الفلسطيني غسان زقطان: المونولوج الغنائي/ شعرية الاعتراف

أحاول في هذا المقال، وفي مقالات أخرى لاحقة الاستئناس بنصوص لشعراء فلسطينيين معاصرين وصلوا بين السيرة وفلسطين؛ بشعرية عالية. وأبدأ بغسان زقطان الذي أتابع تجربته منذ سنوات بعيدة، وأجده في كل مرة يعمقها ويضيف إليها ويغنيها؛ خاصة أنه عرف كيف يشتق لنفسه طريقة خاصة، حتى في ظل سيطرة محمود درويش على المشهد الشعري فلسطينيا وعربيا. ومن أظهر ملامح هذه الطريقة براعة الشاعر في المزاوجة بين «السيرة» و«فلسطين القضية» و«التخييل الذاتي» (على قلق هذا المصطلح وأنا أفضل «التخيل») بما يلبس الحقيقة والخيال بمعزل عن مواثيق السيرة الذاتية «الحقيقية» وما تلزم به صاحبها تجاه قارئه؛ أي الكشف بـ»صدق» عن خبايا الذات وخفاياها.
وليس للسيرة الذاتية أن تكون على ما هي عليه، إلا إذا قبل القارئ أو تقبل «المتن السيرذاتي» على أنه «حقيقة» مستخلصة من وقائع منتحلة؛ فلا مناص إذن من «علاقة أخلاقية تصل بين الطرفين. وليس هذا بالسهل في ثقافة مثل ثقافتنا لم تعرف «أدب الاعترافات» إلا في حدود ضيقة جدا، لا يتسع المجال للخوض فيها هنا. ففي حديث منسوب إلى الخليفة عمر بن الخطاب أنه طرد «المعترفين» وأمر بطردهم، وهم الذين يقرون على أنفسهم بما يجب عليهم فيه الحد والتعزير؛ كأنه كره لهم ذلك، وأحب أن يستروه على أنفسهم. وهو ما يثير موضوع «التقية» في حدها الجامع المانع عند الفقهاء والمفسرين أي «إخفاء المعتقد أو كتمان الحق خوفا من ضرر في الدنيا والدين، ومعاشرة ظاهرة مع العدو المخالف والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء، وانتظار زوال المانع من شق العصا». ولها شأن في تاريخ الإسلام وثقافته، فهي سلوك أساسه المداراة والمخاتلة بدل الاعتراف.
أما غسان زقطان فيبرع في الوصل بين نوعين أو جنسين متقاربين مختلفين جوهريا: الشعر والسيرة، بما يفضي في نصه إلى ما يمكن أن أسميه، على حذر وحيطة، «الشبيه المختلف» فهو نفسه وليس نفسه، أو ما يكون ذات الكائن ويميزه عن كائن آخر؛ أو بعبارة المتنبي «كذا أنا يا دنيا» لكن دون تماهٍ، إذ تكمن شعريته في الفجوة بين ثبات الذات وتحولات النفس. والذات غير الشخصية بملامحها أو صفاتها الدائمة أو المطردة، بما يفتح في نصه أفقا لـ«الهوية الشعرية» أو «الهوية السردية» أو لـ«معنى» غير معهود في الشعر الفلسطيني، إلا عند محمود درويش في أعماله الأخيرة؛ فثمة «بنية إشكالية» مدارها شخصية فريدة هي الشاعر وليست الشاعر. ربما هي طريقة خاصة في تجسيد الذات الفلسطينية، وهي تطل على نفسها وعلى الآخرين. وهذه ليس سيرة ذاتية حقيقية مدارها على «تعرف الذات» بالمعنى الذي يدعو إليه سقراط. ذلك أن غسان زقطان يقص قصته لنفسه وللآخر أيضا، حتى يتعرف إلى ذاته المتنوعة أو «الشبيهة المختلفة». ولا أتردد في القول إنه «يتفرد» مثل زكريا محمد، في ابتداع لغة شعرية، من شأنها أن تحوي هذا «الخليط» من المشاعر والحالات الفلسطينية المتنوعة المتناقضة. وهكذا فإن شخصية شاعر «السيرة الذاتية» أو «التخيل الذاتي» هي التي تستوقفنا في هذه النصوص:
المكان يفرغ
هناك من ينقل الأشياء إلى الجانب الآخر
ليس لديك الآن سوى تأمل البيوت وهي تتعثر في ابتعادها البطيء
هذا هو الوقت المناسب لتصغي إلى الأجراس
هذا كله يبدو مألوفا
مثل أفكار مستخدمة أو إعادات تحدث بسبب قلة الحيلة
كذلك الضجر من أنك مررت بكل هذا
وأنت تردد دون توقف:
-أريد ان أعبر ذلك الجسر
كما تعبر الأجراس
ما يوحد الشاعر والقارئ هو هذا «الجسر» في ما يشبه «قصة واحدة» و»ذات» تبنى، هي «الذات الفلسطينية» الفريدة، التي نجهلها نحن، ولا نعيشها إلا من حيث هي «قضية». وقد يتذرع البعض بأن هذا «مطرد» في الشعر الفلسطيني، أو هو ليس وقفا على غسان زقطان. وفي هذا مقدار من الصواب، لكن ما يميز هذا النص هو «شعرية الاعتراف» التي تكاد تكون «ميتافيزيقية» بالمعنى العميق للكلمة، وخلوا من التجريد، بل «غنائية» أو هي «مونولوج غنائي»: اختيار الكلمات بدقة لا تخفى، فضلا عن الإيقاع؛ وغسان شاعر يعرف كيف ينتقل من الموزون إلى غير الموزون.
والشخصية المتلفظة التي تتمثلها هذه النصوص، ذات طبيعة مختلفة عن تلك التي تتمثلها السيرة الذاتية؛ حتى لكأنها نوع من «قناع القلب» بعبارة القدماء. ولعل في هذا ما يجعله غير «الشخصية» التي شغلت شعراء القناع في الستينيات والسبعينيات (أدونيس وعبد الصبور ودنقل والبياتي ويوسف الصائغ) وأقدر أن هذا يجري في اتجاهين: أحدهما يومئ إلى شخصية «فلسطينية» حقيقية، حتى إن لم يسمها الشاعر، والآخر يومئ إلى طبيعتها الأسطورية الرمزية العابرة للذات؛ بما يجعلها نوعا من «المونولوج الغنائي». ربما هي «سيرة شعرية ذاتية» تلملم الشتات، وتعيد توحيد الذات. ومن يقول «التشتت» يقول «التفتت». ومرد هذا «التوحيد» في تقديري إلى الإيقاع الشعري، باعتباره القوة التي تجعل الحاضر حاضرا بشتى تقلباته واشتباكاته:
وَموطِني زمن وَمُوسيقى من الأَريافِ
بَلداتٌ مُسورةٌ، قُرىً مرسومَةٌ في السهلِ والهَضباتِ
بالحَجرِ الزلالْ
شَوارع مَسقُوفَةٌ، وَقُرى، وَعندَ الفَجرِ يَغسِلُها الوُضوءُ من الظلال
قُرى وَأَمواجٌ من الشجرِ القَصيرِ عَلى التلالِ
هذه «الحيوية الغنائية» التي تميز نص غسان زقطان بسجلاتها اللغوية الخاصة، تلوح لي أشبه بـ»القصيدة السمفونية» وهي تقترح «نغمة» في كل مرة بطريقة جديدة؛ ثم تعمد إلى اختبارها وليس تكرارها. والحق أنا أستخدم مصطلح «السيرة الذاتية» بحذر وحيطة كما أسلفت، إذ ثمة في هذا النص اختلافات بين الشعر والسيرة؛ وإن كنت أقدر أن «السيرة» في ثقافة العرب، هي في الشعر وليست في النثر. والشعر الحديث ليس من شواغله تقديم «سينوغرافيا» صريحة، أي ليس من وظائفه تصوير المشاهد والمناظر؛ بل هو على طرف النقيض من ذلك ذو مدار «إهليلجي» وأدواته الحذف والإضمار والإيجاز؛ بل يتهيأ لنا ونحن نقرأ هذه النصوص إنها كمن «يعيد» إلينا «شيئا» تم غناؤه فعلا. لكن أين؟ وكيف؟ تلك قوة هذه النصوص وهي في معابر الهوية، وتماثلات الذات. وربما لهذا السبب يمكن القول إن الشعر الفلسطيني الحديث كالذي نحن فيه، هو الأقدر على تمثل تعددية «الذات الفلسطينية» اللامتناهية، إذا أجزت لنفسي أن آخذ بصيغة ميشو في نصه «ملحق بلوم». لعلها «سينوغرافيا» شعرية ذات طراوة غنائية غير معهودة، تختبر أشكالا جديدة من الذات الفلسطينية.
إن لكل قطعة شعرية ذاكرة عتيقة عتيدة تمتد جذورها في أغوار اللغة، حتى إن الجهد المبذول لإحيائها، قد لا يظفر إلا ببقايا مادة لا تفصح عن صور الفلسطيني التي طوت عليه الكتابة. فإذا كان نص غسان زقطان يبطن نصا كنعانيا كما يوهمنا قاصدا متقصدا، أو يبطن إرجاعات وأصداء مستجلبة أساطير فلسطينية، فلا أحد ما عدا الشاعر بميسوره رصدها أو حصرها، ذلك أن ما يميز هذه النصوص وترافدها هو الانتشار واللانهائية. والنص واقع قائم بنفسه وموروث ثقافي، ومزيج من النصوص المتداخلة والإشارات الحرة في آن؛ فضلا عن الإيجاز والتوهج والقصدية ولا أقول «المجانية»؛ والنص الذي نحن به، لا يأخذ في أي من مقاطعه بالمجانية أو «العفوية» وهي السمة الأبرز في قصيدة النثر، حيث يمكن فصل الجمل بعضها عن بعض، وإذكاء التوتر فيها أو الرمزية الجنسية؛ أو غلبة الرؤى والصور الغريبة التي تشبه أوهام المستيقظ من النوم وأخيلته:
لم يأت أحد
القتلى فقط وصلوا مبكرين
وجلسوا بهيئاتهم المشوشة
في هواء القاعة. كان الدخان ورماد الأسرة المحترقة
يزوبع مثل ثلج أسود
ثم قال شخص، لم نتبينه،
يصف الأمر في ما بعد:
لم يحضر أحد
فقط القتلى وصلوا مبكرين دون ملفات مدروسة
وبحجة وحيدة خرساء
قد تحيل الجملة في نص غسان زقطان على بنية الجملة في النصوص «الدينية الشعرية»؛ بما تنطوي عليه من صيغ وكلمات اشتهرت بصور مخصوصة في الاستعمال الانجيلي وربما التوراتي:
صَلي لَنا حينَ نَنعسُ – يا أُم –
قد لا نَفيق
وَصَلي لنا حينَ نَنهَضُ
قَد لا نَنام
وَصَلي لَنا حينَ نَرجعُ من وَحشَةِ الحَربِ
في روحِنا عَتمةُ المَوتِ
عُشبُ القُبورِ
وَطينُ الأَبَدْ
والمتكلم ينهج نهج المزامير وغيرها في ثقافة الشرق القديم الآخذة بـ»الإحيائية» في خلع الحياة على المحسوسات الجامدة والظواهر الطبيعية الصامتة، فيخاطب أشياء الطبيعة مخاطبة الذي يعقل ويفهم ويأمرها بما يؤمر به أهل التمييز والعقل؛ لغرض الدلالة على القدرة الاستعارية النافذة في الطبيعة وعناصرها. نص ترق فيه فلسطين وتشف حتى تصبح جوهرا مفردا، مدركا فاعلا، ومعنى مجردا مستقلا عن صاحبه على قدر اتصاله به. غير أنه يحتفظ بالمعادلة الشعرية: المعنى الفلسطيني.

شاعر وكاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية