الفلوجة، مدينة عراقية تمثل إداريا مركز قضاء هو أكبر الأقضية التابعة لمحافظة الأنبار. تقع المدينة على نهر الفرات، وتبعد حوالي 60 كيلو مترا شمال غرب العاصمة بغداد، ويتبعها إداريا عدد من النواحي والبلدات مثل: الصقلاوية، والكرمة، والعامرية، والسجر، والنعيمية، والشهابي الأولى، والبوعلوان، والحلابسة.
يسكنها خليط من القبائل والعشائر العربية من المسلمين السنة مثل قبائل: الدليم، والجبور، والكبيسات، والبوعيسى، وعنزة، والجنابيين، وزوبع، وبني تميم. ويبلغ عدد سكان قضاء الفلوجة أكثر من 500 ألف نسمة، لكن الحروب التي مرت على المدينة وما سببته من هجرات متكررة جعلت من الصعوبة التكهن بالعدد الدقيق لسكان المدينة وما يجاورها ويتبعها من نواح وقرى.
يعتاش أهالي المدينة على الزراعة بشكل أساسي، إذ تمثل الفلوجة إحدى مدن الفرات المحاطة ببساتين النخيل ومزارع الخضروات، كما أنها تقع على الطريق الدولي الرابط بين العراق والأردن وسوريا، وبالتالي مثل هذا الطريق شريانا اقتصاديا للكثير من أهالي المدينة الذين انتعشت أعمالهم في خدمة المسافرين وتلبية احتياجاتهم على مدى عشرات السنين. كذلك مثل انخراط العديد من أبناء المدينة في أجهزة الدولة الخدمية وتحديدا في سلك القوات العسكرية والأمنية ملمحا ملحوظا في النسق الاقتصادي المدينة.
وبالرغم من طابع المدينة المحافظ حيث تسمى مدينة المساجد، إذ تضم أكثر من 200 مسجد، إلا أن الفلوجة اليوم تعد مدينة حديثة انطلقت لتواكب ركب التعليم والتطور، حيث أنشأت وزارة التعليم العالي فيها جامعة الفلوجة عام 2014 وهي حكومية حديثة التأسيس تضم ست كليات موزعة على مجموعة متعددة من الأبنية جميعها داخل مدينة الفلوجة. رئاسة الجامعة تقع ضمن مبنى كلية الطب لنفس الجامعة في منطقة الحي العسكري بالقرب من مستشفى الفلوجة التعليمي، والكليات التابعة للجامعة هي: كلية الطب، وكلية الطب البيطري، وكلية القانون، وكلية الإدارة والاقتصاد، وكلية التربية الإسلامية، وكلية العلوم التطبيقية.
الإسم والتاريخ
يذكر مدينة الفلوجة الآثاريان العراقيان طه باقر وفؤاد سفر في كتابيهما «المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة» ويشرحان معنى وأصل الاسم بقولهما: «لعل اسم الفلوجة في العربية معرب عن اسم موضع قديم ورد في المصادر المسمارية بصيغة بلوكتو وورد أيضا في المصادر الآرامية موضع باسم بلوكثا». ويضيف الكاتبان: «وكان يتفرع من الفرات عند الفلوجة نهر الملك، أو نهر ملكا الوارد ذكره أيضا في المصادر البابلية باسم نارشاري، ومعناه نهر الملك، وقد ذكر البلدانيون العرب موضع هذا النهر بأنه أسفل نهر صرصر بخمسة فراسخ ويصب في دجلة جنوب المدائن بثلاثة فراسخ، والفرسخ يساوي نحو خمسة كيلومترات».
أما ماورد في كتب التاريخ العربي وكتب البلدان عن مدينة الفلوجة، فيمكننا الإشارة إلى الإيجاز الذي ذكره د. رشيد الخيون في مقال له جاء فيه: «مرت عليها حوادث جسام، عبر الزَّمان. شهدت معارك الخوارج مع الأمويين أثناء إمارة الحجاج الثقفي (ت 95هـ) على العراق (اليعقوبي، التاريخ). ودارت فيها (132هـ) المعركة الحاسمة بين الأمويين والعباسيين، غلب فيها العباسيون، وأسسوا دولتهم واتخذوها عاصمة. وكانت أرضها مسرحاً لمعارك عباسية علوية أيضاً، أتاها حفيد زيد بن علي (250هـ) فنزل قرية تعرف بالعمد، ومنها تحرك إلى الكوفة فغلب عليها وفتح سجنها (الطبري، تاريخ الأمم والملوك). كذلك كان للقرامطة نشاطهم بالفلوجة، ففي (293هـ) أنفذ زكرويه بن مهرويه بعدما قتل ابنه صاحب الشَّامة رجلاً كان يعلم الصِّبيان بقرية تدعى الزابوقة من عمل الفلوجة».
كما ورد تفصيل الإسم وشرح معناه وموضع المدينة في كتاب «معجم البلدان» لياقوت الحموي، ففي طبعة دار صادر،ج4 ، ص 275 ورد: «الفلوجة بالفتح ثم التشديد، وواو ساكنة وجيم، قال الليث: فلاليج السواد قراها، وإحداها الفلوجة، والفلوجة الكبرى والفلوجة الصغرى قريتان كبيرتان من سواد بغداد والكوفة قرب عين التمر، ويقال الفلوجة العليا والفلوجة السفلى أيضا. وفي الصحاح الفلوجة الأرض المصلحة للزرع، ومنه سمي موضع على الفرات الفلوجة والجمع الفلاليج».
ويذكر الأستاذ سليم طه التكريتي الذي ترجم العديد من كتب الرحلات التي كتبها الرحالة والمستشرقون معلقا في أحد هوامش ترجمته لكتاب «رحلة الطبيب والرحالة الهولندي» ليونهارت راؤولف، فيقول: «كان راؤولف واحدا من الرحالين الأوروبيين الذين ظنوا خطأ أن مدينة الفلوجة الحالية هي موقع بابل القديمة. وسبب هذا الخطأ كما نعتقد هو إن راؤولف وأضرابه لم يطالعوا بعض الكتب التي وضعها البلدانيون الأغريق والعرب الذين حددوا موقع بابل تحديدا صحيحا. ولما كانت الفلوجة، وهي من المدن القديمة التي نشأت في العهد الآشوري، تحتفظ في عهد راؤولف وما بعده بآثارها القديمة مثل بابل، وتقع على نهر الفرات كما تقع بابل هي الأخرى، فقد خيل إليه أن الفلوجة هي بابل ذاتها».
لقد مثلت الفلوجة محطة مهمة في الطريق الرابط بين بلاد الشام والخليج العربي، فبعد أن اكتشف طريق رأس الرجاء الصالح في القرن الخامس عشر تم احتكاره من قبل البرتغاليين للتجارة والنقل، لذلك سعت الدول الأوروبية للبحث عن طرق بديلة لإدامة تجارتها مع الهند، لذلك مثلت الفلوجة محطة مهمة في رحلات الأوروبيين إذ مر بها أغلب الرحالة القادمون من عاصمة الدولة العثمانية، وبلاد الشام متجهين إلى الخليج العربي، إذ كانت الرحلة النهرية تتم عبر نهر الفرات، وتنتهي عند مدينة الفلوجة حيث يتم انزال الحمولات وتفكيك الزوارق لتنطلق منها القوافل في الطريق البري باتجاه بغداد، ومنها يتم استكمال الرحلة النهرية عبر نهر دجلة إلى الخليج العربي ليواصلوا بعدها انتقالهم بحرا إلى إيران أو الهند.
ويورد د. جمال هاشم أحمد الذويب في بحث له بعنوان «الفلوجة في كتابات الرحالة الأجانب في العهد العثماني» قائمة بأسماء أهم الرحالة الذين مروا بمدينة الفلوجة وكتبوا عنها مثل: التاجر الإيطالي سيزار فريديرك في رحلته إلى الهند عام 1563 والطبيب والرحالة الهولندي ليونهارت راؤولف في رحلته عام 1573 والرحالة الإيطالي كاسبارو بالبي الذي قام برحلته عام 1579 والرحلة البريطانية التي وصلت الفلوجة في 28 حزيران/يونيو 1583 والتي أشرفت عليها شركة المشرق البريطانية وكانت الغاية منها فتح منافذ للتجارة في المشرق والهند، وقد حمل الرحالة معهم توصية من الملكة إليزابيث الأولى (حكمت بين 1558 و 1603). واستمرت الرحلات منذ القرن السادس عشر حتى مطلع القرن العشرين إذ قام الرحالة والباحث التشيكي الوا موزيل برحلة مميزة مارا بالفلوجة عام 1915. وقد كتب كل هؤلاء وصفا لهذه المدينة الصغيرة أو القرية التي كانت تمثل محطة مهمة في رحلتهم إلى الشرق.
وقد أجمع رحالة القرن السادس عشر والقرون اللاحقة، حسب الدكتور الذويب، على وجود قرية الفلوجة التي مثلت المحطة النهائية لطريق الفرات النهري، ولم تكن هذه القرية زراعية على الرغم من إحاطتها بالمناطق الزراعية، بل كانت تعتمد في معيشة سكانها على الخدمات وعلى جهود العاملين في الميناء من حمالين وعمال في تفكيك وصناعة القوارب النهرية وملاكي الحيوانات التي كانت تستخدم للنقل علاوة على ممثلي السلطة العثمانية مثل الحرس وموظفي الضرائب.
الفلوجة اليوم
عاشت مدينة الفلوجة الحديثة حياتها في التاريخ العراقي المعاصر كأي مدينة صغيرة قريبة من العاصمة، لكنها شهدت ظاهرة تنامي وانتشار الحركات الدينية السلفية والمتشددة أبان سنوات الحصار في عقد التسعينات من القرن الماضي، حيث انتشرت فيها الجوامع والمعاهد الدينية بشكل ملفت.
ومع إسقاط نظام صدام حسين على يد قوات التحالف في نيسان/ابريل 2003 كانت الفلوجة إحدى المدن الهادئة التي استطاعت تجنب الدمار عبر توقيع اتفاقية تسليم المدينة لقوات التحالف من دون قتال، لكن سرعان ما انقلبت الأوضاع، وخاضت الفلوجة التي تحولت إلى نقطة جذب وتجمع للجهاديين القادمين من خلف الحدود أو من مختلف مدن العراق، لتتحول المدينة إلى أخطر ساحة تمرد ضد الوجود الأمريكي في العراق، والنتيجة معارك مستمرة لكنها تعرف لأغراض البحث بايجاز بانها معركة الفلوجة الأولى 4 نيسان/ابريل 2004 – 1 أيار/مايو 2004 التي تلتها معركة الفلوجة الثانية في 23 كانون الأول/ديسمبر 2004 واستمر وضع المدينة متوترا حتى تم تشكيل ما عرف بحركة الصحوات، التي تشكلت كمليشيات من أبناء عشائر المناطق التي تشهد وجودا لتنظيم القاعدة، الغرض منها قتال أبناء المنطقة للتنظيم الإرهابي مقابل تمويل وتسليح ودعم أمريكي لهذه الصحوات، وفعلا قاتل أبناء الفلوجة تنظيم القاعدة وطردوه من مناطقهم، إلا إن المدينة بقيت ساحة قلقة وخطرة حتى انسحاب قوات التحالف من العراق عام 2011.
عاشت الفلوجة برهة سلام لم تدم طويلا، إذ سقطت مرة أخرى بيد تنظيم الدولة «داعش» الإرهابي مطلع عام 2014 وبقيت تحت سيطرة الإرهاب حتى خاضت قوات الجيش والحشد الشعبي معارك ضارية لتحريرها عام 2017 ومنذ ذلك الحين حاولت المدينة أن تعيش بسلام، وأن ترمم ما دمرته الحروب المتعددة من بنيتها التحتية ومنازل سكانها، وأن تعمل على إعادة أبنائها الذين توزعوا على مخيمات اللجوء لسنوات.
ومن بين الخطط الحكومية الطموحة التي حاولت إخراج مدينة الفلوجة من ركام الحروب ما صرحت به وزيرة الإعمار والإسكان المهندسة نازنين محمد في أيلول/سبتمبر 2021 عندما أعلنت التصميم الأساسي لمدينة الفلوجة السكنية الجديدة في محافظة الأنبار. إذ قالت إن «المساحة الفعلية للمشروع الذي تم إعداده في المديرية العامة للتخطيط العمراني التابعة للوزارة تبلغ 30 ألف دونم» مشيرة إلى أن «مدينة الفلوجة السكنية الجديدة تحتوي على حوالي 100 ألف وحدة سكنية، متنوعة ما بين السكن العمودي والاستثماري، وتخدم نحو 600 ألف نسمة» ويبدو أن المدينة الجديدة تقع بالقرب من مدينة الحبانية السياحية، وذلك لاستغلال المحور الحركي الرئيسي المؤدي للمدينة السياحية الواقع وسط الفلوجة الجديدة، لإقامة الفعاليات الخدمية والتجارية والثقافية والسياحية، وجعلها محوراً متميزاً، إضافة إلى الاستعمالات السياحية والتجارية المطلة على بحيرة الحبانية.