لا يكاد يمر شهر إلا ويسمع أهالي غزة عن حالة انتحار هنا وهناك، بينما تتنوع طرق الانتحار بين الحرق وتناول السم والسقوط من علو والشنق وإطلاق النار، وذلك بحجة الأوضاع الاقتصادية والنفسية التي يعانون منها في ظل الفقر والبطالة التي تسود القطاع منذ سنوات. وقد شهد القطاع أحداثاً مأساوية خارجة عن الدين والعادات، بانتحار عدد من الأشخاص خلال الأشهر والأسابيع الماضية، مما أعطى مؤشراً خطيراً على الظروف الصعبة التي يعيشها السكان الذين يعانون من تردي كافة مناحي الحياة، جراء الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني، إلى جانب جملة من العوامل الأخرى، مثل المشاكل الاجتماعية والنفسية.
ووصلت أعداد الحالات المنتحرة منذ بداية العام الحالي إلى قرابة 26 كانت نتيجة جميعها الوفاة، ومن بين هذه الحالات خمسة من الأطفال دون سن البلوغ، و6 حالات من النساء وباقي الحالات لشباب في مقتبل أعمارهم، وذلك بحسب إحصائية أعدها مركز “الضمير” لحقوق الإنسان في قطاع غزة.
ويواجه الغزيون صعوبات اقتصادية جمة وحصارا إسرائيليا خانقا، تفرضه قوات الاحتلال منذ 14 عاماً. وعلى الرغم من أن العامل الاقتصادي أحد أهم عوامل الانتحار بالدرجة الأولى، إلا أن عوامل اجتماعية ونفسية كانت بين الأسباب التي تقف وراء انتحار بعض الأشخاص، كتفشي الفقر وارتفاع معدلات البطالة بين أوساط الشباب.
وأفاد مركز “الميزان” لحقوق الإنسان، بأن ما لا يقل عن 21 شخصاً قضوا انتحاراً، فما لم تتوفر لدى المركز إحصائية حول الحالات التي حاولت الانتحار، مع إشارة المركز إلى أن عوامل الانتحار كانت مختلفة من حالة لأخرى، إذ تراوحت غالبيتها ما بين الفقر والحصار إلى جانب مشاكل اجتماعية ونفسية.
وتشير إحصائيات الإتحاد الأوروبي إلى أن الحصار والهجمات الإسرائيلية المتكررة التي يتعرض لها القطاع، أدت إلى إضعاف الاقتصاد المحلي للحد الذي بات معه نحو مليون شخص أي حوالي 80 في المئة من إجمالي سكان غزة، يعتمدون على المساعدات الإنسانية المقدمة سواء من الأنروا أو مؤسسات الإغاثة الدولية.
كما بينت الإحصائية أن الإجراءات الاحترازية التي اتخذت للحد من تفشي وباء كورونا، فاقمت الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة، وأدت إلى فقدان ما يربو على 26 ألف شخص وظائفهم في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري، وهو ما انعكس سلباً على نفسية الذين فقدوا فرص عملهم.
بدوره قال عصام يونس مدير مركز “الميزان” إن حالات الانتحار التي حصلت في قطاع غزة في الآونة الأخيرة، لم تكن مرتبطة بسبب أو عامل واحد، بل كانت لكل حالة خصوصية معينة، إذ أن عوامل الانتحار متعددة وغير مرتبطة فقط بمشكلة الفقر والبطالة والحصار الإسرائيلي، في حين إن الأسباب والدوافع في قطاع غزة التي تدفع الشباب نحو الانتحار تعود إلى ظروف تختلف عن التي تحدث في بلدان الشرق الأوسط، منها دوافع سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية، كون القطاع يعيش في معاناة دائمة ومستمرة منذ الانقسام الفلسطيني قبل ثلاثة عشر عاماً، وما نتج عنه من خطط لتغييب دور الشباب وضعف الخدمات المقدمة لهم.
وأوضح يونس لـ”القدس العربي”: أن ارتفاع مستويات الفقر والبطالة، واحد من الأسباب التي كانت وراء بعض حالات الانتحار مؤخراً، مشيراً إلى أن الفقر لم يكن السبب الوحيد في ارتفاع أعداد الحالات، إذ أن هناك مشاكل أخرى، كانت وراء إقدام البعض على الانتحار.
وذكر يونس أن الفقر والبطالة والحصار، ولدت آفات اجتماعية ونفسية كبيرة لدى الناس في قطاع غزة، مستشهداً بارتفاع معدلات الطلاق في صفوف الشباب الذين يتزوجون مبكراً، نتيجة الظروف المعيشية السيئة، مشيراً إلى أن الفقر والبطالة خلقتا أعباء كبيرة على كاهل الناس، وولدتا مشاكل اجتماعية.
ودعا نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، لعدم إلصاق الفقر والبطالة والحصار والوضع السياسي على جميع حالات الانتحار، كون العوامل متعددة الأسباب وتحصل في أكثر بلدان العالم رفاهية.
وذكر أن معالجة آفة الانتحار تتطلب تضافراً لجميع الجهود في المجتمع، مشيراً إلى أن أول خطوة لمواجهة تلك الآفة تتمثل في معرفة الأسباب التي تدفع البعض للانتحار، وعليه ينبغي وضع أجندة عمل واضحة وبناء إستراتيجيات صالحة لمواجهة مشكلة الانتحار.