غالبا ما وصفت الفراديس بأنها مفقودة، ورغم اقتران هذا الفقدان بملتون الا انه كان منذ بدء التجربة البشرية، حيث الماضي هو العصر الذهبي تبعا للتقسيم الشهير للأزمنة الذي وضعه هزيود، وربما كان هذا الاحساس بجمالية الماضي واحيانا طهرانيته سبب النوستالجيا المزمنة لدى البشر وان كان ذلك متفاوتا بين انسان وآخر، ولعلّ ما نشعر به ونحن نصغي الى صمت الغابرين في أروقة المتاحف او حتى ونحن نقرأ التاريخ يحررنا الى حدّ ما من عبء الحاضر الضاغط على انوفنا، لأننا لم نعش ويلات الماضي، لهذا نتسلى بها بعد ان تحولت الى حكايات.
فمن يقرأ بؤساء فيكتور هوغو وهو يجلس على مقعد وثير قرب مدفأة الحائط لا يشعر بآلام جان فالجان ومرارة النبذ التي عاشها، لهذا نادرا ما يوصف الفردوس بأنه قادم او موعود، باستثناء يوتوبيات هي من نتاج خيال محض، وكأنها تعويض عن حاضر بالغ القسوة، فهي تزدهر حين يكون الواقع ثقيلا وباهظا على الوعي مما دفع آرنست فيشر الى القول بأن الخيال احيانا هو واقع بالغ التركيز، لأنه ليس معزولا عن الذاكرة، مادته الخام التي يعاد انتاجها وفق الاهواء والرغائب، وفي قصيدة الغراب لادجار الان بو،تتكرر اللازمة السوداء عدة مرات في القصيدة وهي :
NEVER NEVER MORE
التي ترجمها يوسف الخال : ما مضى لن يعود، لكن مترجم القصيدة الى الفرنسية جان روسلو قرر عدم ترجمة هذا المقطع قائلا انه بالانجليزية يذكّرنا بصوت الغراب خصوصا كلمة MORE ،والحقيقة ان ما قاله ادجار الن بو ليس ضربا من التشاؤم، لأن الماضي لا يعود وان عاد ففي احدى صورتين تراجيدية او كوميدية، لكن هناك شعراء آخرين حلموا بفردوس موعود، منهم ناظم حكمت وبرتولد بريخت، وهما يشتركان في مرجعية ايديولوجية واحدة، هي الماركسية، فناظم حكمت يقول ان أجمل الابناء لم يولدوا بعد وأجمل القصائد لم يكتب بعد، اما بريخت فقد تخيّل الفردوس مدينة مثالية مطهّرة من الشرور اسمها بيلارس، ما ان يصل اليها الأعمى حتى يبصر، والأبرص حتى يشفى والمحروم حتى يحقق الوصال، لكن بيلارس كانت على موعد مأساوي مع زلزال دمّرها، وحرم الحالمين بالوصول اليها من الأمل.
وبخلاف الشاعرين بريخت وحكمت فإن الشاعر اليوناني كافافيس رأى من خلال قصيدة الطريق الى ايثاكا ان الفردوس الموعود والمحلوم به يجب ان يبقى بعيدا عن التحقق، لذلك فالطريق اليه أجمل منه وكذلك الطريق الى ايثاكا أبهى من الوصول اليها، لأن الحلم يتنامى في المسافة وينتهي لحظة تحققه .
* * * * * * *
كلاهما .. الفردوس المفقود والفردوس الموعود يعبران عن ضيق بالراهن وكأنه جملة رمادية معترضة في الزمان لهذا يكون الفرار من اعبائه اما الى الماضي او الى المستقبل ويبقى الحالم بهذا الفرار اشبه ببندول السّاعة يروح ويغدو، لكن في مكانه.
ان ما يدفع البعض الى الحلم بفردوس قادم، ليس مجرد التفاؤل الساذج بل هو وعي مفارق للسائد بقدرما هو ناقد ومتمرد على الماضي، اذا اعتبرنا ان الماضي هو في النهاية تاريخ الأخطاء او على الأقل ما يجب تجنّب تكراره والاعتبار به كما قال جورج سانتيانا.
والشعوب التي تعيش لحظة حرجة تفقد فيها شهوة المغامرة وتعاني من الانكفاء تبحث عن ابطالها إما في المقابر او في القادم من ايامها، لأنها في لحظتها الحرجة عاطلة عن افراز ما تشتاق اليه، سواء كان منقذا او مجسّدا لاشواقها القومية وأحلامها.
ان الماضي رغم اكتماله الوهمي يبقى ناقصا بل يتغذى من نقصانه لأنه اشبه بمبتدأ جملة يبحث عن خبر. أما المستقبل فهو ليس مجرد امتداد كمي للحاضر، ولا هو الغامض الذي تلوح منه بشارة او نذير، لأنه الآن وبفضل العلم اصبح قابلا للكشف المبكر عنه، فهو حاصل جمع الممكنات الهاجعة في هذا الرّاهن، وهذا ما اضاف الى الاستراتيجية بعدا جديدا هو الميتااستراتيجية، اي ما بعد الاستراتيجية بالمفهوم الكلاسيكي، اما بالنسبة للافراد وليس الجماعات فإن الماضي هو المجال الوحيد الذي عرفوه وخبروه، اضافة الى انهم عاشوه، لهذا فهم اسرى الذاكرة الا اذا حررهم منها مرض كالزهايمر.
وحين كتب مارسيل بروست روايته الآسرة « البحث عن الزمن الضائع « كان ذلك استجابة عضوية ونفسية معا لنكهة قطعة حلوى في فمه، فتحت له الذاكرة على مصراعيها واضاءتها على نحو شمل ادق التفاصيل، فالماضي احيانا يقترن برائحة ما او مشهد ما، اذ لا بد من شيء حسّي وذي صلة بالجسد كي يستعاد، وهناك اشخاص يحاولون استعادة الماضي وتحريض الذاكرة على استدعائه من خلال روائح او مواقف معيّنة، لكن هذه المحاولة يائسة واشبه بمحاولة عبور النهر مرّتين بتعبير هيراقليطس، فنهر الزمن لا يعبر الا مرة واحدة واللحظة ذاتها لا تعاش الا لحظة الاستغراق فيها، وقد تكون الكتابة بمجملها محاولة لاستعادة لحظات هاربة لكن بمران الحاضر والدربة التي راكمتها الخبرة، فمن يكتبون عن طفولتهم كفردوس مفقود انما يضيفون اليها من خيالهم ومن واقعهم كبالغين ما يجعلها اشدّ وهجا وأبهى!
* * * * * * *
بين الفردوسين المفقود والموعود ثمة فردوس ثالث يتم الاجهاز عليه منذ الصّبا، ويتولى ذلك الزّجر والقهر اللذان يتولاهما أولو الأمر، سواء كانوا أهلا او سلطة، أو تقاليد ذات سطوة لا تقاوم.
هذا الفردوس الثالث هو الفردوس الموؤدة، لأنه يُقتل وهو على قيد الحياة وبقرار صارم من أعراف لا تقبل أي استثناء. وحين نقرأ ما كتبه هربرت ماركيوز في كتابه «الحب والحضارة» يفاجئنا بأن تاريخ الحضارات كلّها هو تاريخ الوأد لهذا الفردوس، وذلك من منظور سايكولوجي سبق ان تحدّث عنه سيجموند فرويد باستفاضة، وهو التصعيد للغرائز مقابل التّسفيل، فالتصعيد بحدّ ذاته زجر واجهاض وسيبقى الفردوس المفقود الأعلى نغمة في حياتنا، لأننا على الأقل نعرفه وما لدينا عن الفردوس الموعود مجرد خيال وتفكير رغائبي.
خيري منصور