العهدة القاتِلة

حجم الخط
0

لم يكن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ليترشح إلى عهدة رابعة لولم يتأكد بأن فعل المرض قد سرى في جسد المجتمع، خاصة مؤسسات االدولة’، التي أصيبت بالوهن والاضمحلال الى الحد الذي صارت لا تقوى فيه على وقف الفساد. فالجزائر صارت منذ عقد من الزمن تعاني من مرض الرئيس، ومع اشتداد مرضه وعجزه تعجز المؤسسات بدورها وتصبح عرضة لكل الآفات والأعراض، بعدما فقدت المناعة. المقربون من الرئيس هم الذين يكشفون عن وضعه الصحي، وليس عن وضع الدولة والمجتمع، فقد أدى تماهي الرئيس مع الدولة حدا، صار هو أفضل من الدولة، وأن مصير الجزائر برمتها معلق على صحة الرئيس وليس العكس، وعليه فمن المنتظر أن تنهار مؤسسات ادولة الرئيسب مع صعود روح الرئيس إلى بارئها بناءً على تلازم شخص الرئيس بالشخصية الاعتبارية للدولة.
عقد ونصف العقد من حكم الرئيس كانت كافية لكي ينقل البلد من الوضع المأزوم إلى الفساد المطلق، الذي أُعْدمت فيه كل البدائل وإمكانات الإصلاح، والإبقاء على الخيار الواحد والوحيد ا أنا أو الدمارب. فالفساد المطلق هو صناعة الرئيس بامتياز، يعرفها ويدركها كل من يحسن النظر في مسار الرجل منذ أن تولىّ الحكم عام 1999. إذا كان العنوان الكبير الذي تسلم به الحكم من الانقلابيين هو ما عرف بالمصالحة الوطنية والقضاء على الإرهاب، فإن هذا العنوان هو في الحقيقة مجرد لافتة اشهارية تطمس الحقيقة أكثر مما تفصح عنها، لأن ما تم فعلا هو نقل داء الإرهاب إلى مؤسسات الدولة والمجتمع، بحيث يفرز مفعوله في هياكلهما وأجهزتهما بشكل سلس، ترافقه عمليات تسكين الداء وليس علاجه. فقد انطوت المصالحة الوطنية على أكذوبة صارخة، تمت بإعفاء مجاني لأجهزة الأمن وأفرادها الذين كانوا الطرف الرئيس في صناعة الإرهاب واستغلاله السياسي. ومن هنا فالمصالحة حملت منذ البداية لمن يحسن النظر ولا ينخدع باللافتات البراقة، على صفقة إجرامية تمت تحت عنوان اانجاز وطني’، خطته أن يُرَشَّح السيد عبد العزيز بوتفليقة أقلهم نظافة وأضمنهم على نقل الإرهاب (الصناعة الأمنية) إلى مؤسسات الدولة وأجهزة الحكم للاستثمار فيها بشكل اقانونيب.
تَرَشّح الرئيس إلى عهدة رابعة، بعد اغتصاب الثالثة، هو تعبير عن فساد مطلق يصل إلى حد الحكم بالنيابة وعبر الوكالة وباستهتار صارخ بمصير البلد، والذين سارعوا إلى مساندة الرئيس أدركوا قبل غيرهم صلة الفساد بالرئيس، وأن الإبقاء عليه، هو ضمان الفساد كأفضل سبيل إلى االاستثمار الإرهابيب الذي يسكت عنه القانون المسيَّس.
عندما أقدم الرئيس على تعديل الدستور عام 2008، لكي يوفر لنفسه عهدة ثالثة لا يجيزها القانون ولا يستحقها من الناحية السياسية، للرصيد السلبي التي تراكم طوال العهدتين السابقتين، فضلا عن غياب الشرط الأخلاقي والإنساني وهو الصحة الجيدة لرئيس يروم الترشح إلى الرئاسيات في ذلك الوقت. أما وأنه سطا على العهدة الثالثة، متجاوزا القانون والعقل والعادة المتعارف عليها، واللياقة المدنية والنبل الخلقي، كل ذلك داسه الرئيس في لحظة واحدة وعمل بعد ذلك على إعدام كافة هذه الاعتبارات في عهدته الثالثة، ويتأكد اليوم وهو يخوض العهدة الرابعة أنه سوف ينجح فيها، لأن كافة المعايير القانونية والسياسية والأخلاقية والإنسانية صارت بلا معنى في الحالة الجزائرية. طوال العهدة الثالثة لم تكن تعنيه مؤسسات الدولة، لا يحفل بالدستور ولا البرلمان ولا مجلس الوزراء، ولا يعير كبير أهمية للشعب. تعديل الدستور على النحو الذي تم هو في حقيقة الأمر سابقة لتأسيس الفساد والتشريع للمفسدين، مع ما يلازمه من ضرورة التعود على الظاهرة وإدراجها كواقع مصيري للمجتمع.
النظام السياسي كما ساد زمن سنوات الرئيس بوتفليقة هو بالتعريف انظام سلطانيب يوقف كل شيء على قصر الرئيس الذي يحاط بسدنة وزبانية وحراس الفساد، الذين ربطوا مصيرهم بمصير الرئيس ويتجشمون كل شيء من أجل استمرار الرئيس/ السلطان في الحكم حتى وهو غير صالح صحيا للرئاسة، لأننا سوف نحضر بعد 17 أبريل/نيسان إلى منصب رئيس افتراضي تُؤَمَّن وجوده وسائل الاعلام الرسمية والشبكة الاجتماعية السبرانية والنفاق السياسي الممأسس. في اليوم الذي يلي 17 أبريل القادم سوف يعلن عن انتصار أنصار الرئيس الرهينة، وسوف يكون هذا الانتصار بطعم الهزيمة أو الغصة التي يصعب على فصائل كبيرة من الجماهير ابتلاعها، لأنها تمت غصبا عنها، فهي (أي الجماهير) في عداد الطرف المهزوم في أوّل مواجهة انتخابية ديمقراطية، تمت بينها وبين السلطة التي انقلبت عليها وأجبرتها على التراجع عن السياسة والمجال العام كشروط الهزيمة. الانتصار الجديد لسلطة الرئيس سوف لن يعمر طويلا، لأنه معلق بصحة الرئيس نفسه، ومع غيابه سوف يبتعد أنصاره الظرفيون وينفضُّون من حوله ويتركون البلد مشرعا على كافة المجاهل الكارثية.
وعليه، فالانتصار القادم لأنصار الرئيس سيكون انتصارا خطيرا، ليس بمعنى ما ولكن بكل معاني الكلمة، وسوف يكون من مظاهر ورموز الانتصار هو تنصيب أقواس الهزيمة والخيبة بدل النصر الحقيقي، وترفع أكاليل العار بدل أكاليل الغار، لأن هذه النتيجة المفارقة هي من جنس السابقة التي دخل بها أنصار الرئيس بوتفليقة إلى الانتخابات الرئيسية: المراهنة على جثة سياسية تعهد الحكم إلى وكلاء ونواب افتراضيين، يغيب بعدها منطق المسؤولية، الواجب والحق في نطاق دولة اافتراضيةب لا يعاقبها القانون ولا تعبأ به أصلاً .
السلطة في الحالة الجزائرية اليوم، بعد إفرازات مرض الرئيس بوتفليقة، هي شأن السلطة لا غير، مستقلة عن المعارضة وعن الشعب، لا تقيم أي صلة بالمجتمع. فالسلطة قائمة وتبقى قائمة حتى لو البلد كله يحترق ويدمر، وتنجح دائما في التماس الشرعية من الجماهير المهزومة، كما هي حالة الانتخابات الراهنة التي تجري على وقع حرب أهلية غير مرئية في ظاهرها لكنها واضحة وبينة من حيث نتائجها: الموت يحصد العشرات يوميا بسبب الإرهاب العمراني الذي تحترفه السلطات المركزية والمحلية بالتعاون مع المقاولين المزيفين، أعوان الفساد بامتياز والذين حلوّا محل إرهاب الجماعات المتطرفة من المتشددين الدينيين والأمنيين.
وقبل أن نطوي آخر سطـــــور هذا المقــــال، نعيد التذكير بمطلعه، وهو أن الرئيس لم يترشح إلا بعدما تيقن أنصاره من أن المجتمع، من معارضة وجماهيـــــر مهزومة، صار مريضا لا يقوى على الحركة ولا النشاط السياسي، وأن الدولة معتلة أجهزتها واهنة وهن الرئيس بوتفليــــقة… ومن هنا، فان اليوم الموالي لـ17 أبريل القادم سوف يكون إعرابا رســميا عن هزيمة الجماهير في استحقاق آخر من سلسلة الهزائم التي تلاحق الشعب الجزائري.

‘ باحث وكاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية