غزة ـ «القدس العربي»: تواجه الجهود التي تبذل من قبل الوسطاء لإرساء تهدئة في قطاع غزة تنهي العدوان الإسرائيلي الذي دخل شهره الثاني عشر على التوالي تحديات كبيرة، وبات من غير المعروف إن كان الضغط المتصاعد في إسرائيل من قبل عوائل الأسرى في غزة وأحزاب المعارضة، بالتوازي مع ضغط المقاومة على الأرض التي أحرجت رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي، بإضاعة الفرصة على جيشه لإعادة ستة أسرى أحياء، ستنجح في دفع التوصل إلى صفقة تهدئة، أم ستكون الكلمة النهائية لأحزاب اليمين المتطرف التي تطلب قبل بدء ما تعرف بـ «محادثات الفرصة الأخيرة» بوقف التفاوض والاستمرار في الحرب؟
الاحتجاجات تغرق تل أبيب
ووسط تمسك نتنياهو وأركان حكومته حتى اللحظة بالشروط الخاصة لإبرام صفقة تبادل أسرى، والمتمثلة في رفض الانسحاب من «محور «فيلادلفيا» ووضع شروط تعجيزية لإبرام صفقة تبادل الأسرى، وهما بندان من أساسيات عملية التفاوض، انفجرت حركة احتجاجات كبيرة في داخل دولة الاحتلال، دعت إليها عوائل الأسرى لدى حماس، بدعم من جميع أحزاب المعارضة التي حملت نتنياهو مسؤولية تعطيل الاتفاق، والاستمرار في دفع الأمور إلى التأزم أكثر، بما يعني عودة الأسرى أمواتا لا أحياء.
هذه الاحتجاجات شهدت تصعيدا كبيرا، على خلاف ما كان سابقا، بعد إعادة جيش الاحتلال جثث ستة أسرى، قال إنه عثر عليهم في نفق بمدينة رفح، وقبل وقتها إنهم قتلوا قبل 48 ساعة من الوصول إليهم، حيث اتهمت إسرائيل مقاتلي حماس بتصفيتهم قبل وصول الجيش إلى المكان، وقد جاء التصعيد بعد أن كشف النقاب أن هؤلاء الأسرى كانوا سيطلق سراحهم في صفقة تبادل الأسرى المطروحة على الطاولة، والتي لا يزال نتنياهو وأقطاب حكومته اليمينية يعطلونها، بفرضهم شروطا تعجيزية.
وبعد دعوات النزول إلى الشارع بأعداد كبيرة، وشروع المتظاهرين إغلاق طرق رئيسية، ومحاصرة مقر «حزب الليكود» الذي يترأسه نتنياهو، ووقوع اشتباكات بينهم وبين الشرطة الإسرائيلية في اليوم الأول من الاحتجاجات، أعلن في دولة الاحتلال اتحاد العمال، عن إضراب شامل شل معظم مناحي الحياة، بما فيها المطارات، رفضا لتعنت الحكومة الرافض لإبرام صفقة التبادل.
وجاء ذلك فيما قرر منتدى الأعمال في إسرائيل، الذي يضم كبار رجال الأعمال، دعم الاحتجاجات، ودعا الإسرائيليين إلى «عدم التزام الصمت» إزاء ما وصفه بـ«فقدان الأرواح اليومي والتخلي عن الأسرى وتركهم لمصيرهم» مشيرا إلى إمكانية إنقاذهم وفقا لتقديرات الأجهزة الأمنية، التي تخالف نتنياهو في الرأي بخصوص الصفقة، كما أعلنت العشرات من المصالح التجارية الهامة في إسرائيل عن مشاركتها في الاحتجاجات التي دعت لها عوائل الأسرى، للضغط على حكومة نتنياهو، عبر تعطيل أنشطتها الاقتصادية.
وتشير التقارير الواردة من دولة الاحتلال، بذهاب الأمور الخاصة بالاحتجاجات إلى تصعيد أكبر، لتشكيل قوة ضغط ميداني داخلي على نتنياهو، من أجل التخلي عن «اللاءات» التي تعيق الاتفاق، والتي أشار إليها الوسطاء جميعا بأصابعهم، محملين نتنياهو المسؤولية عن ذلك.
وترافقت هذه الاحتجاجات مع ضغط آخر مارسته حركة حماس، التي تمثل فصائل المقاومة في مفاوضات التهدئة، فالحركة وجناحها العسكري، في خضم حديث نتنياهو عن استمرار العمل العسكري لإخضاع الحركة لشروطه، جددت موقفها القاضي بعدم انجاز أي صفقة تبادل أسرى، قبل خروج جيش الاحتلال من قطاع غزة، مستفيدة من ورقة الأسرى الذين وقعوا في قبضتها يوم السابع من أكتوبر من العام الماضي، خلال المعارك التي وقعت في مستوطنات غلاف غزة، خاصة بعد تحرك أهاليهم الكبير.
وساند الجيش الإسرائيلي مطالب المحتجين، حيث صرح مصدر مسؤول في قيادة الجيش، بأن أي عملية برية واسعة النطاق في قطاع غزة ستعرض حياة الأسرى للخطر، مشيرا إلى أن على الحكومة أن تقرر ما إذا كانت تتحمل المسؤولية عن حياتهم، وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» التي نقلت الخبر، أن التحذير يأتي على خلفية المظاهرات واسعة النطاق في أعقاب مقتل ستة أسرى.
كشف كذب نتنياهو
وأصدرت حركة حماس، بيانا في خضم بدء عمليات تصعيد الاحتجاجات في إسرائيل، حملت فيه نتنياهو، المسؤولية عن حياة الأسرى الستة الذين عثر عليهم مطلع الأسبوع، لافتة إلى أن الأسرى قتلوا برصاص الجيش الإسرائيلي، واتهمت الحركة نتنياهو بالعمل على تضليل الرأي العام، والاستمرار في سياسة الخداع والكذب، لـ «التنصل من المسؤولية عن حالة الانغلاق التي وصلت إليها المفاوضات». وقال أسامة حمدان القيادي في الحركة وهو يرد على نتنياهو «موقفنا واضح، محور فيلادلفيا جزء من عملية الانسحاب من غزة التي تم الاتفاق عليها بشكل أساسي لإبرام الاتفاق الذي يتضمن وقف إطلاق النار، والانسحاب الكامل من قطاع غزة، وإجراء عملية تبادل للأسرى».
أما الجناح العسكري لحماس كتائب القسام، فعمل على إرسال رسائل جديدة لأهالي الأسرى الأحياء، فنشر فيديوهات سجلت سابقا للأسرى الستة الذين عثر عليهم مؤخرا أمواتا، وهو يوجهون انتقادات لحكومتهم ورئيسها، ويطلبون العمل على إطلاق سراحهم ويحرضون على ذلك، بالترافق مع نشر لقطات مصورة «إن نتنياهو هو من قتل الأسرى، من خلال اختاره البقاء في محور فيلادلفيا» وحمل المقطع رسالة موجهة لعائلات الأسرى الستة، وأكد أن هؤلاء الإسرائيليين كانوا أحياء، وكان مفترضا أن يخرجوا ضمن المرحلة الأولى من الصفقة، وكانت تهدف أيضا إلى إثارة الرأي العام الإسرائيلي على نتنياهو، كما كشفت كتائب القسام، عن «تعليمات جديدة» صدرت للمكلفين بحراسة الأسرى الإسرائيليين، بخصوص التعامل معهم حال اقتراب جيش الاحتلال من مكان احتجازهم، من دون أن يحدد طبيعة هذه التعليمات الجديدة، ونشر الجناح العسكري بعد تصريحات أبو عبيدة، صورة لأسير إسرائيلي خلفه شخص يحمل بيده مسدس وكتب أسفل الصورة «ضغط عسكري = موت وفشل، صفقة تبادل = حرية وحياة».
وحسب المعلومات المتوفرة، فإنه لا يزال هناك 101 أسير إسرائيلي في قبضة الجناح العسكري لحركة حماس في قطاع غزة، بعد العثور على جثامين الأسرى الستة.
وميدانيا على الأرض، واصلت فصائل المقاومة هجماتها على القوات المتوغلة في القطاع، كما قامت بإطلاق صواريخ محلية الصنع على المستوطنات القريبة من حدود قطاع غزة، ردا على المجازر التي ترتكب في كافة مناطق القطاع، ولإرسال رسالة إلى قيادة الاحتلال، بأن أسلوب الضغط العسكري لن يأتي بأي نتيجة، وأن سياسة «عض الأصابع» لن تكون في صالح اليمين المتطرف.
في المقابل، لا يزال نتنياهو يتمسك بشروطه الخاصة لإبرام التهدئة التي تشمل إطلاق سراح أسرى من الطرفين، والبقاء في «محور فيلادلفيا».
وأكد في خضم تصعيد حركة الاحتجاجات الداخلية الرافضة لسياساته بخصوص التهدئة، رفض الانسحاب من المحور حيث استعرض في مؤتمر صحافي خريطة لقطاع غزة، زعم فيها أهمية الإبقاء على المحور تحت سيطرة جيشه وعدم الانسحاب منه من الناحيتين العسكرية والاستراتيجية، وقال «محور الشر بحاجة لمحور فيلادلفيا، وفي حال خرجنا من هناك لن نستطع العودة» وزعم أنه يجري تهريب السلاح إلى قطاع غزة، وأن المحور يشكل لإسرائيل أهمية أساسية من أجل استعادة المختطفين». ورغم تعرضه لضغوط داخلية وانتقادات خارجية، عاد نتنياهو بعد المؤتمر، وأعلن التمسك بالسيطرة والبقاء في «محور فيلادلفيا» وقال «نحن نسيطر على محور فيلادلفيا في قطاع غزة وامتداده يتواصل إلى إيلات في البحر الأحمر». ومساندا نتنياهو في التطرف، طالب وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، في تغريدة كتبها على موقع «أكس» بـ «وقف المفاوضات مع حماس» ووقف تزويد قطاع غزة بالوقود، وقال محرضا «إن استمرار المفاوضات لا يؤدي إلا إلى حثهم على إنتاج المزيد والمزيد من الإرهاب في الضفة الغربية أيضا».
غضب الوسطاء والفرصة الأخيرة
ولم تعجب تصريحات نتنياهو الوسطاء الثلاثة الأمريكيين والمصريين والقطريين، واستقبلت القاهرة سيلا من برقيات المساندة لها، بعد حملة نتنياهو السياسية ضدها، التي غمز خلالها بتهريب السلاح إلى غزة من أراضي مصر، وقد جددت مصر أيضا رفضها لأي تواجد إسرائيلي على «محور فيلادلفيا».
فمصر من جهتها أعربت عن رفضها التام لتصريحات نتنياهو بشأن التمسك ببقاء الجيش الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا» وحملت الحكومة الإسرائيلية عواقب تلك التصريحات التي وصفتها بأنها تزيد من تأزيم الموقف وتؤدي إلى مزيد من التصعيد في المنطقة، واتهم مصدر مسؤول في القاهرة نتنياهو بانه «يروج الأكاذيب».
وقد عبرت قطر الوسيط العربي الثاني في المفاوضات، عن تضامنها التام مع مصر ورفضها تصريحات نتنياهو، وقالت وزارة الخارجية القطرية «تصريحات نتنياهو تجاه مصر ما هي إلا محاولة لتشتيت الرأي العام الإسرائيلي وعرقلة جهود الوساطة».
وبسبب هذا الموقف الذي أبداه نتنياهو، قال الرئيس الأمريكي جو بايدن «نحن قريبون جدًا من التوصل إلى اتفاق، لكنني لا أعتقد أن نتنياهو يفعل ما يكفي» كما هاجم مصدر مطلع على المفاوضات في تصريحات لشبكة CNN الأمريكية نتنياهو، وقال إنه «أفسد الصفقة برمتها في خطاب واحد» وقال إن «إصرار نتنياهو على البقاء في فيلادلفيا يمثل تغييراً في موقف إسرائيل» لافتا إلى أنه عندما أعلن بايدن الخطوط العريضة للصفقة في 31 مايو/أيار، والذي وافقت عليه إسرائيل كان يتصور انسحاب الجيش الإسرائيلي شرقًا من المناطق المأهولة بالسكان.
وفي دلالة على كذب نتنياهو، أصدر بيني غانتس، وغادي ايزينكوت، الوزيران السابقان اللذان استقالا من الحكومة، بيانا كشفا فيه حقائق من داخل «الغرف المغلقة» أكدا فيه أن نتنياهو قام بخطوات من شأنها إعاقة تحقيق أهداف الحرب، وجاء في البيان «نتنياهو ينزع الشرعية عن وزير وقادة الجيش، ومحور فيلادلفيا لا يشكل خطرا استراتيجيا على دولة إسرائيل».
وقد جاءت مجمل هذه التطورات، في الوقت الذي كشف فيه النقاب بأن الولايات المتحدة تناقش مع مصر وقطر الخطوط العريضة النهائية لصفقة تهدئة، وانه في حال لم يتم قبول العرض فإن ذلك سيمثل «نهاية الاتصالات» على المدى القريب.
وخلال الأيام الماضية، تناقلت وسائل إعلام عبرية، ما ادعت أنه تسريبات عن المقترح الجديد، وتحدث بعضها عن تصور يشمل انسحاب جيش الاحتلال من «محور فيلادلفيا» غير أن أحد هذه التقارير ويعود لهيئة البث الإسرائيلية ذكر أن المقترحات لن تكون مقبولة لحماس وإسرائيل، فيما يقوم الوسطاء بالعمل على حل مشكلتي «محور فيلادلفيا» والأسرى الذين سيطلق سراحهم في صفقة التبادل.
ودلل على ذلك المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، جون كيربي، حين أعرب عن الإحباط الذي تشعر به الإدارة الأمريكية في ظل ركود الاتصالات.
ولذلك بات يرى هذه المفاوضات التي لم يحدد موعدا لها، على أنها الفرصة الأخيرة لإنجاز صفقة، رغم أن حركة حماس عبرت عن مخاوفها من المقترح الأمريكي الجديد، وجددت الحركة تمسكها بما أعلنه الرئيس الأمريكي جو بايدن، نهاية مايو/أيار الماضي، وقرار مجلس الأمن، الذي وافقت عليه.
وقال خليل الحية رئيس وفد حماس لمفاوضات التهدئة، إنهم ليسوا بحاجة إلى أي مقترحات جديدة، مشيرا إلى أن أي اتفاق يجب أن يتضمن وقفًا شاملًا للعدوان على الشعب الفلسطيني، وانسحابًا كاملًا من قطاع غزة بما فيه «محور فيلادلفيا» وحرية عودة النازحين، وإغاثة الشعب الفلسطيني وإعمار ما دمره الاحتلال، وصولًا إلى إنجاز صفقة جادة وحقيقية لتبادل الأسرى، وأكد أنه لا توجد حاجة إلى أوراق جديدة، وقال «إن أي مقترحات، من أي طرف كان، يجب أن تبحث بشكل أساسي في إلزام رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وحكومته الفاشية، بتنفيذ ما تم التوافق عليه، لا العودة إلى نقطة الصفر، ولا الدوران في ذات الحلقة المفرغة التي يريدها نتنياهو».
الحية قال إن نتنياهو هو من يفشل المفاوضات، وأن شروطه، هي من تحول دون انجاز الصفقة، وقال وهو يرد على رئيس حكومة الاحتلال «نتنياهو قال بشكل واضح إنه لا خروج من نتساريم ولا خروج من فيلادلفيا، وأنا أقول هنا بشكل واضح إنه دون الخروج والانسحاب الكامل من قطاع غزة، لا يوجد اتفاق».
وفي هذا السياق أيضا، شددت حركة حماس على أنه لا حاجة لأي مقترحات جديدة لوقت إطلاق النار، وأن المطلوب الآن هو الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته وإلزامهم بما تم التوافق عليه، محذرة من أن نتنياهو يُفشل التوصل لاتفاق لوقف الحرب بقطاع غزة وتبادل الأسرى عبر التشبث بالبقاء في «محور فيلادلفيا» وطالبت بالضغط على نتنياهو وحكومته وإلزامهم بما تم التوافق عليه خلال المفاوضات السابقة، وأنذرت في ذات الوقت من «الوقوع في شرك نتنياهو وألاعيبه، والذي يستخدم المفاوضات لإطالة أمد العدوان».
وفي حال أصر نتنياهو على شروطه، قافزا على احتجاجات الشارع، أو جاء المقترح الأمريكي مساندا لتلك الشروط، وهو أمر سيقابل برفض من حماس، فإن أمد الحرب سيطول، وينذر ذلك بارتكاب جيش الاحتلال المزيد من المجازر، أو يواصل الضغط العسكري على الأرض، من خلال زيادة مأساة السكان وزيادة رقع التوغلات البرية وتضييق أماكن النزوح القسري.