العيارون واللصوصية في التراث العربي

لا تستغرب من القول إن حركة الشطار والعيارين (اللصوصية) من الحركات الشعبية الأصيلة في التاريخ العربي الممتد، تلك الجماعات التي ظهرت بين العامة، وتمردت على الدولة والمجتمع، واستهدفت الثورة على الحكومة والسلطة وذوي المال، وذلك عبر احتراف أعمال اللصوصية والعيارة. والغريب أن لفظة العيار تعني في لغة أهل التركستان؛ اللص الشريف الذي يفشل في الحصول على تسوية لوضعه الاجتماعي أو في الحرية السياسية، فيتجه إلى أعمال اللصوصية، وتحدي سلطة الدولة.

والمفارقة في أمرها، أن هذه الحركة إذا كانت مرفوضة من الناحية القانونية والسلطوية، فإنها مقبولة من الناحية الاجتماعية، ويُعَدُّ أصحابها من الأبطال في نظر العامة، تلهج بذكرهم، وتشيد ببطولتهم في حديثها السيار، ولها مبرراتها في ذلك، فهي تنظر إليهم وإلى تمردهم أو ثورتهم على الدولة والمجتمع؛ باعتبارهم يمثلون ثورة الفقراء على الأغنياء.  وقد ازدهرت حركة العيارين في الحواضر السياسية والاقتصادية أولاً، ومن ثم تمددت إلى الأطراف والمدن الكبرى، ذات الثقل والبعد النسبي عن مركز السلطة، وتنمو أكثر كلما اشتد ترف الطبقة الحاكمة وثرائها، حينما عامة الشعب تعاني أقصى درجات الحرمان.

وعلى الجانب الآخر، فإن أتباع هذه الحركة يُنتقَدُون بشدة، لأن أسلوبهم في التمرد والسلطة كان يفتقر للنظام والتخطيط لتغيير الحكم، ولم يكن للقائمين عليها تصور لمجتمع آخر، وهذا منطقي، فلم يكونوا أبطالاً أو شرفاء، ولكن كانت لديهم مبادئ نبيلة، وقوانين عادلة، ضمن مجتمعهم القائم على اللصوصية والنهب.

وقد اهتم مؤلفو الكتب السردية القديمة بالشطار والعيارين، وذكروا قصصا عنهم، فللجاحظ مؤلَّف بعنوان “كتاب اللصوص (من تحقيق: عبد السلام هارون، ونشر في مكتبة الخانجي، القاهرة) وفيه يروي دستور العيارين وهم جماعة من اللصوص كانوا يقطعون الطريق على المسافرين، ويسرقون من الأغنياء ويساعدون الفقراء، ولهم دستور خاص بهم. وقد قدّم الجاحظ دستور هذه الجماعة بشكل حسن، وجعلهم أصحاب رسالة نحو الفقراء، وإن أخذ عليهم أساليبهم غير الشرعية.

والمدهش في الأمر أن الجاحظ ذكر سردياته عن اللصوص، من واقع معاشرته لبعضهم، وسماعه بنفسه لحكاياتهم. وذلك منهجه وأسلوبه الذي أشار إليه في مقدمة كتابه “البخلاء” وأكّد عليه في كتاب “اللصوص” فلو سمع بقصة عن لص، يعمل على تقصّيها، ليخرج عنها الكذب ويأتي بالرواية الصادقة، ويشير بقوله: “وقد رأيت بعضاً منهم وجالستهم”.

وهذا دال على دأبه في المعرفة والحضور الذي يشكل أهم صفات الباحث العلمي والموسوعي، بأن يكون له تواجد اجتماعي دائم من خلال عمل مستمر ومتقصّ ويتسم بالمراجعة للحقائق، حتى لو كانت طبيعة الموضوع تتعلق بالسرقة واللصوصية.

ويذكر بعض الباحثين أن كتاب “اللصوص” للجاحظ هو سجل للصوصية؛ ليس في عصره فحسب، بل إن الجاحظ قد قام فيه بتتبع الأمر من الزمن الغابر إلى زمنه المعاصر، وأنه كان يقوم على معالجة فنية وليس مجرد عمل إخباري.

وفي تقريظ كتاب “اللصوص” يورد الخطيب البغدادي ما نصه: “هو (الكتاب) في تصنيف حيل لصوص النهار، وفي تفضيل سراق الليل، جمع فيه لطائف الخدع، وغرائب الحيل”، أي أورد القصص الطريفة والمسلية على شاكلة ما في “البخلاء”.

وعلى صعيد آخر، فإن المحسن التنوخي في كتابه السردي الكبير “الفرج بعد الشدة” يتبنى وجهة النظر الجاحظية نفسها نحو اللصوص، من خلال قصتين، الأولى يرويها عن أبيه، حيث يحكي الأب أنه كان مسافرًا من الكرخ إلى واسط عبر النهر، فخرج عليه جماعة من اللصوص، إلا أن الوالد رفض أن يهاجمهم حتى لا يهاجموه، وما إن اقتربت سفينة اللصوص من سفينة الوالد، حتى صعد إلى سفينته زعيمُهم، وراح يقبّل وجه الوالد ويديه، فلما سأله والد التنوخي عن سبب فعله، ذكر الزعيم أنه ابن بوّاب كان يعمل لدى الوالد في الكرخ ولا يزال يذكر للوالد معاملته الحسنة له، وعن سبب احترافه السرقة، قال زعيم اللصوص: “يا سيدي، نشأتُ، فلم أتعلم غير معالجة السلاح، وجئت إلى بغداد أطلب الديوان (يقصد أن يعمل في الحكومة) فما قبلني أحد، فانضاف إليّ هؤلاء الرجال، وطلبت قطع الطريق، ولو كان السلطان أنصفني ونزّلني بحيث أستحق من الشجاعة، وانتفع بخدمتي ما كنتُ أفعل هذا بنفسي”، فوعظه والد التنوخي، وطلب منه أن يعفو عن من بالسفن ففعل وكذلك فعل مع الفقراء والضعفاء، وسار اللص مع الوالد حتى أوصله إلى بر الأمان.

ومن خلال كلام اللص الكرخي وتصرفه، نرى أن أسباب انحراف هؤلاء اللصوص تعود إلى أبعاد اجتماعية، فقد نبذهم ديوان الحكم والمجتمع، فاحترفوا اللصوصية مدفوعين بالعوز والفاقة، ومع ذلك لا يؤذون الضعفاء من المسافرين ولا الفقراء.

والقصة الثانية يرويها المحسن عن ابن حمدي اللص البغدادي الشريف، الذي اشتهر بفتوته وظرفه وعدله، فقد كان لا يأخذ مالاً دون ألف درهم، ولا يفتش امرأة ولا يسلبها، وموجز القصة أن أحد التجار كان مسافرًا، فقطع عليه الطريق أتباع ابن حمدي، وسلبوه كل ما يملك من مال في الدنيا، ففكر التاجر، وذهب باكيًا مسترحمًا إلى ابن حمدي، الذي عطف عليه، وأعطاه نصف المال الذي أخذه وهو يقول : “يا هذا، الله بيننا وبين هذا السلطان الذي أحوجنا إلى هذا، فإنه قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إلى هذا الفعل، ولسنا فيما نفعله نرتكب أمرًا أعظم مما يرتكبه السلطان. وأنت تعلم أن ابن شيرزاد في بغداد يصادر الناس ويفقرهم، حتى أنه يأخذ الموسر المكثر، فلا يخرج من حبسه إلا وهو يهتدي إلى شيء غير الصدقة، وكذلك يفعل البريدي في واسط والبصرة، والديلم في الأهواز” ويقصد بالديلم والبريدي ولاة هذه المناطق المشار إليها، وقد التمس التاجر من زعيم اللصوص أن يوصله أحدهم بشطر ماله إلى مكان آمن، فإنه يخشى باقي قطاع الطرق، فأجابه ابن حمدي إلى ذلك وأرسل معه من حماه.

المبررات نفسها التي ساقها ابن حمدي هي التي ساقها اللص الكرخي في القصة السابقة، وهي تعكس فسادًا سياسيًا واجتماعيًا كبيرين في المجتمع وقتئذ. وللمفارقة، فإن التنوخي يجعل زعيم اللصوص – في القصتين – سبب المحنة وسبب تفريجها؛ فالدلالة المرادة هي أن انحراف هؤلاء ناتج عن فساد السلطان.

أما سرديات اللصوصية والعيارين فهي كثيرة وفيرة في التراث العربي، وقد أشار إليها ابن النديم في كتابه “الفهرست” معددا أبرز الكتب التي تحدثت عن طائفة السُرّاق، وفنون السرقة، ومن ضمنها: “كتاب السرقة وقطاع الطرق” لمؤلفه محمد بن حسن (ت 189 هـ)، والذي يعتبر أقدم الكتب في هذا الموضوع، ويبدو أنه سبق الجاحظ أو استفاد منه. وهناك كتاب “الحراب واللصوص” لمؤلفه أبي هلال لقيط المحاربي المتوفى (ت 190 هـ)، وأيضا كتاب “الراحة ومنافع العيارة” لأبي العنبس الصميري (ت 256 هـ)، وكتاب “أشعار اللصوص” لأبي سعيد السكري (ت 275هـ)، وهو متقدم زمنياً بالإضافة لكتاب متقدم آخر وهو “كتاب السرقة” لأبي سليمان داود بن علي الأصفهاني، المتوفى (ت 270 هـ)، وهو ما يستلزم الكثير من الدراسات البحثية، التي نقرأ بها الوجه الآخر للمجتمع العربي المسلم، من خلال سرديات اللصوص، فلا يمكن فهم مجتمع إلا بدراسته من جوانبه كافة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية