الغزو الروسي لأوكرانيا: أي حصيلة بعد ثلاثة أشهر؟ ما كان يفترض أن يكون غزواً شاملاً وسريعاً لأوكرانيا يتحول إلى غزو جزئي والقمح سلاح موسكو الجديد

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: آلاف القتلى، وملايين الفارين، دمار، خراب، رعب، عقوبات وعقوبات مضادة، وتحالفات جيوسياسية.. ذاك هو المشهد بعد ثلاثة أشهر من الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا، والتي تدخل شهرها الرّابع وسط تكثيف الجيش الروسي لعملياته العسكرية بهدف السيطرة على منطقة دونباس، وتزايد المخاوف من أزمة أمن غذائي عالمية خطيرة.

مع بداية هجومها العسكري على أوكرانيا في الرابع والعشرين من شباط/فبراير الماضي، حققت القوات الروسية في البداية مكاسب سريعة في جنوب أوكرانيا. وكانت تهدف بشكل رئيسي إلى إنشاء ممر بري بين شبه جزيرة القرم، التي ضمتها في عام 2014 والمناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون المدعومون من روسيا في دونيتسك ولوغانسك. وسيطر الجيش الروسي منذ الأسابيع الأولى للصراع على منطقة خيرسون وجزء كبير من منطقة زابوريجيا. وكانت القوات الروسية تستهدف بشكل خاص جنوب غرب أوديسا، الميناء الكبير على البحر الأسود، ودنيبرو، في وسط البلاد، لكنها واجهت مقاومة شرسة من نظيرتها الأوكرانية في ميكولايف جعلتها تتراجع.
حاولت القوات الروسية أيضًا اختراق الغرب للوصول إلى كييف، لكن المقاومة الأوكرانية القوية في كييف أدت مرة أخرى إلى إبطاء التقدم الروسي بشكل كبير. وتمكنت القوات الأوكرانية من استعادة مناطق واسعة حول كييف في بداية شهر نيسان/ابريل الماضي، وذلك بعد أن تخلت موسكو عن اندفاعها نحو العاصمة الأوكرانية كييف، وكذلك نحو شمال شرق خاركيف. ومع ذلك، ما زالت القوات الأوكرانية تكافح لصد الروس الذين يحاولون دخول المنطقة.

معركة حاسمة في دونباس

أعادت روسيا بعد ذلك تركيز جهودها على السيطرة على شرق وجنوب أوكرانيا، لتستولي قواتها على مدينتي روبيزني وبوباسنا في الأسابيع الأخيرة، فيما تم دفع تقدمها نحو مدينة إيزيوم. وتحاول حالياً وبشراسة تطويق مدينة سيفيرودونيتسك، التي تشكل مع ليسيتشانسك، آخر جيب للمقاومة الأوكرانية في مدينة لوغانسك التابعة لإقليم دونباس، بحسب معهد دراسة الحرب «ISW» وتحاصرهما حاليا القوات الروسية مصعدة قصفها في الأيام الأخيرة، مؤكدة تصميمها على تحقيق «كافة أهدافها» وسط حديث القوات الأوكرانية عن صعوبة الوضع في إقليم دونباس، الذي يضم منطقتي لوغانسك ودونيتسك. وحذر الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي من مغبة أن «الأسابيع المقبلة من الحرب ستكون صعبة». ويرى مراقبون أن الهجوم الشامل الذي تشنه روسيا في محاولة للسيطرة على منطقتي دونيتسك ولوغانسك ومحاصرة القوات الأوكرانية في جيب على الجبهة الشرقية، قد يحدد مدى نجاح أو فشل الحملة العسكرية الروسية الرئيسية في شرق أوكرانيا.
وتجد سيفيرودونيتسك نفسها مهددة بمصير مدينة ماريوبول الساحلية الاستراتيجية الكبرى في جنوب شرق أوكرانيا على بعد 350 كيلومترًا شمال شرق شبه جزيرة القرم وحوالي مئة كيلومتر جنوب دونيتسك. استهدفت هذه المدينة التي يسكنها ما يقرب من 450 ألف نسمة وتقع على بحر آزوف، من قبل الجيش الروسي منذ الأيام الأولى للصراع. في بداية شهر نيسان/ابريل الماضي وصفت منظمة الأمم المتحدة المدينة بأنها «مركز الجحيم». وهو تعبير أكدته صور آخر المقاتلين الراسخين في مصنع آزوفستال. بعد ثلاثة أشهر من تعرضه للقصف بالقنابل، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه «لم يعد هناك مبنى غير متضرر» في هذه المدينة، التي دمّرت بالفعل بالكامل، قبل أن تصبح تحت سيطرة الروس بعد حصار استمر لأسابيع وقتال شرس، أجبر في النهاية الجنود الأوكرانيين الذين كانوا متحصنين في مصنع آزوفستال للصلب بماريوبول إلى الاستسلام أخيرًا «للعدو». وباتت روسيا حاليا تسيطر على الساحل بأكمله لبحر آزوف.

«جزيرة الثعبان» تحت الرادار

وبعد سقوط ماريوبول، قد تسعى روسيا إلى تعزيز مكاسبها الإقليمية في جسر بري يربط الأراضي الروسية بشبه جزيرة القرم، كما أنها تواصل جهودها لتعزيز قواتها في جزيرة الثعبان الأوكرانية بالبحر الأسود، على الرغم من الضربات الجوية الناجحة التي شنتها القوات الجوية الأوكرانية الأسبوع الماضي، حيث أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية أنها دمّرت سفينة إنزال روسية ومنظومة صاروخية مضادة للطائرات من نوع «تور-إم2» خلال نقلها إلى الجزيرة. وبالنسبة للطرفين فإن هذه الجزيرة تعد نقطة ذات أهمية استراتيجية للغاية، في البحر الأسود، ما يسمح لكليهما بتشكيل تهديدات خطيرة ولكن أيضًا مكشوفة بشكل خاص، وهاجمها الجيش الروسي منذ اليوم الأول للصراع للاستيلاء عليها. ويقول مصدر من وزارة الدفاع البريطانية، إذا نجحت روسيا في تعزيز مواقعها على الجزيرة، «فقد تسيطر على الجزء الشمالي الغربي من البحر الأسود».
وفي محاولته الوصول إلى قلب العاصمة كييف التي باءت بالفشل تمكن الجيش الروسي من السيطرة على بلدات بضواحيها انتهت بالانسحاب منها. لكن بلدة بوتشا الصغيرة الواقعة في ضواحي العاصمة الأوكرانية أصبحت رمزًا للفظائع المنسوبة إلى روسيا، لاسيما بعد نشر وسائل إعلام دولية العديد من الصور التي التقطت في المدينة، وتظهر جثثًا في الشوارع، بعضها مقيد الأيدي خلف ظهورهم أو محترقة جزئيًا، بالإضافة إلى مقابر جماعية. ووثقت الأمم المتحدة مقتل العشرات من المدنيين. وقد نفت موسكو مسؤوليتها عن هذه الفظائع، متحدثة عن «فبركة». وكذلك الحال بالنسبة لبلدة بورودينكا، القريبة من كييف التي كانت مسرحاً لـ «مجازر مدنية» خلال شهر آذار/مارس عندما احتلت القوات الروسية البلدة. وقالت الشرطة في العاصمة الأوكرانية إنه تم العثور على جثث تسعة مدنيين ظهرت على بعضها «آثار تعذيب».

عقوبات وعقوبات مضادة

بعد مرور ثلاثة أشهر من الحرب، تواصل واشنطن وحلفاؤها الغربيون، في مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، سياسة العقوبات ضد موسكو، مقابل الاستمرار في تقديم الدعم لكييف. واتخذت الدول الغربية إجراءات سريعة لفرض عقوبات على روسيا وأيضاً لمساعدة أوكرانيا. وأعلنت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن عن سلسلة من العقوبات الاقتصادية التي تستهدف البنوك والنخب والصادرات الروسية، والتي يعتقد جو بايدن أنها ستجعل فلاديمير بوتين «منبوذًا على الساحة الدولية». واستمر توازياً مع ذلك الدعم الأمريكي لأوكرانيا، والذي كانت أحدث حلقاته المساعدة المالية الضخمة الأمريكية بقيمة 40 مليار دولار.
وحذت بريطانيا حذوها من حيث دعم كييف وفرض العقوبات ضد موسكو، بما في ذلك حظر طيران إيروفلوت وفرض عقوبات على البنوك ورجال الأعمال الروس. كما فُرضت عقوبات قاسية على الرياضة الروسية…إلخ. من جانبه، وافق الأوروبيون على عقوبات «ضخمة» ضد موسكو، تستهدف قطاعات المال والطاقة والنقل. فهذا الصراع الذي يدور على أبواب الاتحاد الأوروبي، له آثار مباشرة على أراضيه. ويتواجد غالبية اللاجئين الأوكرانيين في الدول الأعضاء، وما زالت مسألة الاعتماد على الوقود الأحفوري الروسي تقسم الدول الــ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهي مسألة تسعى واشنطن إلى استغلالها، حيث يمثل الغزو الروسي فرصة جيو-اقتصادية للأمريكيين في الأسواق الأوروبية، لاسيما في قطاع الغاز.
في المقابل، ضاعف فلاديمير بوتين العقوبات المضادة. وقررت السلطات الروسية تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل من خلال تبني عقوبات تستهدف الشخصيات الغربية، مثل جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو والعديد من أعضاء حكوماتهم. بالإضافة إلى ذلك، قاموا بفرض عقوبات اقتصادية وتجارية مضادة ضد «الدول غير الصديقة» مثل حظر تصدير بعض المنتجات الزراعية وحتى معدات الطيران (والتي، على المدى الطويل، ستعيق وصول الأوروبيين إلى الفضاء) والتزام الدفع بالروبل من الدائنين الأجانب وتعليق شحنات الغاز إلى عدة دول أوروبية.

بوتين يقوي الناتو

ويبدو أن الرئيس الروسي، من خلال شنه الحرب على أوكرانيا، قام بإعادة ترتيب تتعارض تماماً مع أهدافه، من خلال تقويته للتحالف الغربي الذي أراد إضعافه. فقد نجحت الولايات المتحدة، إلى حد كبير، في توحيد الصف الغربي ضد موسكو، بما في ذلك داخل حلف الناتو، الذي كانت هذه الحرب محركاً لبعض الدول لطلب الانضمام إليه. فها هي فنلندا والسويد تتحركان للحصول على العضوية في الحلف الأطلسي «الناتو» بعد أن رفضتا القيام بذلك طوال الحرب الباردة وفضلتا الوقوف على الحياد، في ظل التساؤلات حول التوازنات الجيوسياسية التي أثارتها هذه الحرب. وقد تصبح هذه الترشيحات سارية المفعول في غضون عام. وتؤكد هذه الخطوة أن المأساة الأوكرانية، بالإضافة إلى السابقة الجورجية، غذت المخاوف المشروعة في وارشو وهلسنكي، وعجلت بهذا التطور الكبير في شمال أوروبا. لذلك كانت الخطوة الفنلندية – السويدية موضع ترحيب من قبل الدول الأعضاء في حلف الناتو والتي أيدت توسيع الحلف، باستثناء تركيا، التي عبرت عن رفض يرتكز على مخاوفها الداخلية، وليس للمعطى الجيوستراتيجي الجديد الذي يلوح في الأفق.

الضحايا: تضارب الأرقام

ما يزال من الصعب للغاية الحصول على فكرة دقيقة عن عدد القتلى والجرحى بسبب هذا الصراع ولا يوجد تقييم شامل حتى الآن. استمرار القتال على الأرض يمنع المنظمات من إجراء التحقيق، كما أن حرب الاتصالات التي تدور رحاها بالتوازي مع الغزو تجعل من الصعب التحقق من المعلومات المتسربة. وقضى آلاف المدنيين والعسكريين بدون أن تتوافر حصيلة دقيقة للوفيات بالأرقام. وفي مدينة ماريوبول وحدها، تفيد السلطات الأوكرانية بسقوط عشرين ألف قتيل. فبينما لم تقدم أوكرانيا أي مؤشر على خسائرها العسكرية، اعترف الكرملين من جهته بحدوث «خسائر جسيمة» ورجحت مصادر غربية مقتل 12 ألف جندي، وهي حصيلة قريبة من التي سجلت في صفوف الجيش السوفييتي خلال تسع سنوات من النزاع في أفغانستان.
أدت الحرب أيضًا إلى زعزعة توزيع السكان: فقد نزح أكثر من ثمانية ملايين أوكراني داخل بلادهم، وفقًا للأمم المتحدة. يضاف إلى ذلك 6.5 مليون شخص فروا إلى الخارج، أكثر من نصفهم 3.4 مليون، إلى بولندا، وفقًا لمكتب مفوض اللاجئين في جنيف، الذي يشير مع ذلك إلى أن تدفق المغادرين جف إلى حد كبير على مدى الأسابيع وحتى على العكس. ومع ذلك، ما يزال الرصيد الإجمالي سلبيًا إلى حد كبير مع 6.3 مليون مغادر مقابل 1.85 مليون عائد، وفقًا لحرس الحدود.

سلاح القمح

من جهة أخرى، أدت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى زيادة المخاوف من حدوث أزمة أمن غذائي عالمي خطيرة تؤثر بشكل خاص على البلدان الأشد فقراً. فالبلدان يعدان المزودين الرئيسيين للسوق العالمية بالقمح والذرة وعباد الشمس. وتشهد أوكرانيا، المصدر الرئيسي للحبوب، توقف إنتاجها بسبب الصراع، الذي أدى إلى إغلاق موانئ البحر الأسود، والموانئ الرئيسية لصادرات الحبوب الأوكرانية، ما تسبب في ارتفاع مستمر لأسعار القمح في أنحاء العالم. على سبيل المثال، ارتفع سعر القمح إلى أكثر من 400 يورو للطن في سوق باريس مقابل 280 يورو قبل الحرب.
روسيا، من جانبها، ومع أن العقوبات الغربية قوضت إنتاجها بسبب تأثيرها على القطاعات المالية واللوجستية، إلا أنها استمرت في إنتاج الحبوب وبيعه في الخارج بأسعار مرتفعة، إلى دول مثل تركيا أو إيران وغيرها، لتبدو الرابح الأكبر من أزمة الغذاء هذه التي تسببت فيها جزئيًا منذ غزوها لأوكرانيا منافستها الرئيسية في أسواق الحبوب العالمية. ساعدها في ذلك أيضا، دعم الارتفاع في الأسعار من جراء سوء الأحوال الجوية، ما قلل من إمكانات الإنتاج في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية والهند. وللتذكر، جمعت موسكو بالفعل 1.9 مليار دولار منذ ايلول/سبتمبر من ضرائب تصدير القمح وحدها.
وقال ديفيد بيزلي، رئيس برنامج الغذاء العالمي، يوم الاثنين الماضي، في منتدى دافوس الاقتصادي، إن «عدم إعادة فتح الموانئ هو إعلان حرب على الأمن الغذائي العالمي». فعشرة ملايين طن أخرى محاصرة في موانئ البحر الأسود، والقوات الروسية ليست في عجلة من أمرها لإعادتها إلى السوق الدولية. وفي نهاية الأسبوع، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه مستعد للتصدي لأزمة الغذاء من خلال تصدير القمح والأسمدة بشرط رفع العقوبات عن بلاده، مستخدماً بذلك القمح كرافعة جيوسياسية، وهو ما رفضته الولايات المتحدة الأمريكية، مشددة على أنه «لا توجد عقوبات تمنع تصدير القمح أو الأسمدة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية