«الفتاة ذات الإبرة» للسويدي ماغنوس فان هورن: رؤية كابوسية لامرأة على حافة المجتمع

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

كان ـ «القدس العربي»: يبدأ فيلم «الفتاة ذات الإبرة» للمخرج السويدي ماغنوس فان هورن، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته السابعة والسبعين (14 إلى 25 مايو/أيار)، بوجوه نساء يعتصرها الألم ويكسوها الشر، وجوه تتداخل وتتلوى كما لو كانت تأتي من قاع الجحيم، أو لو كانت مارست من الشرور وشهدت من الألم ما لم يشهده بشر من قبل. عالم الفيلم الموجع للغاية والبالغ التأثير، هو الجحيم المقيم الذي تعيشه النساء. المفارقة أن فان هورن اختار لفيلمه أن يكون بالأبيض والأسود بتصوير بديع لمدير التصوير ميشال ديماك، حتى إننا نتساءل كيف يكون الجحيم بهذه القتامة ويكون التصوير بهذه الجمالية العالية.
تدور أحداث الفيلم في الأحياء الفقيرة لكوبنهاغن، بُعيْد الحرب العالمية الأولى. هو عالم يعيش فيه الكثير من النساء المعدمات بمفردهن، بعد أن فُقد أزواجهن أو لقوا حتفهم في الحرب. كارولينا (فيكتوريا كارمن سون في أداء مميز)، الشخصية المحورية في الفيلم، هي واحدة من بين هؤلاء النساء. نراها في بادئ الفيلم وصاحب الغرفة التي تقيم فيها يطردها لعدم تمكنها من دفع الإيجار للشهر الثالث على التوالي. تعمل في مصنع للملابس بأجر زهيد، ولا تحصل على إعانة الترمل من الدولة، لأن زوجها فُقد في الحرب ولكن لم يثبت مقتله.
وحين يعود زوج كارولينا، يعود مرتديا قناعا يخفي وجها شائها طمست قذائف الحرب ملامحه وحولته لمسخ. لا تأخذ كارولينا الرحمة بزوجها الذي أذاقته الحرب ويلاتها، وتطرده في عنف بالغ. تمارس كارولينا على زوجها القسوة ذاتها التي يمارسها عليها المجتمع. لم يرحم المجتمع وحشتها وفقرها وضعفها، وهي لم ترحم زوجها. إنها حلقة مفرغة من القهر والعذاب والعنف، يمارسها المجتمع على الضعفاء والمقهورين.

كارولينا امرأة في مهب الريح، يلفظها المجتمع ويترصد لها ويعذبها. هي امرأة بلا مال ولا أسرة ولا رجل في مجتمع لا يحمي المرأة، إلا إذا كانت ميسورة الحال وفي حماية رجل. تنتقل إلى غرفة رثة حقيرة في مبنى تشرف عليه امرأة تراقب حركات وسكنات النساء حتى لا يأتين في صحبة رجال. وتأتي الطامة الكبرى حين تحمل كارولينا دون زواج من رجل ثري أغواها بكلام معسول عن أنه سيكون سندها في الحياة. كانت كارولينا حتى تحمل تقبع على هامش المجتمع، ولكن بعد حملها يلفظها حتى هامش المجتمع. وإن كان ما شاهدناه حتى هذه اللحظة هو الحياة المعذبة لامرأة فقيرة معدمة، فإن ما نراه منذ حمل كارولينا وحتى نهاية الفيلم هو الجحيم ذاته. كوبنهاغن التي نراها في الفيلم مدينة كابوسية مظلمة قاتمة، يلفها الدخان وتقطنها الأرواح المعذبة والوجوه القاسية الشريرة. في هذه الأجواء التي لا ترحم تجد كارولينا ألا سبيل لها للنجاة من المزيد من التردي والسقوط إلا أن تجهض حملها. أما الإبرة التي تعنون الفيلم، فهي إبرة حياكة ضخمة غليظة كانت كارولينا تغرسها في أعضائها التناسلية في محاولة لإجهاض نفسها. أثناء محاولتها تلك لإجهاض حملها بطعن نفسها بإبرة غليظة في مغطس في حمام عمومي في المدينة، تلتقي كارولينا بامرأة ذات وجه طيب وابتسامة لطيفة تهب لنجدتها وإنقاذها. المرأة هي داغمار التي تأتي إلى الحمام في صحبة طفلة صغيرة تعرفها لكارولينا على أنها ابنتها. تنقذ داغمار كارولينا وحملها، وتدعوها لزيارتها في متجر الحلوى الذي تملكه بعد أن تضع حملها، على وعد منها أن تجد للصغير أسرة ثرية لا أطفال لها لتتبناه.
لكن في جحيم قاع المجتمع الذي يصوره الفيلم لا مكان للرحمة أو التعاطف الإنساني، كما تخيلت كارولينا وتخيلنا بعد أن أعطت رضيعها لداغمار لتعرضه للتبني. ولكن سرعان ما يتكشف أن داغمار ليست كما تخيلناها، وأنها ضالعة في جريمة كبرى راح ضحيتها مئات الأطفال.
«الفتاة ذات الإبرة» لا يمنحنا مشاهدة يسيرة أو مبهجة، فهو يكيل لنا الصدمات الواحدة تلو الأخرى، بل إننا نجفل في بعض المشاهد من هول وقسوة ما نرى. ولكن فان هورن لا يهدف إلا على إغراقنا في دوامة لا تنتهى من المآسي، ولكنه يهدف لإيضاح أن قسوة المجتمع لا تولّد إلا المزيد من القسوة ولا ينتج عنها إلا مجتمع مشوه مريض قادر على ارتكاب أقسى درجات العنف بلا هوادة. حتى هذا العنف الذي ترتكبه داغمار ضد رضع صغار، لا حول لهم ولا قوة تجد هي تفسيرا له. هي تعد النساء المعدمات اللاتي يحلمن بحياة أفضل لأبنائهن، واللاتي اضطرتهن الظروف للتخلي عنهم بأن يصبح صغارهم في كنف أسر ثرية ترعاهم. هي تبيع راحة الضمير لنساء مضطرات للتخلي عن فلذات أكبادهن. وعلى الرغم من قسوة وقتامة الفيلم، إلا أنه ينتهي ببصيص من الأمل. بعد سنوات من العذاب تجد كارولينا فرصة ثانية لحياتها بإنقاذ طفلة من مصير قاس في دار للأيتام، ويعاقب القانون من اقترفوا الشرور. قد تكون نهاية لم يتم التمهيد لها جيدا، فأين كانت هذه السلطات التي تعاقب مرتكبي الجرائم حين كانت كارولينا وغيرها من النساء يواجهن قسوة العالم بمفردهن دون سند. كما أن الفيلم لا يمدنا بتفاصيل عن تبدل حال كارولينا من فقيرة معوزة إلا امرأة لديها من المال ما يمكنها من الاعتناء بطفلة يتيمة. يبدو أن فان هورن قرر الانتصار للأمل دون أن يقدم أسبابا مقنعة لوجود هذا الأمل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية