين: أولهما توافقي، أي أن يستدعي الدال لمدلول ذاته (المعنى) في ذهن كل من المتكلم والمستمع، أو المرسل والمرسل إليه، فإن لم يكن المعنى نفسه فالأقرب إليه.

وما يعنينا من هذه الفرضيات أن تعريف العلامة يخص تلك التي نجدها في المعجم عادة. ولا نخال المعجم يسعفنا كثيرا في فهم متغيرات العلامة المكتوبة في الشعر قديمه وحديثه؛ وإن كان الأمر يحتاج إلى بعض الحيطة، فالمعجم العربي مثلا اللسان وغيره، يسوق عند شرح المفردة، أمثلة لها من الشعر؛ ومن أوجه انتقالها من دلالة مطابقة إلى دلالة مجازية. والسؤال: ما الذي يحدث عندما «لا يتحكم» الشاعر في القانون اللغوي، أو في العلامة اللغوية، فيغمض المعنى ويند عن فهم القارئ؟ ثمة «دال» ولكن عجز القارئ عن ربطه بمدلول، يحول بينه وبين إدراك المعنى بالدقة التي ينشدها. ومن السائغ أن نقول استئناسا بما تقدم، إنه إذا كان الاسم يستدعي المعنى والمعنى يستدعي الاسم، فإن غياب المدلول وهو غياب المعنى، من شأنه أن يعوق الفهم؛ لأن الفهم مرتبط في جانب منه بالعلاقة القائمة بين الدال والمدلول. لكن أي علاقة؟
يدرك جميعنا أو أكثرنا أن الكلمة لا تنضوي إلى نظام الأشياء الطبيعي، لتكون دال هذا الشيء أو ذاك. والمقصود بقول علماء اللغة «تواطئي» أن الدال محدد بصورة تواضعية اصطلاحية، أو هي عارضة طارئة، دون أن يسوق ذلك إلى القول بحرية المتكلم في اختيار الدوال، أو ترك المبادرة له في استبدالها. ونقدر أن المصطلح «تواطئي» أكثر دقة من «اعتباطي» بل هو الأصوب. والحق أني كنت مثل غيري أردد كلما جرى الحديث عن العلاقة بين الدال والمدلول، أردد العبارة التي تعلمناها في دروس الألسنية «اعتباطي» من غير أن أكلف نفسي عناء البحث فيها؛ في حين أنها في الاستعمالات اللغوية، يصعب أن تُحمل مهما نحتشدْ لها، على معنى التواضع أو الاصطلاح. وأقتصر في السياق الذي أنا به على الحديث النبوي «من اعْتَبَطَ مُؤْمِناً قَتلاً فإِنه قَوَدٌ» أَي قَتَله بلا جِناية كانت منه ولا جريرة تُوجِب قتله، فإِن القاتل يُقاد به ويقتل. وكل من مات بغير علة، فقد اعْتُبِطَ. فلعل عبارة «بغير علة» هي التي سوغت للغويين ترجمة المصطلح Arbitraire بـ»اعتباطي»؛ وفي ما عدا ذلك لا أقف شخصيا على أي سبب وجيه في اعتماد هذا النعت في وصف العلاقة بين الدال والمدلول. أما «تواطئي»، فينهض لها سند من الاستعمال اللغوي، إذ يقال واطَأَه على الأَمر مُواطأَةً: وافَقَه. وتَواطَأْنا عليه وتَوطأْنا: تَوافَقْنا. وفلان يُواطِئُ اسمُه اسْمِي.

يفترض إذن في العلامة، لكي تنهض بوظيفة الإبلاغ المنوطة بها، توافر شرطين: أولهما توافقي، أي أن يستدعي الدال لمدلول ذاته (المعنى) في ذهن كل من المتكلم والمستمع، أو المرسل والمرسل إليه، فإن لم يكن المعنى نفسه فالأقرب إليه. وينبغي أن نتنبه إلى أن كل شيء يجري في الاستعمال اللغوي العادي، كما لو أن العلامة التي ما انفك اللسانيون يشددون على «تواطئيتها»، هي الشيء نفسه. ومما يعزز هذا اللبس الحاصل بين الكلمات والأشياء، أو «الأسماء ومسمياتها»، تحاشي المتكلم التصريح ببعض الأسماء، كما لو أنها تخل بعرف أو تسف بمعتقد. وهذا مظهر من «المضمر الإرادي» الذي له موقعه في الأدب وفي الشعر تحديدا. وثانيهما أن تجري الكلمة في سياق تمتح منه مادتها. وفي حيز الشرط الأول يتدخل مفهوم القانون، إذ يمتنع من دونه الجمع بين الشيء وبديله (العلامة). فـ»نظام العلامة يتوقف على وجود قانون». وفي غيابه يبطل تواطؤ المتكلمين، وتنعدم القدرة على الفهم والإدراك. على أن القانون يمكن أن يكون مقدرا، فيفضي بالمتقبل أو المتلقي إلى تواصل أو تعامل مع الكلام مختلف.
أما الشرط الثاني وهو الذي يحكم حقيقة الإبلاغ، فنلامس فيه مسألة المعنى في ذاته، ونقف على قيمته الباطنة أي القيمة التي يستمدها الشيء من طبيعته الخاصة وليس من حيث هو إشارة إلى شيء آخر. وهذه المسألة غالبا ما تتخذ بعدين، معجميا وشعريا. ولعل متغيرات العلامة المكتوبة أن تتجلى فيها أكثر من غيرها. فالمعجم «يؤمن» معنى الكلمة و»يحفظ» لها نوعا من الثبات الدلالي. والحق أن هذا الرأي يحتاج إلى فحص دقيق إذ غالبا ما نلتقي النظرية التي تنقضه: فكلمة ما ليس لها حقا من معنى ما لم ينتظمها سياق. وفضلا عن ذلك فإن نظام الترتيب المعتمد في المعجم يستند إلى إجراء انتقائي كثيرا ما يجرد الكلمة من خصائصها ومزاياها الفريدة، ويحصر معناها ويقيده في حدود العرف الشائع.
أما المشكل الذي تطرحه الكتابة الشعرية الحديثة عامة، فمحوره الفرق بين الكلمة والصورة كلما تعلق الأمر بهذا الواقع «المؤنسن» الذي تؤدي عنه الكتابة؛ فهو فرق بين الكلمة والشيء، مثلما هو فرق بين الشيء وصورته المفهومية. والكلمة في «خارجانية» الأشياء، منفصمة عن المحسوسات، دونما أي إمكان لرأب الصدع. هي كمهاء أشبه بطاق زخرفي أو «نافذة عمياء» حسب المصطلح المعماري أي نافذة كاذبة، تغشي على الشيء وتطمس، فلا هي تخرقه ولا هي تجوز منه ولا هي تخلص عنه، بل هي تؤكد أبدا مفهوم غيابه الغامض.

كاتب وشاعر تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية