الفنان محمد فتاح في معرضه الثاني والعشرين… المغامرة التشكيلية الحكائية بين الموضوعة السردية والتعبير الفني

السليمانية ـ «القدس العربي» : يواصل الفنان محمد فتاح احتفاءاته الفنية المتنوعة والغزيرة بالطبيعة، عبر معرضه الجديد الثاني والعشرين، الذي افُتتح قبل أيام في كاليري «أمنه سوركه» في مدينة السليمانية، إذ يستأنف فتاح الاشتغال الدائب على موضوعته الطبيعية الأثيرة عبر 101 لوحة جديدة، رُتبت في حركة شبه بانورامية متسلسلة لتشكل «مئة حكاية وحكاية»، وهو ما أطلق عليه عنواناً حكائياً لهذا المعرض.
إن ما يميز تجربة فتاح شغفه بالطبيعة، ليس بوصفها مكاناً جميلاً، مهجوراً أو معزولاً، بل لأنها مكان أساس لمخاضات الفعالية البشرية والإحيائية، إنها صورة البيئة الإنسانية المنعكسة عن الخراب والأنفال والقسوة والعسف الصناعي، بدواعي زيادة الإنتاج، وبيان للأيقونة المفقودة التي تختفي وراء الرماد والأنقاض.
كانت الطبيعة لوناً زاهياً بريئاً لاهياً، غير أنه يدخل في المركب الجمالي الجديد في ما تمليه البيئة الإنسانية، ويستبصره التعبير الفني.
في معرضه الجديد، قدم الفنان محمد فتاح بنية حكائية متسلسلة، وقد عبر عنها بـ»مئة حكاية وحكاية»، تبدأ من المخاض والولادة، وتمر عبر تجربة إجهاض البيئة، وتنتهي عند الموت واتساع الخراب، ومع ذلك فإن تلك الإنشائية الحكائية لا تعني أن أي لوحة، مهما كانت من موقع تسلسلها الحكائي، سوف تفقد وحدتها البصرية والبنائية، كما لا تعد مقطوعة من سياقها الفني لو شوهدت كلوحة مستقلة، وبذلك فإن الموضوعة العامة، التي أنشئت على نحو قصصي، لا تنفي قراءة ومشاهدة اللوحات المئة كلاً على انفراد، والبنية الحكائية المتلازمة مع تسلسل اللوحات لن تمسي عائقاً أمام تجسد البنية الفنية كونها نصاً متكاملاً في كل عمل، وعلى الرغم من تلك المغامرة الحكائية التشكيلية، إلا أن البناء الفني التي تتضمنه جميع أعمال المعرض، يشترك في التوازن بين الموضوعة العامة السردية، والتعبير الفني عنها داخل كل لوحة، فالمجال الحيوي والأثيري للماء والفضاء، كان فراغاً تشكيلياً ملهماً للتكوينات والرموز في أن تعبر عن وجودها الحر، وتستعيض ببنائها البصري عن سياقها السردي.
لقد أدمج الفنان فراغ اللوحات بين الماء والسماء، وراح يعبر عن رموزه المائية والأثيرية باتجاه واحد، يغني موضوعته السردية والبصرية، ويكشف عن بنية تصميمية لا تخفي أثر الاستفادة الواسعة من مشهد إنشائية وتعبيرية التشكيل العراقي ما بعد الستينيات من القرن الماضي. وجاءت تجربة هذا المعرض للفنان محمد فتاح بعد حصيلة غنية من مسيرته الفنية في معارض كثيرة سابقة، وحصوله على العديد من الجوائز والميداليات الذهبية، فضلاً عن مشاركته الواسعة في معارض محلية وعالمية.
ولعل من المفيد الإشارة إلى أن المعرض الجديد للفنان فتاح وسواه من المعارض التشكيلية الأخرى التي تقام في هذا المكان كاليري «أمنه سوركه»، يتضمن في العموم ذاكرة استعادية معبرة عن المكان، بوصفه مؤسسة قمعية سابقة من العهد الماضي، وقد صيّرت متحفاً لما يزّل يحتفظ بعلاماته وجدرانه الكالحة، التي تستعيد مأساوية بطش المستبدين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية