حذرت الخارجية الأمريكية في رسالة نصية عبر تطبيق “واتساب” فصائل الجيش الحر من المشاركة في أي عملية شرق نهر الفرات، وأُرسلت إلى أغلب قادة فصائل المعارضة، سواء المدعومين سابقا من البنتاغون أو من غرفة الـ”موم”. وهذا نص الرسالة التي حصلت “القدس العربي” عليها: “حكومة الولايات المتحدة لا تريد من تركيا القيام بعمليات عسكرية من أي نوع في شمال شرق سوريا. ونعتقد أن الحوار السلمي هو وحده الذي يمكن أن يحل المخاوف بشأن الأمن على طول الحدود. نقوم بتحضير بيان بهذا الصدد سيتم نشره في وقت لاحق اليوم. نحث جميع عناصر الجيش السوري الحر على عدم المشاركة في أي عمليات داخل سوريا، شرق الفرات”.
وعلمت “القدس العربي” من مصدر دبلوماسي أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، عقد عدة لقاءات في منطقة شرق الفرات بعيداً عن الأضواء، يوم الخميس الماضي. وقال المصدر أن جيفري التقى قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، الملقب “مظلوم كوباني”، وباقي أعضاء القيادة العسكرية فيها.
وأجرى المبعوث الدولي وفريقه اجتماعاً آخر مع الهيئة التنفيذية في مجلس سوريا الديمقراطي، وعقدت الاجتماعات في القاعدة الأمريكية في صرين أقصى شرق محافظة حلب، الواقعة بالقرب من طريق منبج عين عيسى، على الضفة اليسرى لنهر الفرات، وتتبع إداريا لناحية عين العرب “كوباني”.
وأضاف المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه، أن السفير جيفري ألغى الاجتماعات التي كانت مقررة على جدول اعماله منذ أسبوعين بسبب ارتفاع حدة التصريحات. وقال إن واشنطن تحاول تخفيف الغضب التركي وتعمل بشكل مكثف عبر وزارتي الدفاع والخارجية. وختم قائلاً: “ألغيت اللقاءات مع المجلس العسكري لمدينة منبج والإدارة المدنية فيها بسبب التوتر الحاصل”.
وجاءت الزيارة بعد يومين من اجتماعات في مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا، جمعته بعدد من مدراء منظمات المجتمع المدني والنشطاء والسياسيين في لقاءات منفصلة، ولعل أبرزها اجتماعه بممثلين عن المجلس الوطني الكردي، واجتماع آخر مع ممثلين عن مدينة منبج هم رئيس الهيئة السياسية في منبج، حسن النيفي، ورئيس لجنة إعادة الاستقرار، منذر السلال، والمحامي مصطفى العبد الله.
وتركز اللقاء على مناقشة هواجس أهالي منبج وشروط عودتهم، والبحث في طريقة إدارة مشتركة للمدينة. وأصر ممثلو منبج على أن العائق الوحيد هو سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية على المدينة وهو ما يحول دون عودتهم، وأنه لا يمكن قبول إدارة مشتركة في ظل وجودهم وهيمنتهم. وأوضحوا أن المشكلة تنحصر في الكيانين (اللذين تعتبرهما أنقرة ذراع حزب العمال الكردستاني في سوريا)، وأعربوا عن جاهزيتهم للتعامل مع الكيانات السياسية الكردية الأخرى.
نقاط مراقبة أمريكية جديدة
ترافقت زيارة المبعوث الأمريكي إلى منقطة شرق الفرات مع إنشاء التحالف الدولي قاعدتين عسكريتين جديدتين في ريف تل أبيض أقصى شمال محافظة الرقة، ليرتفع عدد القواعد الأمريكية في تل أبيض إلى ثلاث. واتخذت قيادة التحالف الدولي لمحاربة داعش كل من قريتي تل ركبة والجيب مكانا للقاعدتين الجديدتين، حسب ما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان.
واعتبرت وزارة الدفاع الأمريكية، في بيان للمتحدث باسمها شون روبرتسون، الأربعاء، أن “القيام بعمل عسكري من جانب واحد في شمال شرق سوريا، خاصة في ظل احتمال وجود أفراد من الجيش الأمريكي هناك أو في محيط المنطقة، محل قلق بالغ”. ووصف ما يحصل بـ”الأفعال غير المقبولة”. وأضاف روبرتسون أن “الولايات المتحدة ملتزمة بأمن تركيا الحدودي، لكن المعركة ضد التنظيم لم تنته وقوات سوريا الديمقراطية تظل شريكا ملتزما في التصدي للتنظيم المتطرف”.
في منطقة شرق الفرات، استنفرت قيادات مجلس سوريا الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية، وأصدرت عدة تصريحات كان أبرزها تلميح قائد “قسد” أن “الهجمات التركية ستفشل الحرب ضد داعش وستكون سببا لاسترجاع داعش قوته من جديد، وكذلك ستذهب كل الأعمال المشتركة بيننا وبين التحالف لمحاربة داعش في هذه المناطق هباء”. ويأتي تصريح القائد الكردي، الذي لا يفضل الأضواء او الظهور على الإعلام، بمثابة مقياس لحقيقة التهديد التركي.
في السياق، قال المتحدث الرسمي باسم وحدات حماية الشعب الكردية، نوري محمود، أن التهديدات التركية “تتزامن للمرة الثالثة مع تقدم قواتنا ضد الإرهابيين، وهذه المرة مع دخول قواتنا إلى هجين بدأ اردوغان بتهديد مناطقنا”. وتوعد بأنه “إذا تم أي هجوم على مكتسباتنا من أي جهة كانت، سيتم اتخاذ التدابير الدفاعية”، كما ربط الهجوم “المحتمل” بتراجع المعركة ضد تنظيم “الدولة”، قائلاً: “دون شك إن حدث أي هجوم على شمال سوريا سوف يؤثر بشكل مباشر على معركة هجين، وسوف تعود تلك القوات التي تحارب في هجين للدفاع عن مناطقها وعوائلها، وهي من أولوياتها، والتهديدات التركية كانت سبباً في إيقاف الحملة مرتين”.
وفي حملة الردود المنتظمة، كان مجلس سوريا الديمقراطي، في بيان له يوم الأربعاء، اعتبر تصريحات اردوغان المتعلقة بعملية عسكرية واسعة في مناطق شرق الفرات، أنها “تعبير عن سياسة عدوانية تزيد التوتر في المنطقة وتغلق أبواب السلام ولا تخدم الحل السياسي في سوريا، وهي محاولة لتصدير أزماتها الداخلية إلى دول الجوار”. ووصف التصريحات بأنها تعرقل قدرات قسد في “متابعة الإرهاب وخلاياه النائمة”.
ودعا المجلس “السوريين بكل المكونات في شمال وشرقي سوريا للوقوف بحزم بوجه التهديدات والمحاولات الاحتلالية لمناطق الشمال السوري وأن يعبروا عن وطنيتهم بمنع هذه الاعتداءات”. وطالب قوى التحالف الدولي “أن تقوم بواجبها وأن تمنع الهجوم عن المناطق التي حررناها من داعش معاً”.
ميدانياً، أعلنت الشرطة العسكرية التابعة للجيش التركي النفير العام في منطقتي عمليات “درع الفرات” و”غصن الزيتون” (شمال حلب-عفرين). وقالت الشرطة في بيان أنها أعلنت النفير العام في جميع فروعها ورفعت الجاهزية إلى أقصى درجاتها”. وبدأت التدقيق على كافة الحواجز في تلك المنطقة.
وعن الاستعدادات التركية نقلت صحيفة يني شفق، عن المحلل في مجال الدفاع العسكري وخبير مكافحة الإرهاب توران أوغوز، أن “الاستخبارات التركية كانت تعمل طوال الفترة السابقة على رصد الأوضاع الأمنية في منطقة شرق الفرات في سوريا، المحاذية للحدود التركية”.
وكشف أوغوز أنّ القوات التركية بينما كانت تستعد من كل النواحي لخوض المعركة التي باتت وشيكة شرقي الفرات في سوريا، فإنّ “الاستخبارات التركية كانت تزوّد تلك القوات بمعلومات برية وجوية، فضلًا عن صور تمّ التقاطها ستساعد في تحديد الأهداف بشكل دقيق”، حسب المحلل العسكري”. وأشار أوغوز إلى توقعه “تشكيل فرق تضم عناصر استخباراتية إلى جانب القوات الخاصة التركية، من أجل تحديد المواقع المستهدفة”.
ودعت وسائل إعلام تركية إلى الإسراع في عملية “تل أبيض” وقطع الطريق على الخطة الأمريكية القاضية بتدريب 35-40 ألف مقاتل محلي في شرق الفرات، ليكونوا حرس حدود.
ويمتلك الجيش التركي بنك أهداف يضم 150 هدفا تستطيع القوات التركية استهدافها جميعا دون الدخول إلى العمق السوري، فهي قادرة عن طريق القاذفات قصف كل الأهداف دون 30 كم، وتمتلك المدفعية التركية قوة نارية تصل إلى 40 كم أيضاً. وهذا هو العمق الذي يمكن أن يخفف مخاوف الأمن القومي لديها من خلال إبعاد وحدات حماية الشعب عن حدودها.
في حين تبقى المسألة العسكرية التكتيكية مجرد تفصيل ثانوي، فالمعضلة الكبرى هي الممانعة الأمريكية لأي عملية عسكرية في شرق الفرات، وتقتصر تطمينات واشنطن لأنقرة على حل موضوعة منبج، وتنفيذ خارطة الطريق الموقعة في أيار (مايو) الماضي. والتي انتقدها مرارا الرئيس التركي اردوغان، ووصفها الشهر الماضي بأنها “غير مقبولة” .
يمكن تفسير التهديدات التركية بأنها ضغط جديد على واشنطن، خصوصا وأن انقرة هددت مرتين قبلها، ومن المرجح أن تدفع التهديدات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا إلى استعجال تطبيق خطته وربما تقديم مزيد من التنازلات في ملف منبج وخصوصا قضية تشكيل المجلس العسكري وجهاز الشرطة، التي تعتبرها أنقرة أولوية على تشكيل الإدارة المدنية المشتركة، بسبب هيمنة “الوحدات” على القرار الأمني والعسكري هناك.
ومن الصحيح القول أن تركيا تستشعر خطرا كبيرا من مشروع البنتاغون الذي جدد الشراكة مع “الوحدات” الكردية وأعاد اعتمادها لعامين قادمين. ولكن إمكانية استهداف “قسد” دون أخطاء هو شبه مستحيل. ولا تقتصر العملية على تحديد الأهداف إنما تبقى المعضلة في أنها منطقة نفوذ أمريكي، وردت أمريكا بقوة عندما حاول “مرتزقة فاغنر” الروس الاقتراب منها. فهل ينطبق عليها ما ينطبق على تركيا، وهي القوة الكبرى وشريكتها في حلف شمال الأطلسي؟