حين يروي الحجر حكايات المدينة: سرديات النحت في السليمانية

غالباً ما يُنظر إلى قاعدة التمثال في فن النحت كونها الركيزة الأساسية التي تخلق الفضاء المعماري للعمل النحتي، وتمنح الفراغ قيمة فنية مضافة، كأنها عتبة بارتفاع مناسب، ما أن يبلغها أي نصب حتى يحقق معماريته وفراغيته مع خط الأفق، حيث لا يكسر فضاءه حاجز طبيعي، أو بنيان بشري، ولن يعيق ناظره ظلال أشجار كثيفة أو عمارات شاهقة، ولذلك، يدرك مصممو قواعد التماثيل، كيف يصنعون القيمة الفراغية لتماثيلهم وإيجاد الحيز المناسب لكي يسمو العمل النحتي في سماء زرقاء لامتناهية؟
ولكن ما الذي يفعله مصمم القاعدة لنحات، يعمل بحثاً عن معمارية فضاء متناه على سفوح جبال متقابلة، وأي زاوية ينظر بها الجمهور لكي يحقق فيضاً فضائياً من جميع الجهات؟ هذا ما يحدث في مدينة السليمانية في صيغة ما من تحد فني لفنانيها ومصمميها وجمهورها الذين يمضون قدماً في تكريس فن النحت كظاهرة شعبية وبيئية وسط مركز سهلي، تحيطه الجبال من كل مكان، هناك إذ تجري الطبيعة تعريتها على حجر القمم والسفوح فتكشف عن ملمسها التعبيري المترع بالضوء وبعدها الجمالي الأخاذ. إذن كيف يهيئ الفنان عدته التعبيرية والجمالية أمام فضاءات طبيعة جميلة ومعبرة؟ من هنا، تحت جدار عال، بدأ النحات تهيئة أدواته ونظارته، وصنع قاعدته وزاويته الفنية، وحاول أن يستكمل تعرية الأنواء بلمسته الإنسانية الجديدة فترامت أعماله في المدى السهلي القريب، فلم تخل حديقة صغيرة أو كبيرة من منحوتة برونز، أو خشب وجبس ناصع، ولا تمر عابراً أمام مؤسسة أو بناية رسمية، دون أن تستوقفك منحوتات كثيرة، تنضوي تحت قصص متعددة بين الرموز الثقافية والمجتمعية والسياسية وتشخيص لحكايات شعبية وأبطال شعبيين من الواقع، وفي كل هذه القصص، يسعى النحت ضمناً أو إعلاناً إلى عدم نسيان الإحساس بوطأة القمم الجبلية الشاهقة، كونها كسراً لفراغ التماثيل وبحثاً متلازماً عن صيغة ما إلا أنه يجدها بالاستعاضة بواسطة الفضاء الاجتماعي العام للظاهرة الإنسانية التي تكرس هذا الفن مثل متحف حي يتخلل ساحات الشوارع والحدائق والجزرات الوسطية ودكات المقاهي والمطاعم والمحال التجارية وأعالي البنايات.

الفضاءات المعمارية

وببساطة فإن أسباب أن يكون فن النحت بهذه السعة والانتشار لافتاً، تعود إلى التربة المجتمعية الخصبة، من القيم الاجتماعية والتاريخية الحديثة، التي ساعدت على استنبات هذا الفن وإنمائه، هذا من جانب، ومن جانب آخر، يجد المواطن والفنان السليماني نفسه وسط قمم من جبال شاهقة مثل، أزمر وقرداغ وبيره مكرون وغيرها، لتشكل في بنائه النفسي والجمالي ما يشبه الفضاءات المعمارية الطبيعية الخلابة، التي لا يضاهيها معمار، وتستحث في مخيلته أن يتخطى أجمل وأسمى القمم، وأن يكون عمله النحتي تعقيباً إنسانياً متسامياً على فضائه الطبيعي.
ومن الحتم فإن هذه الظاهرة النحتية العامة في مدينة السليمانية لا تقابلها أو تناظرها ظاهرة مماثلة في أي مدينة عراقية أخرى، في الوسط أو الجنوب، على الرغم من توفر الأخيرة على الجغرافيا الطبيعية المفتوحة على الأفق، التي تجعل شرط معمارية الفراغ وقيام قاعدة النصب متيسراً جداً، غير أن الفضاء الاجتماعي متمثلاً بمنظومة التحريم القبلية والثيوقراطية الجاهزة، في السياق المجتمعي قبل الرسمي، تحول دون أن تنشأ وتزدهر بذورها في البيئة العامة، ويقتصر وجودها خلف الجدران في المعارض والمتاحف.
وهكذا فإن مدينة السليمانية، تحرز امتيازاً اجتماعياً وتاريخياً في استباق التحديث في هذا الحقل الفني، الذي يغدو عمومياً على الرغم من عوائق الفراغ الذي تشغله القمم الجبلية، فيما لا يحقق المدى الجغرافي المفتوح في المدن الأخرى، أي تقدم يذكر بسبب ضيق أفق الفضاء الإنساني العام وأدواره المجتمعية الكابحة.
إن كل العوامل الكابحة للحيلولة دون نشوء هذا الفن في المدن الأخرى، تغدو جامحة باطراد في هذه المدينة، كأن التقشير وإزالة الزوائد في الحجر أو الشجر في تعريف فن النحت الشائع، يقابله، أو يجاوره قشط وإضافة لإدراك وتفهم لعلم الاجتماع في النحت وسط البيئة العامة.
على هذا الأساس، يغدو النحت أحد سرديات التشكيل الاجتماعي والإنساني، يمضي في أثر امرأة كادحة ليقيم لها تمثالاً في مكان عملها، أو ينتخب تربوياً متفانياً في حقل التعليم ليخلد وقفته في نصب قريب من منطقته المحددة، فضلاً عن الاحتفاء بأدبائه ومفكريه ورموزه العامة. وفي كل ذلك، تصطف وتعمل الاتجاهات الفنية في تعدديتها المتنوعة بين التشخيص والتجريد، والإعلان التجاري والرمز السياسي والمجتمعي من أجل أن توازي مجتمعاً، يسعى إلى تحديث نفسه باستمرار، وبيان موقعه الجديد المتنامي من العالم دون أن يدعي صورته المثالية.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية