بات واضحا أن مبدأ التكتل على أساس القومية والعروبة والإسلام كهوية مركزية، تكون في ثناياها شروط الحداثة والمعاصرة بتجلياتها المختلفة، هي من جهة المنحى الغالب لدخول هذا النظام العالمي الجديد الذي بات يفرض التخلي عن ذاك الإنشطار أو التشظي أو التجاذب غير المجدي بين ماضوي يأبى التحلي بقيم العصر ومنتجاته العلمية والتقنية وحداثوي أو عصري يتخلى عن جذوره كافة ليندمج في سياقات العالم الاْنية تحت مسمى المعاصرة. ويغيب إلى الاْن فصل المقال الذي يقضي بأن الإندماج في هذا النظام الدولي الجديد يكون بالتمسك بالثوابت الحضارية والموروثة جنبا إلى جنب مع مقتضيات العصر العلمية والتقنية. وعلينا الا ننسى أنه في سبيل السيطرة على العقل العربي وعقل العالم الثالث ككل، استخدمت الإستراتيجية الأوروبية والأمريكية ركائز مهمة للإنطلاق خلال السبعينات تحديدا. فلم يكتف الإستعمار الغربي بالسيطرة الاقتصادية على المنطقة وترك دولها في حالة التبعية الخانقة بل ورسم ملامح خارطة استراتيجية محكمة على المدى البعيد لاحتواء البلدان العربية والإسلامية والاْسيوية (شرق اْسيا تحديدا)، ولا يكون ذلك إلا بإتباع السيطرة الاقتصادية بالسيطرة الثقافية وهو طرح ‘بريجنسكي’ مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر. فقد طرح الرجل في نهاية السبعينات فكرة تعميم قيم المجتمع الأمريكي وثقافته على كل دول العالم ضمن مخطط أمريكي واضح ومبكر مهد الطريق لرسم معالم القطب الواحد والمتحكم في العالم في إشارة إلى نهاية مرحلة الثنائية القطبية والتدليل على أن المستقبل سيكون أمريكيا متجسدا في آليات تحكم عالمية تنهي التأقطب الثنائي أو أية امكانية لتوازن دولي ما. ولعل السيطرة الامريكية على نسبة هامة جدا من المادة الإعلامية وشبكات الإعلام في العالم كان لها أن تسهل هذا التعميم الثقافي، والخطوة الأولى حسب ‘بريجنسكي’ تكون عبر إحكام السيطرة الاقتصادية. وهي كما يبدو ملامح نظام دولي جديد بدأت بوادر ظهوره تنكشف في عهد ‘مارغريت ثاتشر’ في بريطانيا العام 1979 وسرعان ما تعهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بتطويره وتطبيق أجنداته، وهو نظام يراهن أساسا على تهميش دور الدولة في اتخاذ القرار الاقتصادي الوطني الذي يصبح في متناول الأسواق العالمية الحرة، وهو الاقتصاد المعولم عبر الشركات متعددة الجنسيات التي تصادر القرار السيادي للدول خاصة المتخلفة منها التي تتقلص الخيارات السياسية لديها لتحل محلها الخيارات الاقتصادية غير الإرادية، والتي تتحكم فيها الشركات الكبرى العابرة للقارات ومتعددة الجنسيات، تلك التي تعمل وفق مبدأ المنافسة وتسعى دائما للحصول على إنتاج جيد بجودة عالية وبسعر أقل، وبيد عاملة أرخص واستثمارات أقل كلفة. فهي شركات تبحث عن الربح الدائم وغير مرتبطة في الغالب بأية دولة، وهي تنقل دائما استثماراتها إلى الأماكن الأكثر ربحية، وتلك من أهم مظاهر العولمة ضمن الاقتصاد الرأسمالي وشعار الليبرالية الجديدة وتحرير الأسواق. وفي ظل العولمة تضيق الحدود القومية للدولة القطرية، ويتقلص مبدأ السيادة الوطنية ويتهمش دور الحكومات في إدارة الاقتصاد الوطني والتحكم بآلياته واتخاذ القرارات اللازمة بشأنه، وتدبر المخططات الاقتصادية، ولا شيء يبقى حينئذ للحكومات المحلية في ظل الإقتصاد المعولم وسياسات البنوك الدولية. وقد يصل الأمر إلى حد عجز الدولة عن مواجهة تقلبات الدورة الاقتصادية أو مراقبة حركة رؤوس الأموال أو التأثير فيها أو في أوضاع السوق وحركة السلع في ضوء انفتاح الاقتصاد الوطني على السوق العالمية، ذلك أن الاندماج في الاقتصاد العالمي يجعل حجم إنتاج هذا البلد أو ذاك من السلع والخدمات متوقفا على قدراته التنافسية في ظل عولمة أسواق السلع والخدمات والمال والنقد والتمويل والاستثمار، وعلى مزاياه النسبية وفرصه التصديرية أمام تعاظم القيود على انتقال السلع ونقل التكنولوجيا الأحدث، وكذلك على مهاراته التسويقية في الوقت الذي يتسارع فيه تحرير الأسواق وتعظيم القدرة التنافسية. وهو تحديدا ما تعاني منه دول ما يسمى ‘الربيع العربي’ بعد المتغيرات الحادثة وخاصة منها تونس ومصر في وضعهما الراهن. لطفي العبيدي أستاذ وباحث في الحضارة العربية الإسلامية Email :lotfiabidi1311@yahoo .com