اْفاق الإندماج القومي العربي في إطار العولمة:-
يبدو أن السياسات الاقتصادية في ظل العولمة وايديولوجيا الليبرالية الجديدة أصبحت خاضعة تماما لاتفاقات منظمة التجارة العالمية (الجات) خاصة مع اخفاق تجارب التنمية المستقلة ومحاولة تصدي بعض الدول إلى إقتصاد الأوامر الفوقية. إذ ليس بمقدور الاقتصادات النامية أو المتحولة أن تنأى بنفسها عن تأثيرات العولمة إلا بالوقوع في براثن التهميش والتضييق الدولي الممنهج، في الوقت الذي أضحى فيه صندوق النقد الدولي شاملا للعالم بأسره إلى جانب مجموعة البنك الدولي وتعاظم دور منظمة التجارة العالمية، وهي التي تتكفل مجتمعة (أحيانا) في التضييق على الاقتصادات الوطنية وذلك باغراقها في الديون تحت مظلة الإقراض على المدى القريب والبعيد، والوصول إلى إحكام السيطرة على اقتصاد الدول ومصادرة قرارها السياسي والاقتصادي لحساب الشركات والبنوك متعددة الجنسيات وعابرة القوميات التي يحول إليها الأمر في النهاية، فتسيطر على التفاعلات الاقتصادية والتدفقات المالية العالمية، وتخضع الجميع لأجنداتها التي تخفي بدورها مآرب سياسية للقوى الكبرى صانعة الامبريالية العالمية.
ولا يخفى علينا وملامح المشهد العالمي تتغير بوتيرة متسارعة أن مفهوم التكامل الاقتصادي العربي لا يعامل بالجدية الكافية والواجبة إمكانا وتمكنا (سوق عربية مشتركة- اتحاد المغرب العربي- فتح الحدود بين دول الجوار…) بدافع نزعات الإنكفاء القطري على الذات والمشاكل والحساسيات القطرية التي يغيب عن القائمين على أمرها تغافلا أو جهلا أهمية التكامل الاقتصادي في تنمية الاقتصادات العربية وتحقيق الإندماج المتكافئ في الإقتصاد العالمي.
إنها حينئذ الحاجة إلى استثمار مكتسبات الحداثة الحضارية والتقنية والإستفادة من المكتشفات العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية، وإدراك أن تعظيم القدرة الاقتصادية والتكنولوجية هي ركيزة الامن القومي بعيدا عن الإنكماش حول الذات الحضارية الرافضة لمنتجات العلم والحضارة أو الإنغماس الأعمى في لعبة الأمم والسقوط في براثن العولمة دون الاستفادة من فرصها المختلفة ورسم رؤية استراتيجية للإندماج في البيئة العالمية الجديدة والمتجددة والبحث عن موقع التكافؤ والندية.
يبدو أن العولمة حالة متواصلة فيما يلوح، ولكن الأسئلة التي تطرح نفسها: هل تصب في سياق تحرير طاقات الشعوب وقدراتها والمجتمعات وفاعليتها؟ أم تعمل على تعميق تبعية الدول الفقيرة للدول الغنية وتعزيز هيمنة الدول ذات الاقتصاد المتفوق؟ (بين شمال يزداد غنى وجنوب يزداد فقرا) هل المطلوب الإنفتاح والتعامل مع مقتضيات العولمة أم الانكماش في وجهها؟ – هل العولمة مجرد لحظة من لحظات التاريخ الحضاري مهما طال أمدها؟ – الأمر الذي يفترض امتلاك رؤية استراتيجبة في التعامل معها وهي التي تحاول دمج العالم؟.
تأتي ضمن سياقات المشروع الفكري للعولمة في الدول المتقدمة كتب حاولت فهم طبيعة اللحظة الحضارية المستجدة ورسم ملامح النظام الدولي الجديد، وهي كتب برزت في تسعينيات القرن الماضي ككتاب ‘صراع الحضارات’ لصموئيل هيتنغتون وكتاب ‘نهاية التاريخ’ لفوكوياما الذي رسخ فيه بوضوح ملامح الليبرالية الجديدة شعار الرأسمالية المتأخرة، وكتاب بول كندي ‘صعود وهبوط الامبراطوريات’ وأيضا ‘الموجة الثالثة’ لتوفلر، إضافة إلى كتب أخرى برزت في الأعوام الماضية حاولت جميعها استيعاب التحولات التي يشهدها العالم وهي تشكل درجات عالية من الوعي الحضاري وإن وسم بعضها الطابع الأيديولوجي المباشر.
وإنه الفهم المساعد على أن العولمة حالة حضارية يتفاعل فيها الجانب السياسي بالاقتصادي، ولكنها ليست حركة استعمارية جديدة كما يحاول البعض إبرازها في سياق مكبل بنظرية المؤامرة ويحاولون تصويرها خطرا مهددا للذات الحضارية والهوية القومية. وفي ذلك قصور واضح في فهم المتغيرات الدولية وسلطة المنجزات التقنية والعلمية التي فرضت نفسها في سياق حداثي يلفظ كل من يتجاسر على اللحظة الحضارية ويرفض الاستفادة من مكتسباتها ولم لا الإسهام الشخصي في الفعل الثقافي، العلمي والتقني.
وإلى الاْن، هناك من يفسر ظاهرة العولمة وفق آراء تبسيطية تعجز عن التخلص من منطق العقلية التآمرية للقوى الامبريالية العالمية ومفهوم الأمركة وترسيخ الهيمنة الأمريكية على العالم ضمن أحادية غالبة.
تتجه هذه العقلية كما يبدو عكس التيار وضد حركة التاريخ، وتحاول بايهام مفترض وقف حركة تاريخية منغمسة في سياق حضاري وعلمي متواصل. وهو مطلب مستحيل يفترض أن يعوض بعقلية علمية وطروحات واقعية من جهة الفهم والتمثل، تستوعب الواقع والمتغيرات الحياتية العالمية وتعمل على الإندماج في سياقات التاريخ الحضاري العالمي إذا أرادت بناء الإستئناف الحضاري العربي الإسلامي.
ـ هل من رؤية استراتيجية للتجاوب مع تحديات العولمة؟:
كانت البشرية تعيش في كنف النظام العالمي القديم- عاش فيه العالم عصر الصراعات المزمنة بين الدول الإستعمارية الكبرى، وبين الأنظمة الفردية والدكتاتورية، وانتقلت كما يبدو إلى رحاب النظام العالمي الجديد بعد انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي إلى 15 دولة مستقلة في ديسمبر 1991. وهي حقبة تاريخية اتسمت بعالمية التفكير وصنع الحدث، وعالمية القضايا وحقوق الإنسان بشموليتها وكونيتها، وعالمية الإنجازات والنجاحات والإخفاقات التي تفترض التأثير والتأثر. ومع تصدر الولايات المتحدة الأمريكية مركز القوة المطلقة في العالم على جميع المستويات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والثقافية، اتسمت المرحلة الجديدة من تاريخ العالم بالأحادية والتنميط القائمة على النمذجة الليبرالية الثقافية، وشهدنا مزيدا من اغتراب الإنسان المعاصر وعدم قدرته على التحكم في التحولات وعجزه عن مسايرة المستجدات الحياتية والفكرية المتسارعة والمتلاحقة، ولم يعد للساحة العالمية سمة التوازن الدولي الذي يضمن عدم استفراد الولايات المتحدة بالشأن العالمي كما هو الحال منذ حوالي عقدين، رغم بوادر الحضور الدولي لمجموعة ‘براكس’ (تشمل روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا) التي تحاول إعادة التوازن الدولي للساحة العالمية.
لقد انتهت الحرب الباردة وأصبحت الرأسمالية وأيديولوجيا الليبرالية الجديدة سمة العصر وتربعت الدول الصناعية الثماني (أمريكا، روسيا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، ايطاليا، الصين واليابان) على عرش الاقتصاد مبشّرة ببدء عصر العولمة أحد أشكال الهيمنة الغربية المعاصرة وهو المسكوت عنه في ‘صدام الحضارات’ لهتنغتون وفي ‘نهاية التاريخ’ لفوكوياما تكرارا لمقولة الإستعمار التقليدية عند ‘كبلنج’: ‘الغرب غرب والشرق شرق ولن يلتقيا’. وبات واضحا ضمن فضاء العولمة الشاملة بجميع أشكالها وصيغها الإقتصادية والسياسية والإعلامية سعي السياسة الأمريكية والغربية إلى تفتيت الدول العربية والإسلامية إلى قوميات عرقية متناحرة ومتصارعة لتقضي بذلك على التكتلات الكبرى القادرة على مواجهة خطر العولمة . وهي سياسة واضحة الملامح في المنطقة عبرت عنها محاولات تجزئة المجزأ بتفتيت العالم العربي وتقسيمه إلى دويلات وكنتونات صغيرة وشرذمته بين سنة وشيعة، عرب وأكراد وبرابرة، ومسلمين وأقباط. وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية بينهم حتى تبقى إسرائيل الدولة المتماسكة والقوية غير المتشرذمة، يدعم موقعها عالم إسلامي مجزء في باكستان والهند وماليزيا وأندونيسيا وتركيا…
إنه حينئذ الفهم المساعد على أن مضار الإستعمار والتبعية قد مست بنية الفكر العربي والإسلامي وجعلته نسيجا مهزوما لم تستطع النخب الفكرية الموجودة داخله إعادة الروح إليه أو التصدي لمشروع الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية وتبعياتها على المستوى الإجتماعي والمعيشي اليومي، تماما كمحاولات جيل النهضة الذين أطل على النهضة من زوايا ضيقة فلم ينتج سوى وهم النهضة. وبات الوعي الحداثي لدى المفكرين العرب وعيا قاصرا مخلاّ يرى التحديث ممكنا من خلال مظاهر التقدم المادّي ولا يراه وليدا شرعيا لجملة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية العلمية، ليقتصر التحديث في البلاد العربية على الجانب المادي ولم تتحقق بعد الحداثة الفكرية في البيئة الثقافية العربية الإسلامية، بل تعمقت حالة التبعية باحتواء مباشر مع تفاقم ظاهرة العولمة وأيديولوجيا الليبرالية الجديدة التي أنتجت أزمات إقتصادية متلاحقة، لتتنوع إثر ذلك جماعات الرفض السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ـ الجماعات المنظمة والفوضوية، والأقليات العرقية والطائفية، واستمرت الثقافات المضادة في عصر العولمة في تظاهرات حركة ‘احتلّوا وولت ستريت’ في أمريكا (العام الماضي) والتي تأثرت بزخم الحراك في المنطقة العربية حتى أنها رددت بعض الشعارات نفسها. واتسعت حركة الاحتجاج لتشمل دول أوروبية عديدة رافضة البون الشاسع بين الأغنياء والفقراء، وتحكم البرجوازية وأصحاب الأموال في مصير المجتمعات والشعوب. وكان من نتائجها تغيير الحكومات على غرار اليونان (سقوط رئيس الوزراء تحت ضغط الشارع الذي رفض اجراءات التقشف التي طالب بها الاتحاد الأوروبي حكومة اليونان) وايطاليا (رحيل برلسكوني) وفرنسا (فشل ساركوزي في دورة رئاسية ثانية بسبب فشل السياسة الاقتصادية والاجتماعية)
وينشأ عن ذلك كله أنه لا يمكن التعامل مع تحديات العولمة والمتغيرات الحادثة من حين إلى آخر إلاّ بامتلاك رؤية استراتيجية تكون نتاج عقلية جديدة تتخلص من رواسب منطق المؤامرة وتتعامل مع المستجدات الحياتية والفكرية بعقلية موازية وغير متأخرة من جهة الإستيعاب والتمثل والإقرار والتنظير. إذ لا يمكن مجاراة التحولات الجارية على الصعيد العالمي بالتعصب للذات الحضارية وفق أصولية علمية، ولا يمكن فهم الألفية الثالثة بمنطق بدايات الألفية الثانية ولغتها الاستعمارية، كما أنه لا يمكن تحدي العولمة بالقوقعة والإنكماش والإحتراب على الوهم، والتشبث بفكرة التآمر الخارجي وأن العولمة مجرد تعبير اْخر لأمركة العالم.
وقد نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نؤسس لرؤيتنا الكونية الخاصة في إطار من التنوع والإختلاف والتجاوب الحر من أجل التفاعل الإيجابي مع واقع العولمة وتحديات النظام الدولي الجديد.
‘ أستاذ وباحث في الحضارة