الغرب ما بين الإرهاب والجهاد في الشرق

حجم الخط
0

العنف هو الحدث الأكثر سخونة، والأكثر تأثيراً وجذباً للانتباه. لا تبدأ نشرة أخبار يومية إلى والعنف ومن يمثله قد احتلا مواقع الصدارة. وإذا كان العنف ذا ابعاد مختلفة، فترى هنالك من يسلط عليه الأضواء وبشدة ويدعو الخبراء فى الشؤون الأمنية والعسكرية والسياسية والدينية والاجتماعية، ليقوموا بتحليل أسبابه وتحديد نتائجه وطرق وإمكانية منع تكراره. مثل هذا الأسلوب في التعاطي مع العنف أصبح شائعاً. لكن نادراً ما يكون مثل هذا الفعل مثمراً، لأن هنالك دائماً اختلافا في وجهات النظر الناتجة عن المرجعيات الكامنة وراءه ووراء من يتحدثون باسمه أو يلجأون لاستخدامه كوسيلة تعبير.
العنف بكافة أشكاله مرفوض ضمناً وتفصيلاً. هذا أمر لا جدال فيه، لكن هذا غير كاف ولن يحل المشاكل، فهنالك من له وجهه نظر أخرى يجب أخذها بالحسبان. فبدل أن ينبذ العنف يحاول كذلك تفهمه من خلال معرفة الاسباب التي دفعت إلى اللجوء إليه. هذا السلوك يصعب تغييره طالما هنالك تضارب بالرأي والمصالح. حالياً يبدو من المستحيل أن تجد من يتناول العنف بحيادية وموضوعية تامة، خاصة إذا كانت له صلة بالأسباب التي دفعت إلى استخدامه. فعلاً نبذ ومكافحة العنف بحد ذاته لم ولن يكون لوحده كافياً طالما لم يتم التعامل مع المعطيات الأساسية التي تؤدي دائماً إلى انفجاره. هذا القول ليس بجديد ولكن يجب التذكير به، خاصة لمن يعتقد بأن العنف المضاد هو أنسب الطرق لاقتلاع العنف من جذوره.
للأسف، الشرق الأوسط هو المنتج والمستهلك الأساسي لمعظم أعمال العنف، خاصة فى شقه السياسي، والمعرف أكثر بمصطلح الإرهاب. هذا ما جعل الغالبية تتناول قضاياه بطريقة استعراضية، ويتم التحدث عنه بدون تعمق ونادراً ما يحلل كل حدث لوحده.. عموماً فقد وصل الإنسان العربي لدرجة من التجربة والمعرفة بكافة أنواع العنف ما جعله قادراً على فهم كافة أبعاده وخفاياه، وبدون الاستعانة بالمختصين بالشؤون الأمنية، سواء كان هذا العنف شخصيا ام حزبيا، طائفيا أم حكوميا.
ما يحدث في الغرب يختلف عما يحدث في الشرق.،فإن كان العنف قد وقع نتيجة ظروف موضوعية خاصة، نرى الخبراء في غاية القلق وعلى درجة عالية من التأني والحكمة في التعاطي مع حيثياته، بل حينها يتم اختيار العبارات والمفاهيم المتعلقة به بكثير من الحذر والعقلانية. السبب في ذلك يكمن في أن هنالك من يأخذ بعين الاعتبار الرأي العام غير المعتاد على العنف الارهابي والمقدس للروح الإنسانية. كذلك للاعتقاد بأن مثل هذا العمل يحتاج للعلاج أكثر منه إلى الاحكام المفرطة. الآن الأمور تختلف إذا كان العنف، الذي أدخل ضمن نطاقه مفهوم الجهاد، ذا صلة بالشرق والغرب معاً. هنا المفاهيم والأساليب التي يتم النظر من زاويتها للعنف تتبدل، فيصبح ما يتداول ويناقش بالنسبة للحالة الغربية غير صالح بتاتاً للحالة العربية.
بمعنى إذا كان العنف قد وقع في الغرب ترى من يتوخى الحذر والتوازن، حتى لا يتهم بالتشجيع وعدم الأخذ بعين الاعتبار موقف الحكومات والرأي العام الغربي. عكس ذلك يحدث حال وقع العمل الإرهابي بالدول العربية، حينها يتم تناول الحدث بطريقة سطحية ومبسطة. عموماً هذا السلوك له علاقة مباشرة باستمرار دوامة العنف في المنطقة العربية. في حين إذا كان العنف متعلقا بالغرب وذا صلة بما هو عربي – إسلامي، نرى الغربي يتعامل مع مثل هذا الحدث بطريقة مجحفة، بل نراه يتخلى تماماً عن العقلانية والتقدير للثقافة، للدين وللرأي العام العربي، بما فيه الموجود فوق أراضيه، وينهال قدحاً وذماً بهم جميعاً. مثل هذا الأسلوب هو ما يزيد فعلاً من حدة التنافر والتجاذب بين الشرق والغرب وعلى مختلف المستويات. وهنالك من لا يبدي أدنى اهتمام بالأسباب التي تقف وراءه، فقط ما يهمهم هو النيل من الدين الذي يعتنقه القائمون بالعمل الشنيع ومن أتباع هذا الدين عموماً. حتماً لو أن مراكز القرار تعاملت مع اسباب العنف بطريقة استباقية، لما شاهدنا هذا الكم الهائل من العنف الذي يضرب بدون شفقة أو رحمة. وهي تعلم أن من يدفع الثمن هو الإنسان والقيم السامية التى ينتمي إليها ويتمنى أن يعيش تحت ظلالها بسلام، سواء كان هذا الإنسان من الشرق أم من الغرب.
حالياً نفس الأسلوب السطحي يلاحظ في التعامل مع الشباب ذي الأصول العربية – الإسلامية الراغبين أو القادمين من الدول الغربية للجهاد، حسب وجهة نظر البعض، أو الإرهاب، حسب وجهة نظر البعض الآخر، في دول أخرى. بلا شك وجود أمثال هؤلاء مشكلة حقيقة، خاصة إن كان هنالك تنظيم ذو أجنده سرية وأيد خفية تحركه. كذلك طريقة التعامل معهم وعدم التوصل الى الدوافع التي تجعلهم يميلون لهذا الاتجاه، هي مشكلة أخرى لا تقل ضرراً عن سابقتها. وبدل القيام بعملية تحليل للظروف الموضوعية التي أجبرتهم على التوجه نحو بلدان مثل سوريا، ومعالجتها بشكل متكامل، نرى من يصب جم غضبه على الديانة والأسر التي أفرزتهم.
بين الحين والآخر نسمع عن قيام الأجهزة الأمنية بموجة اعتقالات ضد هؤلاء الشباب، يتم ذلك كما لو كان هذا هو الحل الوحيد والأمثل، ولا نسمع بالمقابل عن حلول منطقية للدوافع التي أجبرتهم على اتخاذ مثل هذا القرار.
من يراقب كيفية تعامل الغرب مع الظاهرة الجهادية يستغرب لعدم استخدام العقلانية التي تستخدم في التعامل مع معظم القضايا التي لا تخص العربي والإسلامي..
يُعتقد أن كثيراً من الدول المصدرة للشباب الجهاديين تتمني سراً أن لا يعود هؤلاء لبلادهم غانمين سالمين. بالنسبة للبعض الحروب، في أحد أبعادها، مثل الغربال، يتم من خلالها التخلص من كل ما هو زائد عن حده. المشكلة أن هنالك من ينظر لهؤلاء الشباب كما لو أنهم ليسوا سوى حفنة من المتعصبين الارهابيين، ولا يضع بتاتاً بالحسبان امكانية كون البعض منهم مثاليين ورافضين للأنظمة الاستبدادية وللظلم الجاثم في بلاد ابائهم. وإمكانية أن يكون ما قد دفعهم للقيام بمثل هذا العمل هو ايمانهم الصادق بدعم شعوب البلدان التي عاشوا فيها بحرية وكرامة لبلدانهم الأصلية. ظاهرة انتقال شباب من مكان لمواجهة الاضطهاد في مكان آخر ليس بالظاهرة الجديدة، فقد انتقل شباب ضمن محيط الدول الأوروبية نفسها ولنفس الدوافع التي يقوم بها الآن شباب من الغرب إلى الشرق.
حدث ذلك خلال الحرب الأهلية الإسبانية وبعد الاعتداء الالماني على كل من فرنسا وبلجيكا. وقد تحرك كثير منهم بدوافع مثالية جعلتهم أيقونة للأجيال التالية، بل مازال هنالك من يصنف هؤلاء، ضمن المفاهيم الغربية، بالمدافعين عن قيم العدالة، الحرية والديمقراطية. وللعلم، جزء من هؤلاء الشباب من أصول عربية وإسلامية وقد انخرطوا بصفوف الثوار دفاعاً عن القيم الغربية ولمحاربة الفاشية والنازية التى كانت تتفشي بالقارة الأوروبية.

كاتب فلسطيني – إسبانيا

د. ناصر عبد الرحمن الفرا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية