ما كان الفنانون في حالة قطيعة عن الحياة، بل كانوا في طليعة من يبتكرون صور الأمل في أشد الأوقات يأسا وخرابا التي قد تمر بها المجتمعات، ومن خيالاتهم وجنونهم الفني تستيقظ الأحلام الجميلة في النفوس المتعبة، ولو لم يكن الفن في سياقه التاريخي العام يقف إلى جانب الإنسان وقضاياه ومعبرا عنها بأجمل المعالجات الفنية التي تحمل قدرا عاليا من الحساسية الجمالية ما كان للحضارة المعاصرة أن تشهد هذا التطور الكبير في الوعي بأهمية ان يحظى الإنسان بمساحة رحبة من الحرية، تكفل له حق التفكير بصوت عالي من دون أن يتعرض إلى التخوين والتهديد والتسقيط والقنص.
الفن يكسر المسلّمات
حياة الأفراد في المجتمعات المتمدنة شرقا وغربا، شمالا وجنوبا تدين بالفضل إلى فنانيها أكبر مما تدين إلى أحزابها وسياسييها، ودائما ما كان الفن بكل ما يقدمه منتجوه بمختلف مستوياته الفنية وموضوعاته وأساليبه ومدارسه، يقدم تساؤلات ويفتح أبواب التفكير على مصراعيها ليأخذ الإنسان من حال السكون إلى الحركة.
الفنان بما ينجزه من مشاريع دائما ما يطرح خطابا جديداً يحمل في رسالته الجمالية مشروعا نقديا يفتح أبواب المستقبل أمام المتلقي، ولم يكن الفن في جوهره إعادة إنتاج للأجوبة ذاتها التي سبق ان توصل إليها الفنانون في أعمالهم السابقة، وهذا ما تعكسه على وجه الخصوص وما تفصح عنه جميع الأعمال الفنية التي تتمرد على ما هو سائد من أفكار ومعالجات بغض النظر عن محتواها أو مدى قدرتها على البقاء والصمود، فالأهمية هنا في دورها الذي تضطلع به لإحداث الصدمة في الوعي الجمعي وتفتيت ما تكدس فيه وعليه من مسلّمات أمست بمثابة يقينيات مقدسة، هنا يؤكد الفنان تفاعله مع الزمن ومواجهته بكسر ايقاعه والأخذ به إلى ايقاع جديد يحمل في بنيته قيما وأفكارا وذائقة تنهض جميعها على أنقاض الزمن المهزوم.
الفن يهزم السياسة
أن روح العصر تكشف عن هويتها من خلال ما ينتجه الفنانون من أعمال، ومن نتاجهم يتأسس كيان حي للمجتمع، يعبر عن حضوره وملامحه في المستويات البنيوية للأعمال الفنية، وتعجز الأنظمة السياسية بكل ما تعبر عنه مؤسساتها السلطوية بأجهزتها الأمنية والعسكرية والقمعية من أن تحدث تحولا جوهريا في المزاج العام للمجتمعات على المدى البعيد، ويبقى تأثيرها محدودا ضمن اشتراط عمرها الافتراضي في الوجود المادي لا أكثر. إلا ان عمل الفنان بما يتضمنه من علاقات داخلية غير مباشرة في تفاعلها مع المتلقي تحافظ على ديمومة ما في داخلها من ايحاءات وتأويلات تتجدد في حضورها بين فترة وأخرى كلما أعدنا قراءتها من زاوية جديدة، هذه الدلالة الحيوية في جوهر العمل الفني التي تظهر وتختفي رغم حركة الزمن وجريانها وما تحدثه من متغيرات تشير إلى القوة الثورية التي تتجسد في شخصية الفنان من دون غيره، ومن الصعب ان ينافسه عليها حتى اولئك القادة والزعماء الذين عرفهم التاريخ، لان عمل الفنان لا ينحصر في دائرة الزمن بل يتعداها، ويبقى يتسع ويوسع الحدود التي شهدت ولادته، متجاوزا إطار الحدث التاريخي في أبعاده النسبية إلى ما هو مطلق من حيث قدرته على إحداث التأثير الجمالي كلما توقفنا أمامه.
في الأيام القليلة الماضية تصاعدت وتيرة الأصوات المستهجنة لموقف غالبية الفنانين العراقيين خاصة الذين يعيشون في الداخل بعد ان آثروا التزام السكوت وانزووا بعيدا عما يجري في الشارع من حراك شعبي بدأ مع الأول من تشرين الثاني (اكتوبر) 2019 حيث تعالت أصوات المتظاهرين منددة بالنظام الطائفي الذي يحكم العراق، من هنا اشتدت حدة الانتقادات ضد الفنانين العراقيين وارتفعت نبرتها بعد أن قارن المنتقدون بين هذا الموقف السلبي وموقف عدد كبير من نجوم الفن المشهورين في لبنان كان من بينهم مطربون وممثلون، عندما تضامنوا مع المتظاهرين في بيروت وبقية المدن اللبنانية، ولم يتوقف موقفهم عند هذا الحد بل اندمجوا مع المتظاهرين في الشوارع وارتفعت حناجرهم تردد الشعارات والأغاني الوطنية. والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا: لماذا جاء موقف الفنانين في العراق على هذه الصورة التي أقل ما يقال عنها بأنها مخجلة؟
سحر العمل الفني
يبدو أن ثقافة الكثير ممن يحسبون على فئة الفنانين في العراق فقيرة جدا إلى الحد الذي لن تسعفهم في استيعاب أي قضية خارج ما يمتلكونه من مساحة معرفية محدودة لا تتعدى اختصاصهم الفني فقط. مثل هذه التركيبة من الشخصية عندما تكون بهذا القدر الضيق في فهم طبيعة الفن وعلاقته بالحياة لابد ان تنساق في عملها وموقفها العام بمسار لا يخرج عن إطار الارتزاق في المحصلة النهائية، ويصبح الفن لديها وسيلة للعيش لا أكثر، ولن يخطر على بالها أن الفنان في حضوره ودوره الفني يتجاوز مسألة المتعة الآنية التي يحققها عمله لدى المتلقي، بل يرتقي في مديات وحدود هذا التأثير إلى أبعاد جمالية تنعكس على المدى البعيد في إحداث تغيير وتنوير في وعي الجمهور، وهذا ما يدفع المتلقي إلى أن يطرح على نفسه أسئلة ربما لن تخطر على باله طيلة حياته لولا السحر الكامن في قوة تأثير العمل الفني على عقله ووجدانه .
لن نأتي بجديد إذا ما قلَّبنا صفحات التاريخ الإنساني مرة أخرى لنستعرض المسار المشرق للفنون في مقابل عتمة ما خلفه الساسة والزعماء والسلاطين والقادة، ولن يقتصر ذلك على القارة الأوروبية وحدها، بل يتعداها إلى أماكن أخرى كثيرة من العالم، حيث يتجلى عظمة هذا الدور الذي لعبه الفنانون والإرث الزاخر الذي قدموه للحضارة الإنسانية، في المسرح والسينما والفنون التشكيلية وبقية الفنون الإبداعية. فهل تغيب عن ذاكرة الثقافة العالمية أسماء مثل: مايكل انجلو، ايزنشتاين، بيكاسو، ستانسلافسكي، بيرتولد بريخت، هنري مور، ايليا كازان، ايديث بياف، الفيس برسلي، بيكاسو، مارلون براندو، شارلي شابلن، بوب ديلان، وكثيرون غيرهم لا يسعفنا المجال لذكرهم؟ كل اسم منهم كان له من التاثير في شغفنا بالحياة وتعلقنا بالحرية، وساهم بسحر أعماله وحضوره الشخصي المؤثر بأفكاره وقناعاته الذاتية في ان تتسع حدقاتنا لنتحسس الجمال المخفي وراء الأشياء المهملة في حياتنا، ولن تعود أيامنا متشابهة ومكررة إذا ما تأملنا آثارهم الفنية واستمتعنا بها.
بضاعة كاسدة
لم أكن متورطا في المبالغة بالسياق الذي ذهبت اليه وأنا أحاول أن أرصد ضيق المسافة التي حشر فيها الفنان العراقي نفسه، عندما اختار الركون في زاوية بعيدة عن إيقاع ونبض الحياة في شوارع وساحات بغداد والمدن العراقية فقدم لنا بضاعة كاسدة لا تصلح للتداول، في وقتٍ يصعب فيه فك الاشتباك بين ما هو فردي وجمعي في لحظة اشكالية تتداخل فيها في آن واحد امنيات وأحلام الناس، شيوخا ونساء وأطفالا، وكلها تتجسد في الاشعاع الذي ينبعث من جموع المتظاهرين الشباب.
كان من السهل أن نشير بجملٍ مباشرة إلى الخلل في موقف الفنان العراقي بعد ان فضحه موقف الفنان في لبنان. لكننا أردنا بما ذهبنا إليه من استدعاء لقافلة طويلة من الأسماء تحتفي بها ذاكرة الثقافة العالمية، أن نساهم في خلق مناخ فني جديد، لعله يكون مقدمة للاحتفاء بنموذج آخر للفنان العراقي، باعتباره نموذجا للتواصل الإنساني مع الآخرين، خاصة حينما تشتد العتمة عليهم فيحتاجون اليه ليضيء لهم الطريق بفنه، محطما بذلك تقوقعه الفخّاري الهش.
كلنا أمل في ان يستقي الفنان قيمته ورمزيته وتأثيره من كلية الحضور الذي يطل من خلاله على جمهوره الذي ينتمي إليه ويتفاعل معه.
أسبقية الفنان المصري
موقف الفنانين اللبنانيين من الحراك الشعبي الذي شهدته المدن اللبنانية خلال الأيام القليلة الماضية مثل نادين نسيب نجيم ونادين الراسي، أكد مرة أخرى على الترابط الوثيق ما بين فنهم وبين ارهاصات وهواجس الناس وهي تتجلى في الشوارع والميادين على شكل أغاني وأشعار ولوحات فنية احتجاجا ورفضا لكل ما يرتبط ببنية النظام السياسي الطائفي الذي تم استنساخه في العراق بعد العام 2003 وما ترشح عنه من كراهية وفساد وعنف وعنصرية وحروب اجتاحت البلاد من الشمال إلى الجنوب فأحرقت ذاكرة جميلة من الفطرة والتعايش بين العراقيين، بعد أن كانت شريان بقائهم واستمرارهم بهذا التنوع مذ وجدوا على هذه الأرض.
الفنانون المصريون كانت لهم الأسبقية في تأكيد العلاقة الجدلية بين الفن والحياة في مواقف كثيرة مر بها المجتمع والدولة المصرية الحديثة بدءا من سيد درويش مرورا بالشيخ أمام وتجربته المشتركة مع الشاعر أحمد فؤاد نجم وانتهاء بفرق الفنانين الشباب الذين واكبوا ثورة كانون الثاني ( يناير) 2011 أمثال: حمزة نمرة وكايروكي وياسر المناهويلي وحازم شاهين ورامي عصام وعمرو واكد وخالد ابو النجا وخالد الصاوي وغيرهم كثيرون استدعوا الذاكرة التنويرية للفن في سياقها التاريخي وأوقدوها في ميدان التحرير أياما وليالي، فكتبوا بذلك أجمل صفحة في تاريخ هذه الثورة.
نضع أكثر من علامة استفهام ازاء قائمة طويلة من الفنانين في كافة الحقول الفنية كنا نحتفظ باسمائهم في ذاكرتنا لأنهم اختاروا الانحياز إلى أحلام البسطاء والمقهورين والمهمشين، في مقدمتهم مطربون ظلت أغانيهم تضج بالعواطف والشجن الذاتي مع أنها كانت تتحرك بذكاء في منطقة من التأويل والتوظيف الوطني الذي لا يغيب عن فطنة المتلقي البسيط، وحتى هؤلاء اختفوا عن المشهد العام، وكأن بوصلتهم قد انحرفت بعيدا عن الناس التي صنعت مجدهم، وذهبت بهم إلى أحضان السلطة ليتدفأوا بما أنعمت به عليهم من امتيازات افقدتهم بالتالي إنسانيتهم وفنهم وبريقهم.
ما زلنا نتوسم ان يسري تيار الوعي ليوقظ علامات فنية لربما تشكل بحضورها الفني مستوى من التفرد والنضج يتوازى مع موقف الشباب المتظاهر.