الفنانة منى السعودي وابنتها المصممة ضياء البطل توجهان ‘تحية إلى محمود درويش’

حجم الخط
0

عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: ما أن تلج غاليري ‘جاكاراندا امدجز’ في جبل عمان في العاصمة الأردنية حتى يفاجئك صوت الشاعر الراحل محمود درويش، بمقاطع من قصائده، جمعت من أمسياته الشعرية، تدخل الغاليري فتطالعك لوحات عدة صيغت بطرق مختلفة للعبارة الشهيرة ـ التي اضحت أيقونة- والمأخوذة من قصيدته التي تحمل العنوان ذاته: ‘على هذه الأرض ما يستحق الحياة’.

أشعار درويش بمحبة صافية

دخلت المكان، فحاصرتني قصائد درويش المشغولة بمحبة صافية وتقدير عال، في لوحات فنية مبتكرة لتحية تشترك النحاتة والفنانة منى السعودي مع ابنتها المصممة ضياء البطل لتقديمها ـ ربما عنا جميعا- للشاعر محمود درويش، في معرض مشترك أول لهما في ‘جاكاراندا امدجز’ في العاصمة الأردنية. ويأتي هذا المعرض تكريما لذكرى الشاعر الراحل محمود درويش وتزامنا مع يوم الأرض الفلسطيني الذي يحتفل به يوم 30 آذار/مارس من كل عام، ويتواصل في نيسان /ابريل 2013.
ويبدو جليا في أعمال الفنانتين أن شعر درويش كان مصدر إلهام للرسومات والفن التخطيطي، كما تظهر هذه الأعمال بعدا جديدا لشعر درويش.
والمتأمل للأعمال المقدمة من ضياء في هذا المعرض يلاحظ اهتمامها باستعمال عناصر من أعمال منى في بناء تشكيلات. ولقد أثر فيها وألهمها فن الرسم التخطيطي لمنى واستعمال منى للنصوص الشعرية والكتابة في أعمالها، وشكل ذلك كله المصدر الذي أدخلته في تصميمها للأثاث والتصاميم المكانية.
كما حضرت عبارة أثيرية من تراث درويش الشعري، التي شكلت أيقونة شعرية، يرددها الملايين ‘أنا من هناك. ولي ذكرياتٌ’، من قصيدته التي تحمل عنوان ‘أنا من هناك’. وهناك مقاطع من قصيدة ‘تعاليم حورية’، ومن قصيدة الأرض ‘في شهر اذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الارض أسرارها الدمويّة’.
كما حضرت وبشكل مكثف في أعمال السعودي مقاطع منتقاة ـ بتصرف- من قصيدة ‘نشيد إلى الأخضر’، منها ‘إنّك الأخضر. لا يشبهك الزيتون، لا يمشي إليك الظلّ ، لا تتّسع لرايات صباحك.. إنّك الأخضر… الأخضر أنت الأخضر الطالع من معركة الألوان والغابات ريش في جناحك… يا أخضر! لا يقترب البحر كثيرا من سؤالي… أيّها الأخضر… لا يبتعد البحر كثيرا عن سؤال… إنّك الأخضر… والأخضر لا يعطي سوى الأخضر’.

ب: بوعزيزي.. ح: حرية

جلت المعرض، متوقفة عند المقاطع الشعرية الممتزجة في لوحات السعودي وبطل، لأكتشف انها متماثلة في كثير منها، إذ يبدو كما سأعرف لاحقا من الفنانة ضياء، مدى تأثرها بأشعار درويش، ومدى تأثرها بتلك القصائد التي وعت على أمها وهي تحب هذه القصائد، بوصفها المفضلة لديها، ربما لوحة واحدة لضياء، جاءت مختلفة عن سياق المعرض، وان نهلت من روحه، وهي لوحة ضمنتها الحروف الأبجدية العربية، باسلوب الطباعة الحريرية، فنجد الحرف العربي بشكله المجرد الكبير ليرتبط مع احدى مفردات ثورات الربيع العربي لنجد على سبيل، ب: بوعزيزي، ح: حرية، إلى اخر مفردات الثورة، خصوصا في مصر وتونس.

السعودي: الشاعر والشعر لا يموتان

أسال الفنانة منى السعودي: لماذا هذا المعرض/ التحية لدرويش الان، بعيد سنوات على رحيله؟
فترد: ‘الشاعر لا يموت، الشعر يظل فينا ـ وانا دائما أحب أن أستخدم عبارة
الفرنسي جان بوتيرو ‘الشاعر يبقى دائما بيننا… والشاعر يبقى دائما معنى’ وهو يكتبها بالفرنسية بالحرف الكبير، الشاعر والشعر لا يموتان، أنا جئت لمحمود درويش وحضرت التشييع، لكنني ابتعدت عن الصحافة وقتها.
وعن حكاية هذه اللوحات تستذكر السعودي، وهي شاعرة أيضا اصدرت اكثر من ديوان شعري، قال لي درويش ذات يوم: انت فقط تعملين البوم لادونيس، أردت أن افاجئ درويش، فاخترت مقاطع شعرية، من تلك التي احبها، وإن كنت أحب كل قصائده، وأردت أن استخدم – حجم الشعر- بشكل أكبر مما في البوم ادونيس، لوحة اصلية واحدة عنده، عند درويش، وكنت أنوي ان أقدم له المجموعة كمفاجأة في عيد ميلاده في مارس 2009، وفوجئت بوفاته، وعندما توفي صار أمر الهدية شخصيا، توقفت عدة سنوات، وفي السنة الماضية 2012 قررت أن اكمل هذه المجموعة وعملت اول معرض لها في بيروت. ويتكون الالبوم كاملا من 7 لوحات والحجم 70 (70X 100سم) اشتغلت عليها بين عامي 1976- 1980، وانتقيت مقاطع من قصائد درويش واضفتها لها.

*ولكن لماذا الرقم؟
ترد السعودي: أحب الأرقام المفردة، خصوصا، رقم واحد وسبعة، وحتى خياراتي بالتواريخ أحاول أن أضبطها في إقامة معارضي.
ويحضر شهر مارس بشكل كبير في المعرض، ففي 13 منه ولد الشاعر محمود درويش، وفي 30 منه يعيش العالم ‘يوم الأرض’، ولهذا اليوم كتب خصيصا درويش ‘قصيدة الأرض’، وتزيد السعودي: كل هذا إضافة الى مفهوم الارض المشترك، لديه ولدي، ايماننا أرضي، وفي اشعاره تمر فكرة الارض كثيرا، بل روحانيات الأرض تسكننا.
*ولماذا عمان كمحطة ثانية لهذا المعرض؟
ترد السعودي، معرضي في بيروت، كان أيضا بسبب ان درويش، عاش فترة من حياته هناك، كما في عمان، وكانت مسؤولة غاليري جاكاراندا امدجز في عمان بابارا، شاهدت معرضي في بيروت، فدعتني الى عمان، واقترحت عليها أن تشاركني ابنتي في المعرض، فراقت الفكرة لابنتي ضياء التي تحب شعر محمود درويش أيضا، واهدته عدة قصائد ـ من شعره- مكتوبة بخط يدها، كما أنني أحب طريقتها في الكتابة، وسعيدة بهذه التجربة..
*وماذا بعد في جعبة الفنانة وبماذا تحلم بخصوص شعر درويش؟ وهل سيواصل هذا المعرض تطوافه؟
لا اعرف، ربما أواصل العرض في مكان ما، إذا كان هناك من يهتم بمعرض من هذا النوع… وعندها سألبي الدعوة…
ولو كان لا يزال محمود درويش على قيد الحياة، لكنت قد عملت شيئا آخر بروح أخرى، الشيء الذي أحلم به في المستقبل، أحب ان أقوم بعمل نحتي على ضريح محمود درويش، ولعله الحلم الذي يصير حقيقة…
وحتى في ديوانها ‘محيط الحلم’ تقول:
‘وسأنحت لكم حبيبين، دائما اثنين:
الذكر والانثى، الأم الأرض، والابن – الجسد
وشكل يعانق شكلا، حوار- صمت..
وما يوجد في الحلم يوجد على الأرض
والانسان نبات حلمه’.

وترى السعودي أنها تشعر بالحزن لأن محمود درويش الذي عاش خلال حياته بحيوية كبيرة، متطلعا إلى ثورات من نوع ما، حزينة انه قبل ان يرى هذا الصدى المليء بالاشياء المؤلمة، وهنا تحضرني ‘قصيدة الاخضر’، في ظروف الحرب في لبنان الحرب الأهلية… يا أيّها الذاهبون إلى حبة القمح في مهدها/ أحرثوا جسدي!’.
وتضيف، هذا المقطع هو لب القصيدة، وما اخترته من مقاطع له علاقة بالأرض، كما أن مقطع ‘يا طيور طايرة سلمي…..’ في لوحة لضياء أرتأيت ان له علاقة بشكل ما بموضوع المعرض والتحية، فاقترحت عليها وضعه في المعرض.

‘تحية إلى محمود درويش’

ابتدأت صداقة منى السعودي مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في بداية السبعينات. ولقد تجاوبت منى مع شعر درويش وتأثرت به، حيث قال درويش ‘أنا شاعر لي رؤية خاصة للحقيقة’.
أنجزت السعودي اللوحات السبع المعروضة كتحية لمحمود درويش ما بين عام 1987 و1980، ثم أدخلت عليها مقاطع من قصائد محمود درويش، منها ‘تلك صورتها’ و’هذا انتحار العاشق’ و’نشيد إلى الأخضر’ و’قصيدة الأرض’ التي كتبها درويش خصيصا ليوم الأرض الفلسطيني، وكانت مجموعة هذه الرسومات عرضت لأول مرة في بيروت العام الماضي 2012، وهي تعرض الان في العاصمة الأردنية عمان.
تقول منى ‘استلهمت هذه الرسومات من شعر الشاعر الفلسطيني محمود درويش وكنت سأقدمها له كهدية في عيد ميلاده في مارس 2009. ولكن ذلك تأجل بسبب موته المفاجئ في آب/اغسطس 2008… ‘ ‘والشاعر يبقى دائماً بيننا’ كما قال سان جون بيرس. والآن أقدم هذا العمل تحية لمحمود درويش، الشاعر العظيم والصديق وينبوع الإلهام’.

‘شعرك أحد الأشياء التي تستحق الحياة’

كانت ضياء بطل منذ الطفولة تستمع مع والدتها لتسجيلات أشعار درويش. وكانت تحضر أمسياته الشعرية في عمان وكذلك في بيروت خلال دراستها الجامعية.
تقول ضياء ‘حين كنت في الجامعة استخدمت فن الحفر لطباعة قصيدة درويش هذه ‘على هذه الأرض ما يستحق الحياة’ على لوحتي وكتبت له على الخلف ‘قد لا تعلم أن شعرك هو أحد الأشياء التي تستحق الحياة’ وكنت محرجة جدا أن أعطيها له، فقرعت جرس منزله في عمان وسلمتها له بسرعة. ولقد احتفظ بها على رف في مكتبته’.
كتب محمود درويش إهداءات لضياء في العديد من الدواوين الشعرية، ومنها ما كتبه لها في ديوان ‘ورود أقل’: ‘إلى العزيزة ضياء معك، يصبح الورد أكثر…’.

ضياء بطل: تحية لها وله…

تقول الفنانة ضياء بطل، وكنت التقيتها ووالدتها معا، لكن الفنانة الوالدة منى السعودي فضلت ان اتحث أولا مع الفنانة الابنة ضياء بطل، فسألتها عن مناسبة المعرض فقالت: كانت أمي من سنوات ماضية تريد ان تهدي الشاعر محمود درويش هذه الأعمال في عيد ميلاده، وتوفي.
*وماذا عن هذه التجربة المشتركة؟
أمي كانت تحب أن تعرض في عمان، واقترحت ان اعرض معها، وهي اول تجربة مشتركة. وهي تعرف محبتي لأشعار درويش، واشتغلت منفردة فأنا اقيم في لندن، وامي تقيم في بيروت.
*لكن هناك مقاطع شعرية مشتركة، هل من تنسيق بهذا الشأن؟
بدأت اقرأ نصوص محمود درويش، ووجدتني أنشد لمقاطع اشتغلت أمي
عليها، أو مقاطع أتذكرها من امسياته الشعرية، وبدأت بأخذ عناصر من لوحات أمي، وتأملتها كثيرا، وانا اعتبر مشاركتي تحية لها وله.
وهكذا اكتشفت أنني أعود إلى المقاطع الشعرية التي عملت عليها أمي، ربما بحكم تأثري بها، وهذا هو اساس هذا المعرض، لانني متأثرة جدا بشغلها ولن اهرب من الموضوع كثيمة أساسية للمعرض.
*كيف يحضر درويش في ذاكرتك الأولى؟
أمي تعرفه من السبيعنيات، لا استطيع ان أتذكر المرة الأولى التي شاهدته فيها، اول مرة، أذكرها تماما كنت بعمر 19 أو 20 كنا في زيارة لعمان، كتبت له مقطعا من قصيدته، واهديتها له، عندما زرناه وجدتها معلقة بمكتبته، فسعدت جدا.
كنا نراه عندما نحضر لعمان، وكنت أعرف شعره من أمي، عندما تحكي لي عن الشعر في بيروت، يوم كان المشهد الثقافي ‘غير شكل’ عندما كان يقيم أمسيات شعرية في قصر الاونيسكو..
*ماذا عن هذه التجربة، وهل يمكن ان تتكرر، باعمال منفصلة، او حتى مشتركة؟
بصراحة، كنت خائفة من التجربة، كان صعبا أن أقرر، لكن عندما قرأت النصوص وجدت اشياء كثيرة شخصية تعنيني أو تعني أمي، وصارت تتحول لتجربة شخصية جدا، لها علاقة بي وبه وبشغل أمي، وعلاقتي مع أمي، فقررت اعتماد عناصر من شغل أمي….
أحب كثيرا أن تتكرر التجربة، ولكن أمي ساكنة في بيروت، وانا في انكلترا، ولكن أحب أن نقوم بعمل مشترك، وفي هذا المعرض كان من الصعب ذلك.. أتمنى أن يتم هذا مستقبلا…
*ماذا عن تصميم الأثاث واستخدام النمط الشرقي أو الحروفي؟

أنا اشتغل على تصميم الاثاث مع استخدام الحرف العربي بشكل جديد، وأنا متاثرة بخط أمي فيه، وأحاول أن اوظف الابعاد الثلاثية للحروف، وان أصمم طاولة من خط ثنائي الابعاد الى ثلاثي الابعاد بشكل حرف، كما انني أوظف معنى النص في القطعة، كما في مقعد صوفي، مقعد امزج التصميم بشيء له معنى، وانا قريبة من الصوفية ونصوص الحلاج.
*ماذا عن المتلقي الغربي.. هل هو مختلف عن المتلقي العربي؟
عندما بدأت اعرض في لندن، كنت خائفة، فثقافيا هناك فجوة كبيرة، كنت اضع تفسير وترجمة لكل شيء أقوم به، وأحكي علاقتها بالقطعة نفسها، لكن، الرموز، كما في واو الجماعة مثلا، تشعر العربي بحميمية أكثر، من المتلقي الغربي، الحروفية موجودة عندي ولكني أستخدم الخط العصري، وطريقة توظيف المواد وطريقة القص، بطريقة مبتكرة، وهو ما أعجب الناس. وهذا يجعلني اشعر بالانتماء لثقافتنا العربية والفخر بها، خصوصا عندما كنت ادرس في بيروت أيام الجامعة كان ‘الستايل’ هو الغربي، واظن أن ما أفعله له اثر.
*ما عدد القطع المنتجة من كل تصميم؟
في كل التصاميم لقطع الاثاث تتكون من 7 قطع، أحب هذا الرقم، وأمنح القطع أرقاما متسلسلة، لا استطيع أن أنتج أكثر، فالانتاج مكلف، الحديد، ولهذا انتاجي محدود..

عن الفنانة منى السعودي
تعتبر منى سعودي واحدة من أشهر الفنانات في العالم العربي. تشتهر بفن النحت ورسوماتها بالحبر المستمدة من الشعر. يُعرض عملها ضمن مجموعة خاصة في كافة أنحاء العالم، بالإضافة إلى المتاحف مثل متحف ‘المرأة في الآداب’ في واشنطن، معهد العالم العربي في باريس، والمعهد الوطني في عمان، متحف سرسق في بيروت، المتحف البريطاني في لندن وغيرها. ولدت عام 1945، حصلت على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من مدرسة الفنون الجميلة في باريس. تعيش في بيروت منذ عام 1969.

عن الفنانة ضياء بطل
ضياء بطل فنانة متخصصة في التصميم المكاني وتعمل بين لندن وبيروت. تخرجت من الجامعة اللبنانية الأمريكية في بيروت مع درجة AA في الفنون الجميلة وبكالوريوس في التصميم الداخلي. أكملت ضياء في ما بعد تعليمها وحصلت على درجة الماجستير في التصميم من جامعة كولدسميث، لندن. عملها هوالسياق المحدد وغالباً ما تمكّن المستمع والمستخدم من الاندماج جسدياً في العمل.
أثار الخط العربي والفن التقليدي إعجابها، يعكس عملها هويتها الثقافية من حيث المضمون والجماليات. تستخدم الخط العربي لتخلق موضوعاً أو لتروي قصة، وتبحث في التحولات الممكنة للنص ذي العلاقة بالمعنى، والمساحة التي تشغلها ووظيفة الموضوع نفسه.

عن غاليري جاكاراندا امدجز
جاكاراندا امدجز، وموقعه في جبل عمان، من اقدم جبال عمان، في شارع يتفرع من اشهر شوارع العاصمة الأردنية ‘الرينبو’، قريبا من الدوار الأول، يقدم مطبوعات فنية أصلية، غرافيك (فن الحفر والطباعة) وأعمالا على الورق ، بجانب صور فوتوغرافية من كافة أنحاء العالم في بيئة متجددة باستمرار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية