الغربيون أمام سؤال شائك اليوم: كيف نواصل دعم أوكرانيا من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا؟

آدم جابر
حجم الخط
1

الاتحاد الأوروبي لا يضمن استخدام الطائرات والصواريخ بعيدة المدى التي تطلبها كييف لقصف أهداف عسكرية ومدنية داخل روسيا ما يحول الحرب إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والغرب.

باريس ـ «القدس العربي»:  بعد واشنطن في نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي وكانت تلك المرة الأولى التي يغادر فيها أوكرانيا منذ انطلاق العمليات العسكرية الروسية ضدها في 24 شباط/فبراير عام 2022 حطّ الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي هذا الأسبوع الرحال في عدد من عواصم أوروبا المهمة للضغط على حلفاء كييف من أجل تسليمها ذخائر وأسلحة ثقيلة وطائرات مقاتلة. فبعد زيارة مفاجئة إلى المملكة المتحدة، الأربعاء، توجه إلى باريس حيث استقبله نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس، مساء اليوم نفسه، في قصر الإليزيه، قبل أن يتوجه مع ماكرون، صباح يوم الخميس، على متن نفس الطائرة، إلى بروكسل (مقر مؤسسات دول الاتحاد الأوروبي) حيث تم استقباله بحفاوة من قبل قادة الدول الأعضاء في الاتحاد.

من لندن إلى بروكسل مرورا بباريس، حضّ الرئيس الأوكراني حلفاء بلاده على تزويدها بطائرات مقاتلة حديثة وصواريخ بعيدة لصدّ الغزو الروسي، مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى للغزو الروسي، مشددا لرئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك على أهمية حصول كييف على الأسلحة الضرورية، ثم ألح زيلينسكي بعد ذلك على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس، على أنه «كلما حصلت بلاده على أسلحة ثقيلة بعيدة المدى في وقت أسرع، اقترب موعد انتهاء العدوان الروسي». واعتبر الرئيس الأوكراني أن باريس وبرلين لديهما فرصة «لتغيير قواعد اللعبة» من خلال عدم التردد في تسليم أوكرانيا أسلحة ثقيلة وطائرات مقاتلة حديثة. كما حذّر في مقابلة مع صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية من عواقب إمكانية استلاء الروس على مدينة باخموت في الشرق الأوكراني، والتي تعدّ مسرحاً لمعارك دامية منذ أكثر من ستة أشهر. وقال إن هذه الفرضية في حال تأكدها ستعطي الروس «أفضلية» والرغبة في «الذهاب أبعد من ذلك».
غير أن دعوة الرئيس الفرنسي لنظيره الأوكراني، إلى قصر الإليزيه، بحضور المستشار الألماني انُتقدت من قبل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التي قالت إنها «أتت في وقت غير مناسب، لأنّني أعتقد أنّ قوّتنا في هذه القضية هي الوحدة». وأوردت وسائل إعلام إيطالية أن ميلوني لم تتقبّل عدم دعوتها إلى العشاء مساء الأربعاء الذي جمع إيمانويل ماكرون وأولاف شولتس وفولوديمير زيلينسكي. ودافع المقربون من الرئيس الفرنسي عنه في محاولة الرد على هذا الانتقاد فقالوا إنه لم يكن بإمكان ماكرون دعوة أكثر من رئيس دولة أو حكومة أوروبية من دول الاتحاد الأوروبي لعدة أسباب، أولها يتمثل في تجنّبه التضبيب على قمة الاتحاد الأوروبي التي عقدت غداة القمة الثلاثية التي جمعته في باريس مع المستشار الألماني والرئيس الأوكراني. وثانيها أن وزن ألمانيا في الاتحاد الأوروبي أهم بكثير من وزن إيطاليا لاسيما بعد أن اتخذت القيادة السياسية الألمانية قرارا سياسيا لجعل بلادهم تكون أول قوة عسكرية في دول الاتحاد الأوروبي. ويضيف متابعو الشؤون الأوروبية سببين آخرين من الأسباب التي جعلت الرئيس الفرنسي يجتمع في باريس مع الرئيس الأوكراني بحضور المستشار الألماني فيقولون إن ماكرون أراد من وراء هذا اللقاء التأكيد قبل كل شيء لزيلينسكي أنه غير من موقفه تجاه روسيا في الأشهر الأخيرة بعد أن كان يدعو من قبل لعدم «إذلال روسيا» لحملها على التفاوض لإنهاء الحرب بسرعة. وقد أصبح ماكرون يدعو إلى التحرك لحمل روسيا على الإقرار بأنها غير قادرة على كسب هذه الحرب أيا تكن جهودها. واهتدى إلى ذلك بعد أن فشلت مساعيه في التوسط بين أوكرانيا وروسيا لإنهاء الحرب بسرعة بسبب إصرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مواصلتها. من جهة أخرى، لم يفكر ماكرون في دعوة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى باريس للمشاركة في اللقاء مع الرئيس الأوكراني لأن علاقات ماكرون بها متوترة منذ وصولها إلى السلطة بسبب خلافات حول ملف الهجرة غير النظامية الوافدة أساسا من أفريقيا إلى أوروبا.

كل أوروبا مهددة

مهما يكن الأمر فقد توجه زيلينسكي بعد محطتيه اللندنية والباريسية إلى بروكسيل واستُقبل بالهتافات المرحبة والتصفيق من قبل نواب البرلمان الأوروبي. وحذر أمامهم من مغبة الحرب الروسية على بلاده، فأكد أن الحرب ستكون «شاملة وتهدد أسلوب الحياة الأوروبي» قائلا: «إننا ندافع في مواجهة أقوى قوة معادية لأوروبا في العالم الحديث. إننا ندافع عن أنفسنا، نحن الأوكرانيين في ساحة المعركة، إلى جانبكم». ثم انضم عقب ذلك إلى قادة الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي كضيف خاص في قمتهم العادية، وحثّهم على الاستجابة بسرعة لحاجة بلاده المُلحّة إلى مدفعية وذخيرة ومدرّعات حديثة وصواريخ بعيدة المدى وطائرات مقاتلة بشكل يفوق سرعة المعتدي على التحضير لما قال إنه سيكون هجوما جديدا وخطيرا.
عقب الاجتماع، قال زيلينسكي، للصحافيين، إن عدداً من قادة الاتحاد الأوروبي وعدوه خلال قمتهم بتزويد بلاده بالطائرات، من دون تقديم أي تفاصيل بشأن التعهدات. وذكر أن هناك إشارات إيجابية فيما يتعلّق بالأسلحة المذكورة، معرباً عن أمله في أن تتحول هذه الإشارات إلى أصوات عملية تخشاها روسيا وتقرأ لها ألف حساب. وكتب مدير مكتبه أندريه يرماك على وسائل التواصل الاجتماعي أن مسألة الأسلحة بعيدة المدى والطائرات المقاتلة لأوكرانيا «تم حلها» وأن التفاصيل ستأتي لاحقا. لكنه عدل التدوينة بعد ذلك وغير الصياغة ليقول إن المشكلة «قد يتم حلها».
أمام إصرار الرئيس الأوكراني على أن بلاده بحاجة إلى طائرات مقاتلة لإنهاء الحرب التي تقودها روسيا، قال رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال الذي يشرف على تنظيم قمم الاتحاد الأوروبي إن القمة الأخيرة التي عقدت في بروكسيل وحضرها الرئيس الأوكراني أتاحت لقادة الاتحاد الأوروبي توضيح موقفهم ومفاده «أنهم على استعداد لتقديم مزيد من الدعم العسكري» إلى أوكرانيا، مضيفا أن «الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون على الأرجح حاسمة».

مطالب مشروعة والاستجابة صعبة

بيد أن التحفظ كان سيد الموقف حيال المطالب الأوكرانية، إذ أبدى بعض القادة الأوروبيين تخوّفا حيال تسليم طائرات مقاتلة إلى كييف خشية تسبب ذلك بجرّ الغرب إلى نزاع مباشر مع روسيا. وفي هذا السياق، صرح الرئيس الفرنسي ماكرون للصحافيين في بروكسل قائلا إنه «لا يستبعد شيئا على الإطلاق» لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الطائرات المقاتلة التي تطالب بها أوكرانيا لا يمكن «تحت أي ظرف أن يتم تسليمها في الأسابيع المقبلة» مؤكدا أنه يفضل أسلحة «أكثر فائدة ويكون تسليمها بشكل أسرع» مشيراً إلى أن مدافع قيصر ونظام الدفاع الجوي المتوسط المدى MAMBA المقدَّم من فرنسا يفي بهذه المعايير. أما المستشار الألماني أولاف شولتس، فاكتفى بالتأكيد على أن الحلفاء سيدعمون أوكرانيا عسكريا «طالما كان ذلك ضروريا» مع العلم أنه كان قد أكد في مقابلة صحيفة «بيلد آم سونتاغ» الأسبوعية، قبل ثلاثة أيام من لقائه زيلنيكسي، أن هناك «توافقا» مع الرئيس الأوكراني على عدم استخدام الأسلحة المزودة من الغرب لشنّ هجمات على الأراضي الروسية. وشكر زيلينسكي في حديث لصحيفة «شبيغل» ألمانيا على إرسالها لبلاده أنظمة دفاع جوي من طراز إيريس-تي، والتي أنقذت الأرواح، لكنه أوضح أن الجدل حول إرسال الدبابات أعاد العلاقة إلى «مرحلة صعبة». في حين، اكتفى رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي يعد أقرب زعيم في الاتحاد الأوروبي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالتأكيد أن بلاده سترسل مساعدات إنسانية إلى كييف، مشددا في الوقت نفسه على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار بدلا من تحقيق أوكرانيا النصر، في إشارة إلى تصريحات الرئيس الأوكراني.
خارج الاتحاد الأوروبي، أصدر رئيس وزراء بريطانيا ريتشي سوناك (عقب لقائه زيلينسكي) تعليماته لوزير دفاعه بدراسة نوع الطائرات التي يمكن تزويد كييف بها. إلا أن الحكومة البريطانية أكدت أنها تدرك «المخاطر التصعيدية المحتملة» لتزويد أوكرانيا بمزيد من الأسلحة الغربية، لكنها ستباشر في تدريب طيارين أوكرانيين والنظر في إرسال طائرات «على المدى الطويل» وذلك رغم ما يعتري الولايات المتحدة وحلفاء آخرين في حلف شمال الأطلسي من قلق حيال التورط أكثر في هذه الحرب التي تقترب من إنهاء عامها الأول.
قصارى القول إن الرئيس الأوكراني نجح في إرسال الرسالة التي أراد توجيهها إلى الغرب من وراء هذه الجولة للحصول على مزيد من الدعم العسكري والسياسي لبلاده. ولكن الاستجابة للمطالب العسكرية والسياسية المشروعة التي عرضها على حلفاء أوكرانيا ولاسيما الأوروبيين تبدو عملية شائكة وصعبة التحقيق على المدى القصير لعدة أسباب. فمن الناحية العسكرية، يحتاج الجنود الأوكرانيون مثلا إلى ذخائر بكميات كبيرة لا تقدر على توفيرها مخازن الأسلحة ومصانعها في الدول الغربية.
ومن أهم إشكالات تزويد أوكرانيا بدبابات ومقاتلات حديثة أن العملية مكلفة كثيرا وأن تدريب طيارين أوكرانيين على قيادة هذه الطائرات يحتاج من الوقت على الأقل إلى أشهر طويلة. زد على ذلك أن المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي لا تملك أي ضمان فعلي للحيلولة دون استخدام هذه الطائرات والصواريخ البعيدة المدى التي تطلبها كييف لقصف الأراضي وأهداف عسكرية ومدنية داخل روسيا مما يحول الحرب الروسية الأوكرانية إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين روسيا والغرب.
أما بشأن طلب أوكرانيا الانضمام بسرعة إلى الاتحاد الأوروبي، فإن الأمر لا يمكن أن يتم بين ليلة وأخرى لأن عملية الانضمام هذه بالنسبة إلى البلدان الراغبة في الالتحاق بهذا التكتل مخاض عسير: فهي تتطلب من أوكرانيا سنوات طويلة من الجهود والإجراءات لتغيير قوانينها وتكييفها مع القوانين الأوروبية. ومن متطلباتها أيضا النجاح في تطويق منظومة الفساد بشكل منهجي. وثمة اليوم إحساس عند شعوب دول الاتحاد الأوروبي وحكامها مفاده أنه يصعب كثيرا في أوكرانيا التصدي لهذه الظاهرة التي تحولت إلى سوس ينخر البلاد في العمق حتى في زمن الحرب.
في خضم ذلك، وبعد بضع ساعات من انتهاء هذه الجولة الأوروبية لزيلينكسي، شنت روسيا هجوما «مكثفا» بعشرات الصواريخ والطائرات المسيرة المتفجرة على مواقع للطاقة في أوكرانيا، حسب كييف، بينما أعلنت الناطقة باسم البيت الأبيض كارين جان بيار أن الرئيس الأمريكي جو بايدن سيزور بولندا من 20 إلى 22 شباط/فبراير الجاري، أي قبيل الذكرى السنوية الأولى للغزو الروسي لأوكرانيا، ووسط تحذير كييف من هجوم ضخم يعد له الجيش الروسي الذي شدد الضغط العسكري على خط الجبهة في الشرق حيث تتقدم قواته بشكل بطيء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية