العود بخير ويشق طريقه ليحضر في أكبر الأوركسترات الغربية ألبير منصور: استقرار العود في الحضن ميزة جميلة اعتز بها وكذلك ثبات مفاتيحه

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»:  رقيق ألبير منصور كما نغمات الأعواد التي يصنعها. مُحب، وشغوف بهذه الآلة التي يشعر معها بالصفاء والجمال. مُقلٌ في إنتاجه، لأنه يمنح كل مرحلة من صناعة العود حقها وحبّة مسك. ولا يُسلّم العود لطالبه إلاّ عندما يرضى بعينيه وأذنيه عن مولوده الجديد.

ألبير منصور قامة شامخة في صناعة العود في لبنان والعالم العربي. شكّل الراحل محمد فاضل بوصلته في هذه الحرفة. أمل بلقائه في العراق ولم ينجح. رحل فاضل وحزن منصور، وإذ بالصدفة تجمعه بإبنه في لبنان، ففرح كثيراً.
الميكانيكي المتخصص بالسيارات الأمريكية طوّر حرفته الجميلة مستعيناً بمهنته، فكانت له إنجازات متعددة. يفخر بأن العود الذي تصنعه يداه يذوب بحضن عازفه، ولا يجاهد كي لا «يزحط». يكتنز فائضاً من الحب والود وزّع اكتشافاته على كل سائل. لم يحتكر معرفة، ولم يساوم على سعر.
مع ألبير منصور هذا الحوار:
○ أدخلت عدّة تعديلات على آلة العود خاصة احتضانه بدون أن «يزحط». لنتعرّف إلى هذا التعديل؟
• تعديل استغرق مني الكثير من الوقت. منذ صغري حملت العود ودندنت، ولاحظت «تزحيطه». معظم الأعواد لها الصفة نفسها مع احترامي لصانعيها. رغبتي بصناعة العود حفزتني للبحث، فأهم صانعيها هو العراقي العظيم محمد فاضل. كنت أعمل في الكويت وخلال مروري في العراق بطريقي إلى لبنان أو العكس كنت أسأل عنه، ولم أجد من يرشدني إليه. وهذا ما شكل لي معاناة، خاصة أنه رحل ولم ألتقيه. لكني عدت والتقيت ابنه فائق الذي كان في زيارة إلى لبنان ورغب بمعرفة كيفية صناعتي لطاسة العود بحيث لا «يزحط». قلت له بأني تعلّمتها من والدك رحمه الله. في الواقع كنت شديد الإعجاب بصناعة محمد فاضل للعود، وبالشكل الخلفي للطاسة. كانت لعوده لفة جميلة، إنما بقيت مشكلة العرض من أسفله والتي تراوحت بين 40 و38 سنتم. وكانت مع فائق جلسة امتدت لساعات في محترفي. فبعد معاينتي لأعواد محمد فاضل سألت نفسي عن الطريقة التي تتيح لي الحفاظ على لفة طاسة العود وضبها بحيث تصغر؟ مررت في اختبارات امتدت لأشهر حتى وصلت إلى شكل العود الحالي.
○ وكيف كانت الخطوات لاختصار عرضه؟
• تعرفين أني أهوى ميكانيك السيارات وتعلمته. كنت أحاول تطبيق معادلات ميكانيك السيارات على صناعة وتطوير العود. وعندما تشغلني معضلة ما تنام معي في السرير حتى أتمكن من تفكيكها. في ليلة وجدت الحل، وفي الصباح الباكر كنت في المحترف، نفّذت الفكرة قبل مغادرتي إلى عملي في كاراج ميكانيك السيارات في الثامنة. وتتمثل الفكرة بطريقة ضب العود في منطقة الطاسة ليكون رفيعاً. بعد نجاح أول عود كثُر السائلون عن «لفة العود الحلوة». و«كيف طاعجو هالطعجة الحلوة»؟ نعم استقرار العود في الحضن ميزة جميلة واعتز بها كثيراً. وقد سلّمت طريقة لفة العود لكل البراعم الناشطين في هذه الحرفة. حتى أني علّمت شاباً من مصر على طريقتي في صناعة العود عبر الواتسأب واستعملت كرتونة كنموذج. ويتابع ألبير منصور ضاحكاً: هل سأحتكر هذا التجديد؟ وهل هو اختراع ذري؟
○ هل تأخذ صناعة العود بالاعتبار حجم عازفه؟
• بالتأكيد، ونسأل عن طول الإنسان وطول يده. توضع اليد على المضرب وليس أمامه. إنه التناسق والتناغم والهارموني في الموسيقى والشكل كذلك.
○ كيف تقرأ في ميكانيك العود وميكانيك السيارات؟
• الآلية متشابهة. ضبط الريش، وطريقة «طعجها» إنه منطق الميكانيك. وطبعاً للخيال دوره. عندما أبدأ بصناعة عود ما، أنقله من خلال الصورة المرسومة له في مخيلتي وكأني «أكّزه». تماماً كمن ينحت تمثالاً من صخرة وزنها 10 أطنان، مستنداً إلى الصورة التي في خياله. انجازاتنا هي حصيلة الخيال والتصور والحب.
○ يمدحون مفاتيح أعوادك بأنها «ما بتفلت» ما هو السر؟
• كنت أدندن وأعزف على العود، وكان ممكناً أن أصبح عازفاً جيداً. لكني كسرت يدي من المفصل، وكُسر باهمي، والريشة تقع من يدي أحياناً. ولم تعد يدي خفيفة على العود. وهذا ترك أثراً سلبياً على عزفي. وبعد هذا الحادث لم أتمكن من مسك العود على مدى سنتين. بالعودة إلى المفاتيح فهي كانت تحتاج لجهد كبير كي تتحرك، ومن ثمّ لتركز في مكانها. رحم الله الصديق العازف الكبير سعيد سلام، كان يضع بقربه حين يعزف فنجان ماء وأعواداً من القطن، وبعد الدوزنة يرطب المفاتيح بالماء كي لا تفلت. ساعدني الميكانيك في تغيير وضعية مفاتيح العود.
ولتفسير التغيير الذي طرأ على المفاتيح لتركز في مكانها، طلب ألبير منصور من مساعده جمال أن يعطيه «البنجق المش راكب».
ويتابع شرحه: جلّخت مكان المفاتيح على البنجق ومن جهتيه. وهكذا تراجعت المسافة التي يعمل ضمنها المفتاح إلى 3 ملم بدل السنتم.
○ وماذا عن الأوتار ونوعيتها؟
• الأنواع متعددة وكل عازف يرغب بنوع معين منها.
○ مما يتألف العود؟
• من الطاسة، والوجه، والزند، والبنجق، والفرس، والأنف حيث تركب الأوتار، والذي يُصنع من العظم أو العاج. لكن الأخير تراجع استخدامه نظراً لمنع صيد الفيلة. وأضفت إلى وجه العود حيث تُسند اليد قطعة خشبية حفاظاً على وجهه ونظافته.
○ كم تستغرق صناعة العود؟
• بعد تلقي الطلب والاتفاق على التفاصيل يستغرق العود ثلاثة أشهر ليصبح ناجزاً. عملي شخصي ويدوي ولا أملك مصنعاً فيه خلية نحل. فأنا أقوم حتى بدهن العود. والأهم أني لا أتقاضى مقدماً لبدء العمل. أنتظر إنجاز العود، فإن أقنعني صوته أقرر تسليمه لصاحبه. المحبة تصنع كل شيء.
○ كم وتر للعود؟
• 6 أو 7 ومنهم من يطلب المزيد. أنجزت عوداً للفنان مصطفى سعيد من 9 أوتار وبطلب منه. مصطفى سعيد فنان معروف جداً، صنعت له حتى الآن 17 عوداً. ومؤخراً طلب عوداً جديداً.
○ وماذا يفعل بها جميعها؟
• هم أبناؤه. خصص لأعواده غرفة مُكيفة. يدخل الغرفة ويعرف أي الأعواد يريد. وكل منها له اسم، السنباطي، والقصبجي وغيرهما من مشاهير العود في العالم العربي. بعد إقامة طويلة في لبنان للدراسة والعمل عاد مصطفى سعيد إلى وطنه مصر.
○ هل تفوق آخرون على مصطفى سعيد في اقتناء الأعواد؟
• أبداً هو الأول. أنجزت لعفيف مرهج 4 أعواد. و5 لزياد الأحمدية. ولسامي حوّاط 3.
○ ومرسيل خليفة؟
• ذاك العود الأحمر لمرسيل خليفة، والآخر في الجهة المقابلة له.
○ لماذا أعواده في محترفك؟
• تحتاج لبعض الصيانة. هي أعواد يستعملها في بيته فقط للتلحين، وليست للحفلات.
○ هل من عود للمسرح وآخر للمنزل؟
• يفضّل العود أن نعزف على أوتاره برقة، بحيث يسمع صوته العازف ومن حوله، وليس بالضرورة الجيران في الطابق الأعلى. مع احترامي للجميع موضة اليوم هي العود «اللي بيصرِّخ».
○ من تعلّم «الصنعة» منك إضافة إلى مساعدك جمال؟
• جوزف شاب جديد بدأ يتردد إلى المحترف، لديه محل لبيع الورود وأصرّ على تعلّم صناعة العود. يتردد يومياً إلى المحترف منذ ثلاث سنوات وكأنه في دوام عمل رسمي.
○ كم عود ولد في هذا المحترف؟
• للأسف لا أعرف. لكني أعرف أن الحد الأقصى لا يتجاوز 7 أعواد سنوياً. فلا أعتمد أسلوب المصنع في عملي.
○ وماذا عن عودك الأول ومتى ولد؟
• كان ذلك سنة 1987 وها هو معلق في الزاوية «ويرشدني إليه». ولم يكتمل بعد.
○ أما من نية لإنجازه؟
• أبداً ليبقى كما هو.
○ ماذا عن أصل العود، عربي أم فارسي أم تركي؟
• وجهات النظر كثيرة. احتمالات نسب ولادة العود كثيرة ولم تتأكد بعد. كصانع للعود أهتم بوضعه الحالي وكيف أصبح، أكثر من اهتمامي بأصله وفصله. الحمدلله العود بصحة جيدة ويُثبت وجوده، وحاضر في أكبر الأوركسترات. كان لمصطفى سعيد مؤخراً حفل في إسبانيا وقد أعدّ قطعة موسيقية لفيفالدي لتُعزف على الماندولين، فاُستبدلت بالعود.
○ هل من نقابة لصانعي العود في لبنان؟
• لا نقابة ولا تجمُّع، كل يعمل بمفرده.
○ وكم عدد صانعي الأعواد؟
• كثُر وهم إلى ازدياد. حب العود يتنامى. أجمل أنواع الصناعات هي الآلات الموسيقية، ليتها تتفوق على صناعات القتل.
○ من صنع أجمل عود؟
• جميعهم يصنعون عوداً جميلاً، وكل عود صوته جميل. مهما كان وضع العود العازف الجيد سيُخرج منه صوتاً حنوناً.
○ جميل صوت العود مع قول «الليالي». من يعجبك من قائليها؟
• صوت العود جميل في كافة الحالات. ثمة عزف على العود يخطف سامعه من داخله لشدة جماله وعاطفته. صوت العود الجهوري والقوي يحبه البعض، وهو مطلوب على المسرح. ميزة العود أن يعطينا صوته، تماماً كما يعطي الغيتار أو الكمنجا صوته. إنما ليس لنا تحويل العود إلى غيتار أو بيانو، فهذا غير مقبول. بالعودة إلى الليالي فجميع من مرّ في الزمن القديم قالوها بجمال وطرب، صالح عبد الحي وابنه عبد الحي حلمي، هما معاً من أجمل من قالها. في عصرنا لا وجود لمغنيي الليالي للأسف. بعض من الجدد يقولونها الليالي، وكنا نتمى لو لم يفعلوا.
○ في ماضي الزمان كنّا نسمع مقطوعات على العود لعبد الوهاب، أو السنباطي أو فريد الأطرش أو القصبجي ونميز بينها. ما رأيك بتلك المرحلة ومن تحب من أسياد العود؟
• سقى الله تلك الأيام. شخصياً يشكل عود وعزف القصبجي هوسي وغرامي. جميع من ذكرتهم لهم بصمة مميزة في عالم العود. ومشكور كل من قدّم للبشرية نغمة جميلة. ويبقى للإنسان أن يفاضل بين العازفين وهنا أميل إلى القصبجي. إنها طبيعة البشر.
○ ماذا عن التكريم الذي جرى لك مؤخراً في معهد غوته؟
• قبل سنوات صوّرت فيلماً عن صناعة العود لصالح مؤسسة التوثيق الموسيقي في قرنة الحمرا. كان فيلماً متكاملاً من الألف إلى الياء عن صناعة العود، وطوله ساعة وثلاثة أرباع الساعة. فيلم بسيط ولذيذ وبعيد عن التصنّع، عُرض في عددة مهرجانات في أوروبا. لقد اعتذرت من حضور التكريم حيث ألمّ بي المرض.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية