الرباط ـ «القدس العربي»: نعيمة الملكاوي، الفنانة الموسيقية والتشكيلية، هاجرت مند سنوات إلى فرنسا، بعد أن راكمت مسيرة موفقة في المغرب، وعرضت لوحاتها في شتى الأروقة في العاصمة الرباط ومدن أخرى.
هي ريشة مغربية تحاور عمق الجسد الأنثوي وترى من خلاله العالم، بالنسبة إليها جسد الأنثى هو تجسيد لما تحبل به الطبيعة من كائنات ومخلوقات، وبالتالي فإن ثيمة المرأة في لوحاتها هي فكرة أساسية وجوهرية تعبر من خلالها إلى عوالم مختلفة ومدهشة.
هنا وهناك، بين تجربة المغرب وفرنسا، يقف السؤال عند عتبة المقاربة والاختلاف، ولا تقف الفكرة عند حدود المعروف والمعلوم، بل تتجاوزها إلى أبعد من ذلك.
التكامل
من بين المحطات المميزة لنعيمة الملكاوي، هي تعاونها المستمر مع صديقتها المقربة الشاعرة فتيحة النوحو، هما معا يشكلان تكامل اللون والكلمة، وتكامل الأنثى التي تضيف الشيء الكثير لابنة جنسها، صدر لهما معا كتاب ضم قصائد النوحو ولوحات الملكاوي؛ إنها تجربة مميزة في مسار التكامل الإبداعي بين أجناس مختلفة في التعبير لكنها متوحدة في الهدف النبيل.
لم نسأل نعيمة الملكاوي في حوارنا عن علاقات التعاون، فهي مزهرة باستمرار، لأن الفنانة منفتحة ومتحاورة وشرفتها عبارة عن إطلالة فسيحة على العالم بكل وجوده.
أول ما سألت «القدس العربي» الفنانة عنه، كان بخصوص الحال مع الغربة والجائحة وأشياء كثيرة تجول في ذاكرة الحنين.
وقالت نعيمة الملكاوي، إن «الاغتراب شعور فضفاض وضيق يتحور حسب الحالة النفسية التي يكون عليها المرء، قد يطفو حتى أمام ذاتك وإن كنت في موطنك، لكن الشرط الوبائي الذي نرزح تحته في هذه الآونة أجج من هذا الشعور حتى نكاد نعتبره شبه اغتراب جماعي، خاصة أن سلوكات اجتماعية جديدة فرضت علينا قصرا كالحجر والتباعد لنقي أنفسنا من المرض». وتوضح أن «الفنان أو المبدع عموما بطبعه يجنح لعزلة اختيارية لأجل تأجيج منابع الإلهام وللعمل بطمأنينة وسكينة، لكن في مثل هذه الظرفية التي فرضت علينا هناك الكثير من الخوف لأننا نجهل مصيرنا هل سننجو أم لا؟ هل سينتهي هذا الوضع ونعود لحياتنا القبْلية، أم سنضطر للخضوع لسلطة الفيروس المتحور بسلالاته المتعددة؟ لذا أشعر أن هناك قيدا وجدانيا يلفني وأنا التي حسبت أن كل المسالك تقودني لنفسي ولوطني فكان كلما اشتد بي الحنين كنت أمتطي العلو لأرسو في جوف تربتي لأجد الآن حواجز تنبت هنا وهناك».
وبخصوص سؤال عن المسافة الزمنية الإبداعية بين المغرب وفرنسا وتراكم العطاء وتحقيق الاحلام، أكدت الفنانة المغربية، أن «الزمن نسبي فعلا، وينتسب للمكان أيضا فضلا عن أنه يتمدد في خبراته» وأضافت «مساري الفني رأى النور في بلدي المغرب وصقلت موهبتي بغنى روافد ثقافتي المغربية المتنوعة وثراء جغرافيته المختلفة والمتباينة، لذا رسوت في الأراضي الفرنسية بزاد فني ناضج لا يمكن أن أتركه ينضب، بل شحذته باشتغال مضاعف لإثبات تواجدي كفنانة يراها الآخر كآخر، فيما أرى نفسي ذاك الكائن المختلف بجذوره لا غير، لا أريد أن أشبه أحدا، نعم للتناغم لكن لا للتناسخ، فالاختلاف هو شريعة الوجود».
وعن الفرق في المكان والزمان إبداعيا بين المغرب وفرنسا أو أوروبا بشكل عام، شددت الملكاوي، على أنها تفضل «كلمة اختلاف لأنها تحيل أكثر على عدم التشابه، فيما كلمة فرق قد يراد بها الفرقة، وأنا أعتبر أننا كلنا مخلوقات ننتمي لهذه الأرض، لكن ننمي استمرارنا من خلق عوالم صغيرة من العادات والأعراف التي توجه أو تقودنا نحو سلوكات ما أو اعتقادات ما أو تصورات ما. من هنا تبدأ تباين زوايا النظر للأشياء للحياة للفن للإبداع، فالأخذ بالنظرة المعاكسة ليس بالضرورة أنك تلغي نظرتك أنت، بل يمكن أن تضيفها وتطوعها حسب قناعاتك، لكن للأسف في كثير من الأحايين نرى أن الرفض يصل إلى الإلغاء». أما في ما يتعلق بمقارنة وتقييم مرحلة المغرب فنيا ومرحلة فرنسا، فقد أبرزت الفنانة أنه بالنسبة لها «هي تجربة واحدة مازالت سارية في الزمكان واللازمكان، لأنه بالموازاة هناك تجربة وجدانية تتطور وتتواتر وتستمر». وتحدثت نعيمة الملكاوي عن الجديد الذي أضافته لها السنوات والخبرة والتجربة الفنية، مشيرة إلى أن «الإضافات مكثفة فكل ثانية نحن على قيد الحياة هي فرصة للتعلم وشحذ الآليات لاستكمال المشوار». وحسمت الفنانة في أمر تغيير أفكارها ونبضها الإبداعي، بعد الهجرة، حيث أكدت أن «القناعات على مستوى القيم لن اغيرها، الفن قيمة بجمالياته ورسالته، ما أغيره أو بالمعنى الأصح أطوره هي الخبرات والمهارات حتى لا أخون هذا العشق الابدي للرسم الذي قدمت الى الوجود وأنا أحمله كتوأم للروح».
وعبرت «القدس العربي» من خلال سؤالها التالي، عبر محيط ثيمة الأنثى في لوحات نيعمة الملكاوي، لتؤكد ردا على ذلك أن «الأمر لا يتعلق بالهوية الجنسانية الضيقة للمرأة، أستعير جسد الأنثى لأجسد به الطبيعة الحبلى بالكائنات والمخلوقات التي هي في حركة دائمة، لذا الأجساد المبثوثة في لوحاتي والتي تكون في حالة راقصة، أو يخيل للمتلقي ذلك هي في حالة حركية دائمة سواء فرحة أو منتفضة، فأي توقف للطبيعة فهو موت محقق لنا جميعا».
فرصة تغير
وجوابا على سؤال حول الجديد، تقول الملكاوي إن «الفنان في حالة جدة مستمرة وهو في مرسمه، لكن الشرط الصحي الذي مررنا منه كان فرصة لنغير علاقتنا بالمتلقي، فانغلاقنا في قاعات العرض أمر غير صحي ليس صحيا فقط بل فنيا واجتماعيا، فالتواصل بين الفنان والمتلقي يجب أن ينفتح على وسائط أخرى خاصة ونحن في فورة الثورة الالكترونية والمعلوماتية، لذا بدأت تجارب أخرى لتهجر اللوحات حائط الغاليري وتسافر عبر النت، حيث قمت بتسجيل أغانٍ من كلماتي وتلحيني مع موسيقيين فرنسيين عبر تقنية الفيديو والمرفقة بصريا بأعمالي الفنية الحديثة، هذا فضلا عن الرسم على الألبسة التي هي خير سفير لأعمالي وذلك من خلال الجنسيات المختلفة التي تقتنيها».