«الغناء البديل» للسعودي أحمد الواصل: الأغنية المستقلة وأصواتها الغاضبة

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: ضمن إصدارات المجلة العربية، صدر كتاب بعنوان «الغناء البديل.. التقنية، الغرابة، الإبداع» للباحث والأكاديمي السعودي أحمد الواصل، عدد يناير/كانون الثاني 2021. وهو بحث علمي رصين في الأغنية العربية البديلة. وكلمة البديل هنا تعني المختلف والمغاير للسائد، مروراً بما يُسمى بالأغنية الملتزمة، أو صورتها الجديدة (الأغنية المستقلة). ويشهد تاريخ الغناء العربي عدة موجات تجديدية، سواء في الكلمات والشكل الموسيقي المصاحب لها. إلا أن الأمر اختلف لأصحاب الأغنية المستقلة، لأنه في أساسه يتعدى مسألة الإنتاج، إلى الموقف من السلطة نفسها، سياسية كانت أو اجتماعية، فلا يمكن أن يغيب الظرف الاجتماعي والاقتصادي، والسياسي بالضرورة، الذي يؤثر بدوره على وعي الفنان واختياره، ففي أي جهة سيقف ويوظف فنه، وماذا يرى فيمن سبقوه، وماذا يريد أن يتجاوز ويُحقق؟ أسئلة كثيرة يناقشها المؤلف، رغم عدد الصفحات التي لا تتجاوز الـ 140 صفحة.

الأغنية المستقلة

يرى الكاتب أن الأغنية السياسية أو الملتزمة، وجهان لمعنى واحد، نظراً لارتباطها بتجربة مثقفي اليسار بكل أطيافه منذ الربع الأخير من القرن العشرين. ثم جاء مصطلح (الأغنية الشبابية)، الذي تم نقده وتقريظه من حرس الغناء القديم مطربين وملحنين، لتظل باقية عقدين من الزمن، وتُنتج مطربيها وجمهورها، على تباين هذه التجارب في المستوى الفني، ثم جاء العقد الثاني من القرن الحالي، مع تغير المناخ الاجتماعي والاقتصادي، بوجود مؤسسات بديلة عن الدولة تقوم بإنتاج الأغاني، ليصبح ويستقر المصطلح الأكثر دقة، وهو «الأغنية المستقلة».
فكرة الاستقلال هنا لها عدة وجوه، بدايتها الاستقلال عن الذوق المفروض، الذي تسعى الدولة وقنواتها الإنتاجية والإعلامية إلى تسويقه والترويج له، وبالتالي كان هذا الاستقلال لا بد أن يطال الكلمة واللحن والأداء، الذي لا يستسلم لما هو سائد. هناك همّ ثقافي واجتماعي وسياسي في الأخير، هناك موقف تجاه العالم. ورغم ذلك تظل هذه الأغنية وموسيقاها بعيدة لافتقارها إلى سلطة تساندها، لأنها تقف على تضاد من الأغنية الرسمية، ومع أغاني السوق التجارية، وما متنفسها إلا من خلال الثورة التكنولوجية عبر الإنترنت والعالم الافتراضي.

تجربة خالد الشيخ

يأتي الموسيقار والمطرب البحريني خالد الشيخ كأحد ممثلي جيل الثمانينيات في الأغنية الخليجية، وفق مفهوم عروبي ثقافي، بوصفه صوت الجبهة الشعبية في البحرين، ذات الاتجاه القومي اليساري. وتنوع إنتاجه بداية من التراث الثقافي العربي (الشعر القديم والموشحات الأندلسية)، ثم القصيدة الفلسطينية المُسيّسة (محمود درويش، سميح القاسم، وعز الدين المناصرة)، ومختارات شعرية (نزار قباني، غازي القصيبي، ونوري الجراح). ليأتي عمله الموسيقي «وجوه» 1997، ليمثل تجربة مختلفة في مشواره الفني، حيث قام بالتعاون مع الشاعر البحريني قاسم حداد، والفنان التشكيلي إبراهيم بو سعد والمخرج المسرحي عبد الله السعداوي في تجربة أو عرض فني مختلف، بداية من موسيقى متفاعلة مع العمل التشكيلي، ولحناً لمقاطع من قصيدة نثر، وإلقاء لبعض النصوص، بمشاركة مجموعة من المطربين الشباب (جوقة) وصوت نسائي وحيد كان للفنانة البحرينية هدى عبدالله، التي قامت بغناء مقاطع حوارية منفردة. لكن هذه التجربة على مجملها كانت مغامرة، من حيث تقديمها في أماكن محددة، إضافة إلى فشل تسويقها. بعد انقطاع دام عدة سنوات، ظهر الفنان خالد الشيخ في 2016، قائلاً إنه لا يطيق سماع الموسيقى، وابتعد تماماً عن الفن، نتيجة الإحباط.

احتفالية العنف

يوضح الكاتب أن العنف المسلح تجلى في صور شتى، خلال القرون الثلاثة الأخيرة، بداية من استعمار تقليدي في القرن التاسع عشر، ثم التحرر والانقلابات العسكرية في القرن العشرين، وأخيراً التطرف والاحتجاجات في ما نعيشه الآن. هذا العنف الذي انعكس بدوره على الذاكرة الثقافية وإنتاجها وتجلياتها، سواء من خلال التعايش أو رد الفعل. ويستشهد الكاتب بتجربة المصرية مريم صالح، من خلال مشروع (كورال) 2010، الذي أسسه سلام يسري، وجاء في عدة أعمال فنية، منها.. الشكاوى، حياة الميدان، إيه العبارة. وبالعودة إلى مريم صالح، نجد تعدد مصادرها الثقافية كالتراث المصري، والتراث السياسي، وتراث الروك الأوروبي والأمريكي. كذلك ساعد الفيسبوك والمدونات الخاصة على انتشار أغنياتها. وتأتي أعمالها انعكاسا للحظة الاضطراب الذي يعيشه هذا الجيل، فلا أمل ولا ثقة في مدينة تضج بالصراخ والفوضى كالقاهرة.. فيأتي الصراخ والفوضى والضجيج، مقابل الهوية في مكونها الأصلي والثانوي كالآلات والإيقاعات، لذا نجد صالح تتعاون مع زيد حمدان رمز الأغنية البديلة في لبنان، في مجموعة غنائية بعنوان «حلاويلا» 2012، ضمنها 6 أغنيات للشيخ إمام.

مُستقل أم متورط

ويلاحظ الكاتب أن هذه الأغنيات وأصحابها على اختلافهم يتقاطعون مع تاريخ الغناء العربي، ويستخدمون ألوان أغنياته ـ استناداً أو مناهضة ـ على الرغم من الابتعاد عن السائد والمألوف، وكانت بدايات الكثيرين تؤكد ذلك، لكنها انخرطت في السياسي أولاً، ثم الجماهيري في ما بعد، والأمثلة كثيرة، رجاء بن مليح، جوليا بطرس، ريم بنا، محمد منير، علي الحجار، خالد الشيخ، وعارف الزياني.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية