الرباط – «القدس العربي»: ما زالت كل من مدينتي الرباط والدار البيضاء تشكلان محور اهتمام الفنانين المغاربة الذين يستقرون بهما، بهدف تحقيق الذات فنيا والحصول على عمل طبعا، بحكم وجود أغلب شركات الإنتاج ومقرات التلفزيون.
بل إن القول الفاصل والحكم النهائي بالنسبة للعديد من الفنانين، يجزم أنه يصعب بل يستحيل على الفنان أن يحقق حضوره الإبداعي خارج العاصمة الإدارية الرباط والعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء.
والعجيب أيضا أن بين الرباط والدار البيضاء يقع الكثير من التفضيل، فالعاصمة الاقتصادية حسب المقيمين فيها من فناني المغرب، أكثر رواجا من العاصمة الإدارية رغم أن هذه الأخيرة تحتضن القناة التلفزيونية الأولى ومعها مجموعة القنوات الأخرى التابعة للقطب الإعلامي المرئي والمسموع المغربي، بالإضافة إلى بعض شركات الإنتاج.
هذا التوجه نحو مركزية الحضور الفني، خالفه عدد قليل من الفنانين المغاربة الذين فضلوا الاستقرار في مدنهم الأصلية، حيث تلقوا أولى إشارات الموهبة الفنية، على الرغم من أن التكوين كان طبعا في الرباط، لأنها تحتضن «المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي» ناهيك عن معاهد أخرى تابعة للجامعات أو حتى الخاصة منها، وهي نادرة جدا.
من بين هؤلاء الفنانين المغاربة الذين استقروا في مدن الولادة، نجد المسرحي بوسلهام الضعيف الذي يمارس عشقه الدائم للمسرح من مدينة مكناس، تلك المدينة التي أنجبت العديد من الأسماء الكبيرة منهم من غادرنا إلى دار البقاء مثل الدكتور حسن المنيعي أحد رواد المسرح المغربي، وأيضا المبدع عبد الرحمان بن زيدان أطال الله عمره.
بوسلهام الضعيف، يتذكر بعض الإعلاميين والنقاد ما كان يقوله عنه أحد كبار المسرح المغربي الراحل جمال الدين الدخيسي، الذين كان متأكدا من أن الضعيف موهبة كبيرة وحقيقية في المسرح المغربي وقادر على فعل الشيء الكثير.
لم يخب ظن المرحوم الدخيسي، فالفنان بوسلهام الضعيف يواصل مسيرته من حصنه الفني في مكناس بنفس لا ينقطع، وتجد أعماله تغمر مسارح المملكة كل سنة، ونستثني منها عامي الجائحة، لكنه اليوم يعود محملا بالكثير وبالمفاجآت أيضا، فقد أصدر مؤخرا رواية تحت عنوان «أستوديو حمرية» نسبة إلى أحد أهم وأشهر مناطق مدينة مكناس، والتي تعتبر القلب الحداثي النابض لعاصمة الزيتون.
اختيار مكناس
بوسلهام الضعيف، التقته «القدس العربي» وسألته عن مسألة اختياره الابتعاد عن العاصمة الرباط وتفضيل الاستقرار في مكناس، وهل كان الأمر اختياريا أم اضطراريا؟ فأجاب أن «الرجوع إلى مكناس كان اختيارا» ويستطرد قائلا «حقيقة أننا في المغرب نعيش المركزية الفنية، لكن اختيار الذهاب بعيدا عن العاصمة وتأسيس تجربة مسرحية هو بمثابة الذهاب نحو المغرب الحقيقي، هو اللقاء الحقيقي مع الجمهور الذي لا تصله الفرجات».
ويضيف قائلا «ربما يبدو لي جمهور العاصمة جمهورا هجينا من الوافدين الذين يبحثون عن ذواتهم، فهو جمهور مزيف، جمهور من البلاستيك.»
وحسب بوسلهام الضعيف، فإن «العمل الحقيقي هو الذهاب إلى الهوامش المبعدة إعلاميا مثل فكيك وأرفود وطاطا، بل إن مدنا كبرى أصبحت مهمشة ثقافيا للعديد من العوامل.» وفي السياق نفسه، سألت «القدس العربي» المسرحي المغربي عن اقتناع العديد من الفنانين المغاربة بصعوبة تحقيق الذات فنيا بعيدا عن الرباط أو الدار البيضاء، فأجاب موضحا «صعوبة تحقيق الذات خارج مركز الدار البيضاء والرباط يعود إلى أن إعلامنا في غالب الأحيان يحتاج الاقتراب من المجازفة».
وعبّر بوسلهام عن أمنيته في أن «تفعّل الجهوية بشكل حقيقي وملموس، وأن تصبح الجهات بمثابة مراكز وأن تستفيد من فضاءات ثقافية يستفيد منها الشباب» ويوضح أكثر «لو أن كل جهة استثمرت خصوصيتها الثقافية بشكل إيجابي وتوفرت فيها سوق شغل فني لاستطاع إبداعنا أن يتطور.»
المجتمعات المتخلفة
من حديث المركز والهامش، إلى الحديث عن تجربة الإغلاق والجائحة، حيث سألنا الفنان هل كانت درسا قبل أن تكون محنة، على المستوى الشخصي والعام؟ فكان جوابه: «تجربة الجائحة كانت درسا خصوصا لمهنيي الفنون الحية» وأبرز المتحدث أنه «من خلال هذا الوباء وتداعياته وأثره على الميدان الفني طرحت العديد من الأسئلة أهمها: هل مجتمعاتنا المتخلفة تؤمن بالفن والثقافة؟ أي دور سيلعبه الفنان مستقبلا في المجتمع؟» وأضاف «الأكيد أن الفنان يجب أن يراجع دوره، وأن لا يبقى مهرج المناسبات» ويضيف سؤالا أخيرا «ما هو دور النقابات الفنية والهيئات التمثيلية للفنانين؟»
الشيء بالشيء يذكر، فحديث الجائحة جرنا إلى الحديث عمّا قيل بخصوص أعطاب المشهد الفني المغربي والذي كشفته الأزمة الصحية المرتبطة بفيروس كورونا.
أشار الفنان المغربي إلى أن «جائحة فيروس كورونا أبرزت العديد من الأعطاب» وسرد ضيف «القدس العربي» بعضا منها، مثل «الهشاشة» موضحا أن «الميدان الفني ميدان هش على مستوى التشريعات والقوانين والهياكل» ويواصل بوسلهام الضعيف لافتا إلى العطب الثاني المتمثل في سؤال جوهري «من هو الفنان؟» مؤكدا أن الجمهور كان يتصور «الفنان هو الوجه الذي يظهر في التلفزة، بينما الواقع أن المشتغلين في المهن الفنية قاعدة واسعة وخصوصا منهم الموسيقيين الذين كانوا يشتغلون في الفنادق وفي المناسبات، وهي فئة تضررت كثيرا.»
وحسب المتحدث نفسه، فإن الجائحة «أظهرت أيضا نفاق المجتمع المغربي مع الفن، فهو يحب الفنان ويلتقط معه الصور، وفي الوقت نفسه يبخس حقه في أن يعيش حياة كريمة، بل إن هناك أصواتا كشفت عن كرهها للفن ولا ترى في وجوده ضرورة.»
وفي باب سرد أعطاب الفن المغربي التي كشفت عنها الجائحة، يقول بوسلهام الضعيف، إن «العطب الأكبر هو انسحاب الدولة في علاقتها مع الفن» ويوضح «في أوروبا مثلا ورغم أنني لا أحب المقارنات، كانت هناك مبادرات بديلة لمعالجة أثر وتداعيات كورونا على الميدان الفني، في المغرب بقي الميدان الفني والثقافي وحيدا معزولا. فلا مبادرة، لا شيء تم، حتى الإنتاج المسرحي توقف، هناك صمت مريع، ومستقبل مجهول للفن في المغرب.»
وصلنا إلى جديده الإبداعي بعيدا عن المسرح، وروايته الصادرة مؤخرا «أستوديو حمرية» فقال الضعيف عن هذه التجربة «علاقتي بالكتابة هي علاقة قديمة فقد كتبت القصة القصيرة، وكتبت في مجالات متعددة ومشروع الرواية كان حاضرا لدي وكنت أشتغل عليه بهدوء وصمت، وأنا لا أرى أن الميدان الفني والثقافي هو جزر معزولة، بل هناك تداخل، لكل مجال تقنياته لكن هناك تداخلا كبيرا بين الرواية والشعر والمسرح والسينما، أعتبرها حقلا واحد.»
وسألته «القدس العربي» عن جديده الفني، فأكد «هناك عرض مسرحية (عدم) وهو مشروع انطلق خلال فترة الحجر الصحي وخصوصا عندما كانت المسارح مغلقة، فقمت باختبارات أداء للممثلين، حيث انطلقت التدريبات لمدة ستة أشهر ضمن تجربة سميتها (استوديو الممثل) والذي أفرز عرض مسرحية (عدم) التي تفاعلت مع ما يقع في العالم من خلال استحضار نصوص شعرية عالمية، وهذه المسرحية ستقدم مستقبلا في مهرجان طنجة المشهدية.»