الرباط – «القدس العربي»: الفنان المغربي سعيد غزالة، الذي يرتحل بين الركح ومتون الكتب، وقع مؤخرا كتابه المسرحي الصادر حديثا والمعنون «حكاية آخر امرأة عادية»، وهو عبارة عن نصوص مومنودرامية بصيغة المؤنث، ضمن فعاليات مهرجان «مقامات»، الذي نظمته جمعية «أبي رقراق» في مدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط.
وليس هذا الكتاب وحده ما كان له نصيب من الاحتفاء في لقاء احتضنته المكتبة العلمية الصبيحة في سلا، بل امتد الحديث إلى كتاب آخر صادر للمسرحي نفسه تحت عنوان «دمى شكسبير» و«قلنديا».
الفنان غزالة يسير بخطى حثيثة لتحقيق أهدافه الفنية في المسرح، فهو يشرف في كثير من المناسبات على تدريب ممثلين شباب خاصة في المدينة التي يقيم بها وهي سلا، كما أنه حاضر في عدد من العروض المسرحية التي لاقت النجاح في وقت سابق، وهو اليوم يرسم لنفسه مسارا موازيا كمؤلف مسرحي يطرق باب التوثيق الركحي من خلال اصدار كتب في الموضوع تتعلق أساسا بالإبداع.
في هذا الحوار مع «القدس العربي» يتحدث عن توقيع كتابه في مهرجان «مقامات»، كما يبث لواعج اليومي فنيا ومعيشيا، ويطرق باب الآمال والأحلام المسرحية وواقع الممارسة في ظل الأزمة التي يعيشها المسرح المغربي، ليس بارتباط مع الجائحة فقط بل قبل ذلك بكثير.
□* وقعت مؤخرا كتابك «حكاية آخر امرأة عادية»، وقبله أصدرت «دمى شكسبير»، لماذا هذا الإصرار على نقل المسرح إلى الكتب الورقية، هل هي الرغبة في التوثيق أم تلبية لحلم خاص؟
■ المسرح حلم يراوح مكانه في بلدي. عندما ابتليت بهذا الهوس الجميل، كان شغفي الكبير يدفعني إلى أروقة المكتبات بحثا عن النصوص والدراسات المسرحية من أجل دعم معرفتي بهذا الفن/ العشق. فكان حلمي منذ الأول، وحيث البداية كانت في كتابة النص، أن أساهم في نقل مشاهد كتبت للخشبة إلى حضن أوراق بين دفتي غلاف فقط من أجل جعل القارئ متلقيا، وحتى أبني بين يديه ركحا في المتخيل الخاص به.
والكتاب وثيقة في غياب التأريخ، شهادة جيل لجيل. فرغم الصعوبات والانتشار القليل للكتاب المسرحي، بل، في بعض الأحيان، الغياب الكلي له، أخذت على عاتقي الطباعة ولو على حسابي من أجل تحقيق هذا الحلم. وسأواصل رغم المماحكة المادية النشر والتواصل مع القراء وتنظيم اللقاءات والتوقيعات حتى نعيد للكتاب المسرحي ألقه. لا أنكر أن الأمر ليس بالسهولة التي يشرعها الحلم. لكنه من ضمن الممكنات.
□* الكتاب الأول «حكاية آخر امرأة عادية» هو عبارة عن نصوص مومنودرامية بصيغة المؤنث، لماذا حضور المؤنث، وهذا الاهتمام بالمرأة بشكل عام؟
■ المرأة هي الأم والحضن ولا شيء آخر. هي الإلهام والأصل، من خلالها أستطيع أن أكون صادقا في رسائلي، وكذلك مقنعا لنفسي وللآخر ما أمكن! فكثيرا ما قيل لي أني كاتب المرأة المنتصر لقضاياها، لكن في الواقع أنا أكتب من خلالها للرجل وللإنسان عموما؛ ولأن المرأة تبقى الجنس الوحيد الذي يوجهه الصدق في الحياة، لأنه يحيا سويا بالصدق. كانت المرأة عندي منبعا للإبداع، للعشق، للحياة. كانت دائما عنوانا لملامسة المسكوت عنه أو عنها لما تحمله العقلية الذكورية من جبروت القوامة و(لَفْهامة)! عبر سلسلة من كتابات حول المرأة تعددت شخصية «منال» في نصوصي: وهي تلك الفتاة الجميلة البريئة التي ستكون ضحية لأكثر من مغتصب ولأكثر من وحش، شخصية تفتضح فيها شيزوفرينية الرجل الشرقي والتدبير السيىء لموضوع المرأة. باختصار ستبقى المرأة ملهمة كل مبدع إنسان.
□* نغادر الكتب ونبحر معك في يم المسرح كممارسة ركحية، هل انقشعت غيمة الأزمة أم أنها لا زالت جاثمة على سماء بعض المسرحيين المغاربة؟
■ الغمة المسرحية وسؤال الهوية. هذه قضيتنا الموبوءة والمصابة بداء اللا جدوى. منذ أن فكرت الوزارة في دعم المسرح كانت تنضد له مقصلة الإعدام والتبخيس. لأن المسرح، كفن، في حقيقته لسان الأحرار من المثقفين ومسرح الباحثين عن الصراخ المنظم في وجه العنت البشري والخبل السلطوي. لهذا، وبعد أن كان المسرح في زمن الاستقلال وسبعينات القرن فن الأحرار وكلمة الصادقة والابداع والنضال، أصبح فن مد اليد والوقوف طوابير للصدقة الخارجة من السجن! قبل مسلسل الدعم وأشكال الريع الأخرى كان المسرحيون يقدمون أعمال لا تراهن على المداخيل الريعية بقدر ما كانت تراهن على متفرج عاشق للمسرح مؤدي لتذكرته يفهم أن لكل عرض ثمن وقيمة. لا متفرج اليوم المنتظر للدعوة، سيبقى الأمر على ما هو عليه ما دام نبتت طفيليات (مسرحية) تقتات على فتات الدولة وصدقة رجل السلطة ضاربة بعرض الحائط مكانة هذا الفن في النفوس العارفة. وسيبقى المسرحيون الحقيقيون يلعبون دور دون كيشوت يحاربون الوهم والخرافة في غياب قانون منظم أو غير منزل.
□* حسب وزارة الثقافة والتلفزيون فإن المسرح يتحرك والإشارة هنا إلى مبادرة 60 عرضا مسرحيا، نسألك هل فعلا تحرك المسرح وهل عادت العجلة إلى الدوران كما السابق؟
■ لا يمكن أن أحكم على هذه المبادرة الاستعراضية الآن، فمازالت الأمور في بدايتها، لأن الأمر في مجمله مزايدة قميئة. لأن المسرح والتلفزيون في خصام تاريخي لا الأول تذلل للثاني ولا هذا الأخير استطاع أن يواكب. المسرح فن ركح ومباشرة، فما على التلفزيون إلا أن يكون له بوقا وفي خدمته لا أن يلعب دور المنعش له من سكتة قلبية أو جلطة حضارية. المسرح لا يحتاج إلى التلفزيون بهذا الشكل. المسرح يحتاج لدعاية خدومة. يرتبط هذا التحرك فقط بقيمته المادية على بساطتها فقط من أجل ما يترتب عنها مستقبلا من استفادة صانعي الفرجة ومؤدوها من الاستفادة من الحقوق المجاورة عند بث العروض المصورة.
بالتالي أخلص إلى أن هذه المبادرة الاستعراضية عليها أن تصبح فعلا سنويا حتى تعاد للمسرح مكانته في كل المنابر الوطنية ويتم التسويق بالتالي للمنتج الوطني، وطنيا، وعربيا، ودوليا.
□* كثير من الفنانين المغاربة يؤكدون أن أزمة الفن ليست مرتبطة بأزمة كوفيد، بل هي أكثر تعقيدا من ذلك، بالنسبة إليك أين يكمن الخلل وهل يمكن إصلاحه؟
■ كوفيد وباء عالمي ومعلومة أضراره. لكن كوفيد المسرح تاريخي حربائي تحكمت فيه الأهواء وأهزلت جسده المعاول أصلا الجهل العميق لدوره في المجتمع، بالرغم أن المسرح كان له الدور الكبير في دفع بعجلة الاستقلال، إلا أن العقلية (المحافظة) كانت عقبة في حضوره الرسمي وجعله من آليات التغيير في المجتمع، فارتبط في كل أشكاله باليسار أو قضايا الأمة (التحرير) أو بمسرح الهواة أو البحث في فنون الحلقة، وبقي مناسباتيا أو شكلا من أشكال الاحتفالات التتويجية. لهذا، ورغم التجارب العديدة والرائدة (مسرح البساط/ المسرح الثالث/ المسرح الاحتفالي… الخ) بقي المسرح مغيبا عن قاعة الدرس، رغم كل أشكال التنظير أو القاعات المستحدثة له والتي تفتقر لكل ما يمت للمسرح بصلة. للأسف يبقى المسرح الحاضر الغائب.