الفلسطينيون.. من وهم الدولة إلى نكبة أخرى وإبادة

حجم الخط
0

يقول البروفيسور يهودا باور، وبحق، إن التفسير الفعلي لإقامة دولة ثنائية القومية بين النهر والبحر الآن هو “حرب مع إمكانية كامنة لإبادة الشعوب” (“هآرتس”، 8/10). ولكن يخطئ باور عندما يضيف إلى ذلك بأن الأمر يتعلق بإمكانية كامنة للإبادة من كلا الطرفين. الحقيقة مختلفة في جوهرها. الجانب الأول، اليهود الإسرائيليون، هو الجانب الأقوى حسب كل المعايير الوجودية ذات الصلة بموضوع المواجهة العسكرية، وهو أقوى بما لا يقاس من الجانب الآخر. الجانب الآخر، العرب الفلسطينيون، هو الجانب الضعيف حسب كل المعايير. لذلك، “إمكانية كامنة لإبادة شعب” أو للدقة، “إمكانية كامنة شفافة” تكمن في عملية بلقنة ثنائية القومية في إسرائيل/فلسطين، تهدد فقط جانباً واحداً، وهو الجانب الفلسطيني.

لا شك أن الدولة الواحدة بين النهر والبحر، التي يدعو إليها معارضو تقسيم البلاد من اليسار، دولة ثنائية القومية، لن تكون ثنائية القومية بأي شكل من الأشكال. وإن إقامتها، الآن أو في المستقبل المنظور، ستشير بصورة واضحة إلى الانتصار الكاسح لمشروع الاستيطان الكولونيالي في الضفة الغربية، المخلص منذ سنين لفكرة “سيادة الآن”. وحتى لو رافق ضم المناطق الفلسطينية تجنيس كامل لسكانها في دولة إسرائيل، مثلما يقول أتباع فكرة دولة ديمقراطية واحدة في أوساط اليسار وبعض مؤيديها في أوساط اليمين، ففي كل الأحوال ستثير عملية الضم السياسية هذه موجة كبيرة من الحماسة القومية المتطرفة – المسيحانية في أوساط اليمين.

سيتم إجراء مسيرة الأعلام الفاشية والحقيرة من الآن فصاعداً داخل القدس ليس لمرة واحدة في السنة، بل في كل أسبوع وفي جميع أراضي الوطن التي تم استرجاعها نهائياً على أيدي السيد اليهودي، من لإثبات من صاحب البيت هنا.

الانتفاضة الفلسطينية التي لن يطول مجيئها، إزاء “الاحتفالات بالسيادة” مثل هذه، سيتم الرد عليها برد صهيوني مناسب من قبل جيش الدفاع عن المستوطنين وعمن يقطعون أشجار الزيتون، في حين أن الشرطة السرية “الشاباك”، لن تقف هي أيضاً مكتوفة الأيدي. إن هدف الشاباك، مثلما تعلمنا مؤخراً من الأقوال الأورويلية للرئيس الجديد لهذا الجهاز رونين بار، هو تنفيذ “مبادئ الديمقراطية الدفاعية”. لم تكن هذه الأقوال زلة لسان. لأن الشعب والسيادة في “الدولة القومية للشعب اليهودي” ليسا سوى العرق اليهودي. لأن حكم الأغلبية الإثنية – اليهودية، نظام الإتنوقراط -حسب البروفيسور اورن يفتحيل- يعرض في الخطاب الإسرائيلي أكثر من مرة كنظام ديمقراطي.

من هنا، فإن أي تحد لتفوق اليهود هو -حسب هذا المنطق المشوه- مس بالديمقراطية. يمكن إذاً أن نكون على ثقة بأن الشاباك لن يسمح بـ “المس بديمقراطية” كهذه. وبالتعاون مع أذرع الأمن الطويلة الأخرى الإتنوقراطية اليهودية، لن يفوت الفرصة للإسهام بنصيبه في استكمال “العمل الذي لم ينهه بن غوريون”، مثلما قال رئيس حزب العنصرية الصهيونية – الدينية، بتسلئيل سموتريتش، وسيعمل بكل طاقته لإبعاد أعداء ديمقراطية اليهود من الدولة اليهودية – الديمقراطية.

فكرة ثنائية القومية التي هدفها التوفيق بين حقوق المواطن الفردية والحقوق الوطنية الجماعية للشعبين في البلاد، اللذين يعيشان بين البحر والنهر، هي فكرة عادلة ومرحب بها، مع جذور تاريخية عميقة داخل التيارات السياسية الرئيسية للصهيونية الحديثة. يجب التطلع إلى تجسيد المكونات ذات الصلة في إطار دولة إسرائيل في حدود 1967 على أساس واقع مدني مشترك قائم ومتواصل بين مواطني الدولة اليهود والفلسطينيين. بالتالي، رغم أن الأمر يتعلق بواقع مدني معيب ومشوب بعدم المساواة، فإنها ما زالت تشكل بنية أساسية مدنية كافية للدفع قدماً بخطاب المصالحة ثنائي القومية بين مواطني الدولة.

في المقابل، في ظل غياب أي كيان مدني مشترك بين إسرائيليين وفلسطينيين في مناطق الاحتلال فإن محاولة تجسيد أسس الاتفاق ثنائي القومية في كل الفضاء الواقع بين البحر والنهر، يتوقع أن تزيد بدرجة لا تقدر اشتداد الاستقطاب الإثني والديني، وأن تثير الأحاسيس القومية – الدينية البدائية بين الشعبين بدرجة أكبر. بناء على ذلك، هذه تجربة مصيرها الفشل. لأنه مع أخذ علاقات القوة القائمة بين اليهود والفلسطينيين في الحسبان، فإن نهايتها معروفة مسبقة، وهي نكبة ثانية.

بقلمدمتري شومسكي

هآرتس 31/10/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية