غزة ـ «القدس العربي»: لم تنجح إسرائيل فيما سعت إليه خلال التصعيد العسكري الأخير على غزة، في التفرقة بين حركتي الجهاد الإسلامي التي خاض جناحها العسكري المعركة، وحركة حماس التي لم يشترك جناحها العسكري في العمليات، كل حسب تقديراته الأمنية والعسكرية، إذ خرجت الحركتان بتصريحات وأفعال على الأرض تشير إلى متانة العلاقة بينهما، وتجسد ذلك في اتصال بين قادتها، تم خلاله الاتفاق على عقد اجتماع قريب للتشاور والتنسيق.
ومنذ اللحظات الأولى التي كانت ترتب فيها إسرائيل لشن الهجمات العسكرية ضد غزة، وهي الأيام الأربعة التي سبقت انطلاق العمليات التي أطلقت عليها «الفجر الصادق» حين فرضت حصارا محكما ضد قطاع غزة، كان قادتها العسكريون يعملون كل ما بوسعهم للفصل بين حماس والجهاد، حتى أن بعضهم أوصى بعدم إطالة أمد العملية، خشية من دخول حماس على الخط.
وقد كشفت ذلك تقارير عبرية، أكدت أن رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» رونين بار، أوصى خلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية «الكابينيت» في اليوم الثاني للتصعيد العسكري، بالسعي إلى وقف العدوان على غزة.
وكانت آراء هذا المسؤول الأمني الكبير، تمثل غالبية مواقف الوزراء، وكذلك بين كبار المسؤولين في أجهزة الأمن، وذلك بعد أن أكد من وجهة نظره أن الهجوم على غزة حقق غاية استراتيجية بالفصل بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي، فيما شدد قادة أجهزة الأمن الإسرائيلية على أنه يجب الحفاظ على هذا الفصل.
وخلال تلك الجلسة، رد مسؤولون أمنيون على استفسارات لوزيرة الداخلية أييليت شاكيد، حول سبب عدم قصف أبراج سكنية بادعاء أن الجهاد تستخدمها، بأن هجمات كهذه قد تجرّ حماس إلى داخل المواجهة، وهذا أمر تحاول إسرائيل منعه.
وحسب تقرير أورده موقع «واللا» العبري، فإن مستشار الأمن القومي لحكومة تل أبيب إيال حولاتا، زعم خلال الاجتماع، إن الهدف هو دفع حماس إلى ممارسة ضغوط على الجهاد الإسلامي من أجل وقف إطلاق النار.
وحتى بعد انتهاء التصعيد العسكري، حاول قادة إسرائيل من السياسيين الحديث بلغة التفرقة بين حماس والجهاد الإسلامي، فقال رئيس الحكومة يائير لابيد، إنه تم «إحباط النخبة العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي في غزة في غضون ثلاثة أيام» من دون أن يتحدث عن أي فصيل آخر.
فيما اعتبر وزير الجيش بيني غانتس أن إسرائيل حققت ثلاثة أهداف مركزية خلال العدوان على غزة، وهي «إزالة التهديد المباشر من غزة، والحفاظ على الحرية العملياتية على جميع الجبهات، بالإضافة إلى تعزيز الردع مع إيصال رسالة واضحة لأعدائنا، وهي أن إسرائيل مصممة على حماية سيادتها ومواطنيها» وزعم أن إسرائيل عززت الردع ضد حركة حماس بعد العملية التي شنتها ضد الجهاد الإسلامي في غزة.
وكان واضحا أن مخطط إسرائيل من وراء تحميل فصيل عسكري مسلح واحد في غزة، مسؤولية التصعيد، واستهداف قادته ومقراته، هو النيل من الحاضنة الشعبية له، وإظهار أن حركة الجهاد الإسلامي وفصيلها العسكري، هما السبب في الحرب وما نجم عنها من دمار وقتل.
والمعروف أنه في التصعيد الأخير خاض الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي سرايا القدس، ومعه بعض التنظيمات المسلحة الأخرى غمار المعركة، فيما لم يشترك الجناح العسكري لحركة حماس في الهجمات الصاروخية، وهو أمر لا يتكرر كثيرا، غير أن ذلك لم يكن له علاقة بوجود خلاف أساسي بين التنظيمين المسلحين، على خلاف ما ادعته إسرائيل وروجت له، بأنها تمكنت من بث الفرقة بين الطرفين، بشكل يخدم استراتيجيتها في التعامل مع الملف الفلسطيني.
لكن رغم الحديث الإسرائيلي هذا، والرسائل المسمومة التي بثها قادة أمنيون وسياسيون، بهدف دق أسافين بين الفصائل المقاومة في غزة، إلا أن حركة الجهاد الإسلامي، التي اشتركت في المعركة ردا على اغتيال جيش الاحتلال أحد قادتها العسكريين وهو تيسير الجعبري قائد المنطقة الشمالية في سرايا القدس، وزادت من حجم الرد، بعد اغتيال قائد المنطقة الجنوبية في السرايا خالد منصور بعد يوم من اغتيال الأول، لم تعلق على عدم مشاركة الجناح العسكري لحماس، بل أن عددا من قادة الجهاد كانوا يؤكدون أن فصيلهم المسلح قادر على خوض غمار معركة أطول بمفرده، بدون أن يوجهوا أي ملامة لحركة حماس أو جناحها العسكري.
وحدة الموقف الفلسطيني
بل أن مسؤولين في الجهاد الإسلامي، أكدوا أن حركة حماس رغم عدم اشتراكها في المعركة العسكرية، إلا أنها قدمت خدمات ودعما لوجستيا كبيرا، وحمت الموقف السياسي للمعركة، وهو ما ساهم في التصدي للعدوان الإسرائيلي، وقالوا إن مواقع اشتباك أخرى مع قوات الاحتلال، قد تنطلق في أي ساحة مستقبلا، سيكون لها تقديرات ومواقف جديدة، سيحدد على أثرها كيفية الرد إما بشكل مشترك على غرار الحرب التي خاضتها إسرائيل ضد قطاع غزة في أيار/مايو من العام الماضي، أم سيكون الرد من خلال فصيل عسكري يتكفل الأمر بمفرده.
وفي دلالة تؤكد مصادر مطلعة في الجهاد، أن حركة حماس قدمت خدمات سياسية في المعركة، تمثلت في اتصالات كبيرة مع العديد من المسؤولين الدوليين والعرب وآخرين من دول إقليمية، لوقف الهجمات ولجم إسرائيل، وهو أمر ظهر في اتصالات كثيرة أجراها إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، مع المسؤولين في جهاز المخابرات المصرية ومنسق الأمم المتحدة، ووزير الخارجية القطري وكذلك مسؤولين أتراك.
كما تشير إلى أن حماس قدمت خدمات غير معلنة، تمثلت في عدة أمور أمنية واستخبارية خدمت النشطاء الذين كانوا يردون عسكريا على الهجمات الإسرائيلية، باستهداف مدن إسرائيل ومواقعها العسكرية.
وقد ظهر موقف الوحدة في الميدان سياسيا ومعنويا، حين أكد مع بدء الاحتلال الهجوم باغتيال القيادي الكبير في سرايا القدس تيسير الجعبري، إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس أن «الاحتلال الصهيوني يتحمل المسؤولية عن هذه الجريمة التي ارتكبها وتداعيات عدوانه على شعبنا» مؤكدا أن الأمور ستكون مفتوحة على كل الاتجاهات، ليتلوا ذلك قيامه بإجراء اتصال مع الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة.
وخلال الاتصال أكد الرجلان على فشل استراتيجية العدو في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، وعلى وحدة المقاومة في مواجهة الاحتلال، وأكدا أن دماء الشهداء سوف تظل نبراسا على طريق التحرير.
وقد بحث الرجلان المواجهة الأخيرة مع الاحتلال وتداعياتها وسبل تعزيز العمل المقاوم والتنسيق المشترك، مشيدين بتكاملية العمل المقاوم في الميدان، وأشادا بصمود شعبنا الفلسطيني ومقاومته الباسلة والجهود السياسية التي بذلت على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي.
وفي دلالة على وحدة الموقف، اتفق هنية والنخالة على عقد لقاء قريب على مستوى قيادة الحركتين لبحث التطورات السياسية والميدانية، ولتحصين المسار الاستراتيجي لمستقبل مشروع المقاومة.
وكان لافتا خلال أيام التصعيد، تكرار حماس في بياناتها جملا تؤكد على حق الفلسطينيين في الرد على العدوان، وتأييدها العمل المقاوم ضد الاحتلال، وجاء في بيان لحركة حماس بعد استهداف قادة الجهاد الإسلامي العسكريين في غارة إسرائيلية «إن جرائم العدو في استهداف شعبنا وأبطاله المقاومين، لن يكون مصيرها سوى الخيبة والخسارة، ولن تدفع مقاومتنا إلا للمضي قدماً على طريق ذات الشوكة دفاعاً عن شعبنا وحقوقه المشروعة حتى تحرير الأرض والمقدسات وتحقيق حلم العودة».
تدخل حماس
وعقب انتهاء الغارات ودخول قرار وقف إطلاق النار حيز التنفيذ أكدت حركة حماس، أن العدوان على غزة «لن يكسر إرادة شعبنا وصلابة مقاومته» ودعت إلى «التلاحم في الميدان صفاً واحداً لدحر الاحتلال» وقالت إن تطبيع بعض الأنظمة العربية مع الاحتلال «يشكّل غطاءً له على ارتكاب المزيد من الجرائم ضدّ أرضنا وشعبنا» كما أكدت أن جرائم الاحتلال «لن تسقط بالتقادم، وستظل حيّة في ذاكرة شعبنا الفلسطيني» وطالبت كل المنظمات الحقوقية والإنسانية التحرّك بقوّة لمحاسبة قادة الاحتلال كمجرمي حرب أمام محكمة الجنايات الدولية.
أما على الصعيد الميداني بعد انتهاء التصعيد العسكري الذي استمر ثلاثة أيام، وكان الأعنف منذ انتهاء الحرب الأخيرة، فقد عملت الطواقم الحكومية التي تديرها حركة حماس في قطاع غزة، بتقديم خدمات عدة لحماية وتعزيز الجبهة الداخلية، والاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية، رغم شح الموارد وانعدام الإمكانيات جراء إغلاق المعابر.
وقال سلامة معروف رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إنه منذ اللحظة الأولى لبدء عدوان الاحتلال على القطاع، تم رفع جهوزية المؤسسات الحكومية للعمل وفق خطة الطوارئ من أجل القيام بالواجب وتقديم الخدمات للمواطنين في ظل العدوان.
ووجه باسم لجنة العمل الحكومي، نداء استغاثة للمجتمع الدولي، من أجل رفع الحصار والسماح بدخول كل الاحتياجات اللازمة للقطاعات الخدماتية والإنسانية، وإنهاء جريمة العقاب الجماعي بحق الشعب الفلسطيني في القطاع.
وقد قامت في هذا السياق طواقم وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة، بحصر متضرري التصعيد الأخير، الذين إما فقدوا منازلهم أو تضررت منازلهم بشكل كبير وطفيف، وقال كيل الوزارة ناجي سرحان إن الإحصائيات الأولية تشير إلى أن هذا العدوان قد خلف أضرارا في قطاع الإسكان تمثلت في هدم 18 وحدة سكنية بشكل كلي بالإضافة إلى 71 وحدة سكنية تضررت بشكل جزئي بليغ غير صالح للسكن و1675 تضررت بشكل جزئي، وقد باشرت طواقم وزارة الأشغال العامة والإسكان بالحصر التفصيلي للوحدات السكنية المتضررة.
كما قررت لجنة العمل الحكومي التي تديرها حركة حماس في غزة، صرف مبلغ مالي بغرض التدخل العاجل لترميم وتدعيم عدد من المنازل والوحدات السكنية المتضررة من العدوان.