الغاز الروسي يقوض مساعي الأوروبيين لفرض أقصى العقوبات المرجوة ضد موسكو

آدم جابر 
حجم الخط
1

باريس ـ «القدس العربي»:  «هو أخطر انتهاك للسلام والاستقرار في أوروبا منذ عقود ويشكل تحولاً في تاريخها» هكذا وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الهجوم الروسي على أوكرانيا والذي أعقب اعتراف فلاديمير بوتين باستقلال الانفصاليين الأوكرانيين. في مواجهة القصف الروسي، تبدو العقوبات السلاح الوحيد الذي يرفعه حالياً الغرب، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، في ظل تشديده على أنه لن يتم إرسال أي قوات إلى أوكرانيا، التي قال رئيسها: «تركنا لوحدنا ولا أحد يريد أن يحارب معنا». غير أن هذه العقوبات ليست محل اجماع في ظل الخشية من عواقب ذلك على إمدادات الغاز الروسي الذي تعتمد عليها أوروبا بشكل كبير.

أظهرت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي «الوحدة» ضد موسكو، بالإعلان عن حزمة عقوبات ضدها طالت قطاعات مختلفة، بما في ذلك قطاعات المال والطاقة والنقل. وستشمل أيضاً السلع ذات الاستخدام المزدوج وإصدار التأشيرات، وذلك خلال قمتهم الطارئة الاستثنائية التي تم عقدها ليلة الخميس- الجمعة في بروكسل. واعتبر القادة الأوروبيون أنّ تداعيات مثل هذه العقوبات ستكون «هائلة وخطيرة».
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إنها تستهدف 70 في المئة من السوق المصرفية الروسية والشركات الرئيسية المملوكة للدولة، ومنها شركات في مجال الدفاع، مشيرة إلى أن القيود المفروضة على روسيا ستُضر بقطاعها النفطي من خلال منع وصول هذا البلد إلى المواد التي تحتاج إليها من الاتحاد الأوروبي لتشغيل مصافي النفط، كما أنها ستؤدي إلى زيادة تكاليف الاقتراض الروسية وزيادة التضخم وتقويض القاعدة الصناعية لروسيا تدريجياً.

بوتين ولافروف ضمن قائمة المعاقبين

وأضافت أورسولا فون دير لاين أن العقوبات الأوروبية تستهدف أفراد النخبة الروسية بالحد من ودائعهم حتى لا يعودوا قادرين على إخفاء أموالهم في أوروبا. وسيتم بموجب هذه العقوبات حظر بيع جميع الطائرات وقطع الغيار والمعدات لشركات الطيران الروسية، ما يؤثر سلبا على هذا على القطاع الرئيسي في الاقتصاد الروسي وعلاقات البلاد مع بقية العالم. وأيضاً سيتم بموجب هذه العقوبات الحد من وصول روسيا إلى التقنيات الحيوية. وأخيراً، بالنسبة إلى التأشيرات، لن يتمتع الدبلوماسيون ورجال الأعمال بامتياز الوصول إلى الاتحاد الأوروبي. هذا ما ألحت عليه أورسولا فون دير لاين.
وفي خطوة أكثر رمزية، وافق الاتحاد الأوروبي على إدراج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف على قائمته للأفراد الخاضعين للعقوبات، كما أعلن جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن زعماء العالم الوحيدين الخاضعين لعقوبات الاتحاد الأوروبي هم الأسد من سوريا ولوكاشينكو من روسيا البيضاء والآن بوتين من روسيا.
وكانت ألمانيا قد استبقت الهجوم الروسي على أوكرانيا، بتجميدها خط أنابيب الغاز الحيوي والمثير للجدل «نورد ستريم 2» الذي يربط روسيا بألمانيا، والذي يعد أصلاً محل انقسام بين الأوروبيين، رداً على اعتراف الرئيس الروسي بوتين باستقلال منطقتي لوغانسك ودونيتسك الانفصاليتين المواليتين لروسيا في شرق أوكرانيا.

«نورد ستريم 2 « على المحك

يعد هذا المشروع الحيوي محل انقسام بين الأوروبيين، في ظل قلق بولندا ودول البلطيق من إمكانية تراجع الاتحاد الأوروبي أمام ما يريده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما أنه لم يكن موضع إجماع حتى داخل ألمانيا نفسها. المستشار الألماني أولاف شولتس، قرر إخضاع المشروع لـ«إعادة تقييم» سياسي بسبب «الوضع الجيوسياسي» الجديد، في خطوة رحبت بها واشنطن، وسخر منها الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف قائلاً: «مرحبا بكم في عالم جديد، حيث سيدفع الأوروبيون قريبا ألفي يورو مقابل ألف متر مكعب من الغاز، وهو مبلغ سيكون ضخما بالنسبة إلى ألمانيا التي استوردت عام 2020 وحده 56.3 مليار متر مكعب من الغاز الروسي».
فألمانيا تستورد نحو 55 في المئة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من روسيا التي تعد المورد الرئيسي للغاز الطبيعي إلى أوروبا (41 في المئة) مما يعني أن الغاز يبقى الورقة الرئيسية لموسكو لابراز الانقسامات داخل أوروبا باستراتيجية متباينة، بحيث يمكنها أن تقرر تصديره إلى الدول «الصديقة» مثل ألمانيا واليونان والمجر، وليس «الأشرار» مثل بولندا أو ليتوانيا. وتترك الخيار لدول أخرى مثل فرنسا، اعتمادًا على موقفها. أما بالنسبة إلى أوكرانيا، فحتى لو خفضت روسيا حجم الغاز الذي يمر عبر خط الأنابيب الخاص بها، فإنها تدين لها تعاقديًا بحق عبور 1.2 مليار دولار سنويًا.
وفي ظل اعتماد أوروبا الثقيل على الطاقة، يرى خبراء ومحللون أن تخفيض شراء غاز ونفط روسيا ستكون له تداعيات مدمرة على الأوروبيين. فمع أنه سيؤثر بالتأكيد على روسيا بشدة على المدى المتوسط وفق صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية في مقال نشرته يوم الـ24 كانون الثاني/يناير الماضي، لكن سيكون له أيضا تأثير مدمر على المدى القصير جدا على الأوروبيين الذين يواجهون بالفعل ارتفاعا حادا في أسعار الطاقة، ويعتمدون إلى حد كبير على الغاز الروسي. في حالة حدوث انخفاض في الواردات، ستكون البلدان الأكثر تضررا هي دول وسط وشرق أوروبا، ولكن أيضا ألمانيا، وبدرجة أقل، فرنسا التي يلبي الغاز الروسي 20 في المئة من حاجاتها الاستهلاكية وفق «ليبراسيون». وهذا ما يفسر تردد وانقسام الأوروبيين حيال مسألة عزل روسيا عن نظام «سويفت» للمدفوعات العالمية بين البنوك، المطلب الرئيسي للحكومة الأوكرانية، والذي يُعَدُّ الأداة الأساسية في النظام المالي العالمي، ويعتبر خبراء ومحللون أنه يُشكل سلاحاً فتاكاً ضد الاقتصاد الروسي. لكن إيطاليا وألمانيا رفضتا استخدام هذه الورقة، على الأقل في الوقت الحالي، إذ شدد المستشار الألماني أولاف شولتس على أن استبعاد روسيا من نظام «سويفت» العالمي للمدفوعات بين البنوك ينبغي ألا يكون جزءا من حزمة العقوبات ضدها. وهذا الموقف تشاطره أصوات في بلدان أوروبية مختلفة، بما في ذلك، مثلا، مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا، والتي شددت على أنه «يجب الحذر من ألا تكون للعقوبات ضد روسيا عواقب وخيمة على مستوى القدرة الشرائية للمواطنين». وحضت على حماية الفرنسيين من الانفجار في أسعار الغاز الذي قد تسفر عنه هذه العقوبات. نظام «سويفت» سبق للمجتمع الدولي حرمان إيران عام 2012 منه، حيث طُردت 30 مؤسسة إيرانية، بما في ذلك بنكها المركزي، تماشياً مع عقوبات الاتحاد الأوروبي لطهران وبرنامجها النووي. وبعد توقيع اتفاق عام 2015 حول البرنامج النووي الإيراني، أعيد ربط طهران بالنظام، قبل أن تستبعد مجدداً عام 2018 على خلفية العقوبات الأمريكية الجديدة في عهد دونالد ترامب.
ووفقاً لمعهد كارينجي في موسكو، فقد خسرت إيران نحو نصف عائدات تصدير النفط و30 في المئة من تجارتها الخارجية نتيجة لهذا العزل. ويرى المعهد أن استبعاد روسيا من نظام سويفت سيكون «مدمرا بنفس القدر» بالنسبة إلى الاقتصاد الروسي، لأن روسيا تعتمد بشدة على هذا النظام بسبب ملياراتها من صادرات الهيدروكربونات المقومة بالدولار.
غير أنه ثمة مخاطر قد يتعرض لها الاقتصاد العالمي في حال استبعاد الغرب لروسيا من نظام سويفت، لأن الاقتصاد الروسي هو ضعف الاقتصادات الأخرى التي سبق للولايات المتحدة أن عاقبتها. ففرنسا على سبيل المثال، لديها العديد من المصالح الاقتصادية في روسيا، فهي ثاني أكبر مستثمر أجنبي في هذا البلد، ويعمل بها نحو 160 ألف موظف في الشركات الفرنسية.
لكن مفوضة الخدمات المالية بالاتحاد الأوروبي ميريد ماكجينيس أوضحت أن الإجراء لم يُلغَ كعقوبة محتملة لا يزال مطروحا على الطاولة. وتحدث الرئيس الأمريكي جو بايدن عن هذه الانقسام الأوروبي، موضحاً أن إخراج روسيا من منظومة سويفت للتعاملات المصرفية «يظل خياراً، لكن هذا الخيار لم يحصل بشأنه حتى الآن موقف مشترك بين الأوروبيين». في حين، أكد وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير الجمعة أن الاتحاد الأوروبي «يريد قطع كافة الروابط بين روسيا والنظام المالي العالمي، وعزلها وتجفيف تمويلات الاقتصاد الروسي».

موجة هجرة

اعتبرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن هذه الأزمة تظهر مجددا أن أوروبا ما تزال تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي، قائلة: «على الأوروبيين تنويع مورّدينا والتحوّل إلى الطاقات المتجدّدة». وعلى نفس المنوال، تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، معتبراً أن «الحرب أظهرت أن أوروبا بحاجة إلى أن تصبح قوة حقيقية وأن تكون مستقلة في مجالي الطاقة والأمن».
في خضم ذلك تلوح أزمة أخرى في الأفق بالنسبة إلى الأوروبيين، مع وصول أول دفعة من اللاجئين إلى شرق الاتحاد الأوروبي، حيث تحدثت الأمم المتحدة يوم الخميس الماضي عن فرار الآلاف ومغادرة الآلاف الآخرين البلاد، فيما حذرت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد من مغبة الصراع الذي أشعلته روسيا مع أوكرانيا والذي قد يؤدي إلى «أزمة لاجئين جديدة» مع «نزوح ما يصل إلى 5 ملايين شخص إضافي».
ولطمأنة المنظمات الدولية والجمعيات غير الحكومية المعنية، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن الاتحاد الأوروبي «على استعداد تام» لاستقبال الأوكرانيين الذين يفرون من بلادهم في مواجهة هجوم روسي، مضيفة أنهم «موضع ترحيب». وأكدت أنه «مع وجود جميع الدول الأعضاء على خط المواجهة، فإن هناك الآن خطط طوارئ محددة بوضوح لاستقبال اللاجئين من أوكرانيا على الفور واستيعابهم». وأوضحت أن الاتحاد الأوروبي يقدم الدعم الإنساني لأوكرانيا لتلبية حاجات النازحين داخليًا. وأكدت أن أوكرانيا ستستفيد من زيادة الدعم المالي، بالإضافة إلى المساعدة المالية البالغة 1.2 مليار يورو المتوفرة حاليًا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية