الفنون بين سلطات تسعى إلى تهميشه وأفراد يبقون جذوته متقدة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”:قد يكون اضمحلال الفعل الثقافي في لبنان في الربع الأخير من العام 2019 من المحطات التي تركت فجوة ظاهرة في المشهد العربي وعلى جبهة المسرح تحديداً. فما كادت الفعاليات الثقافية من سينما ومسرح وموسيقى تبدأ الإعلان عن نفسها بالتدريج حتى داهمها حراك 17 تشرين الأول/اكتوبر.

الثقافة والفن في لبنان كما سواه من الدول العربية مستقرة كانت أو تعاني من الاضطراب الاقتصادي، أو السياسي أو من الفعل العسكري، تبقى صنيعة أفراد يعملون على احيائها وإبقاء جذوتها متقدة. وإن حدث ومنّت الرعاية الرسمية بمالها، فالهدف تلميع الصورة في مكان محدد، علّها تساهم في كبح بشاعة الصورة على جبهة الحريات الفكرية، أو حقوق الإنسان. وعندما يكون الفعل الثقافي نتيجة إرادة أفراد، نراه يحاول الوصول إلى العالم حتى من “خرم إبرة” كما يحدث في قطاع غزّة المحاصر منذ سنة 2006. وفي اليمن المحاصر بالنار والجوع منذ 2014. ومن القاهرة المحاصرة بالرأي والفكر. ومن لبنان الذي دفن منذ سنوات الرعاية الرسمية الثقافية، وأكتفت وزاراته المختصة بتمويل مهرجانات الصيف لزوجات المسؤولين والسياسيين المحظيين.

في السعودية يثابر القائمون على هيئة الترفيه صولاتهم وجولاتهم في ابتكار مشهد فني مركب. هو كذلك لأنه غير نابع من سياق متكامل. بل هو مزروع في جسم مختلف عنه والهدف تلميع صورة الحاكم.

من أولى الإنعكاسات التي تركها الحراك الشعبي على المسار الثقافي إعلان النادي الثقافي العربي ونقابة اتحاد الناشرين في لبنان عن تأجيل موعد إقامة معرض بيروت العربي والدولي للكتاب في دورته الـ63 من كانون الأول إلى 28 شباط/فبراير من العام 2020. إنها المرة الأولى التي يتأجل فيها المعرض منذ انطلاقه رغم كافة أحوال الحرب الأهلية الطويلة. والمعرض لم يكن يقتصر على الكتاب كفاعلية ثقافية وحيدة، بل كان يحتفي كل عام ببلد عربي ويعرض له عملاً مسرحياً أو غنائياً مميزاً.

 في المشهد المسرحي كان لافتاً تعميم وزارة الثقافة اللبنانية في تموز/يوليو الماضي عن موعد لمؤتمر صحافي يعلن خلاله وزير الثقافة تفاصيل الدورة الثانية من مهرجان لبنان المسرحي، لكنه ألغي سريعاً ومن دون تبرير. وهكذا لم تطل فرحة أهل المسرح الذين رأوا في الدورة الأولى تحقيقاً لحلم طالما راودهم.

عربياً رُشحت مسرحية “الوحش” للمخرج جاك مارون لتمثيل لبنان في مهرجان قرطاج المسرحي العريق، وهي جديرة نظراً لموضوعها التي يغوص في عالم المهمشين، ولجدارة بطليها كارول عبود ودوري السمراني.

  في المشهد السينمائي كانت بيروت تترقب إطلاق فيلم “جدار الصوت” لأحمد غصين والذي نال ثلاث جوائز عن فئة أسبوع النقاد من مهرجان البندقية وهي: الجائزة الكبرى، جائزة الجمهور وجائزة أفضل عمل تقني. التطورات التي يشهدها الشارع اللبناني حالت دون إطلاق الفيلم محلياً.

 وعلى الصعيد اللبناني كذلك إشارة إلى نجاح فيلم “كفرناحوم” للمخرجة نادين لبكي محلياً وعربياً وعالمياً. وهذا الفيلم جرى ترشيحه للأوسكار، والغولدن غلوب والبافتا والسيزار. وكانت نادين لبكي أول امرأة عربية تترشح لجائزة الفيلم الطويل المتحدث بلغة أجنبية.

عربياً نجح فيلم المخرج الفلسطيني إيليا سليمان بالحصول على تنويه لجنة التحكيم في مهرجان كان عن فيلمه “إن شئت كما في السماء”. والفيلم كان في افتتاح مهرجان السينما الدولي في فلسطين، وفيه قدّم سليمان وجهاً آخر من السخرية الإنسانية التي يجيدها، والتي تشكل أحد وجوه المقاومة.

 عربياً كذلك شارك الفيلم السوداني للمخرج أمجد أبو العلاء “ستموت بالعشرين” في مهرجان البندقية ونال الأسد الذهبي لأول فيلم واعد. وكانت الأفلام الوثائقية العربية حاضرة في العديد من مهرجانات العالم. بعضها نال جوائز كما فيلم السوري حسن فرحاني “لأجل سما” الذي نال جائزة من مهرجان كان. وكذلك حضرت الأفلام الوثائقية العربية في مهرجان امستردام، وتمّ تتويجها بترشيح الوثائقي السوري “عن الآباء والأبناء” لطلال الدريكي لجائزة الأوسكار للفيلم الوثائقي.

مهرجان القاهرة السينمائي

وتمكن مهرجان القاهرة السينمائي هذا العام من تخطي بعض العقبات التي واكبته سابقاً، واستقطب أفلاماً مهمة منها جديد إيليا سليمان، والفيلم الروائي الطويل الأول لأحمد غصين “جدار الصوت”. مصرياً كان فيلم “إحكيلي” هو الوحيد في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي هذا العام وهو للمخرجة ماريان خوري التي تنتمي لأسرة السينمائي المصري الراحل يوسف شاهين، والتي شاركته صنع العديد من أفلامه وقد فاز بجائزة الجمهور. مهرجان القاهرة كرّم المخرجة نادين لبكي على مجمل أعمالها واهتمامها بقضايا النساء. ومنح جائزة سعد الدين وهبة للفيلم العراقي “شارع حيفا” للمخرج مهنّد حيّال. وفاز الفيلم الوثائقي الفلسطيني “أنبيانس” بجائزة يوسف شاهين وهو من توقيع وسام الجعفري.

 34 بلداً شاركت هذا العام في المهرجان الدولي للفيلم في مراكش، وخلاله تمّ تكريم روبرت ردفورد الذي يعتبر مدافعاً قوياً عن البيئة والمسؤولية الاجتماعية. وكرّم السينمائي الفرنسي برتران تافرانيي.

عروض مسرحية مميزة

وفي المسرح شكلت استضافة مسرح دوّار الشمس لعرض “الشقف” التونسي-الكندي علامة فارقة، واستقطب حضوراً يفوق قدرات المسرح. المسرحي التونسي عز الدين قنون وضع فكرة “الشقف” باغته الرحيل في بدايات 2015. أكملت ابنته سيرين قنون الطريق وولد العرض ونال العديد من الجوائز. تعاونت في إخراجه مع المسرحي اللبناني الكندي مجدي بومطر. وتنوعت هويات الممثلين بين تونسي، لبناني، سوري وبينيني. “الشقف” هو القارب المتداعي الذي تلتقي فوقه مجموعة بشر تبحث عن حياة أفضل على الضفة الأخرى للمتوسط، عرض مشغول بإحساس عالٍ.

لبنانياً حفل الجزء الأول من العام 2019 بعروض مسرحية مميزة لمتمرسين في الحرفة. أما بشائر عودة الحياة إلى المسرح في شهر أيلول/سبتمبر فكانت مع مهرجان “مشكال” بإدارة المخرج عوض عوض الذي يبحر عميقاً في التجريب وعلى جبهة المسرح التفاعلي تحديداً. هوسه بالتجريب تركه يغزو مقاهي شارع الحمرا بـ 12 عرضاً مسرحياً في وقت متزامن، أشرف عليها جميعها، ووقعت بأسماء مخرجين ومخرجات مخضرمين وشباب. من عناوين تلك المسرحيات “أنا مين إذا إنتو شو؟”  و”أخبار عادية” و”حكاية بنايتين وشجرتين ب راس بيروت” و”المشمشط بينهزش” و”كتيبة الكاوتشوك” و”دافنينوا سوا” و”عندي حلم” و”لا عشرة عالشجرة” و”جروح شخصية مكشوفة” و”كلاون مي إن” و”فرقة القِرَب” و”كان يا مكان الهورس شو”. عروض ألهبت الشارع في ذاك الليل وصارت حديثاً متداولاً. وعاد عوض نفسه ليسجل في بداية شهر تشرين الأول/اكتوبر حضوراً مميزاً عندما اختارته الممثلة القديرة رلى حمادة لإخراج مسرحية “آن فرانك” التي وجدت إقبالاً كثيفاً، قبل أن تتوقف بفعل البرمجة في مسرح مونو، ومن ثم كان الحراك الشعبي.

 وعلى جبهة التجريب في المسرح أيضاً برزت مسرحية “أميال غالية” لمايا زبيب كتابة، وعمر أبي عازار تمثيلاً وهما معاً من فرقة زقاق. عرض ممسوك بنقطة ارتكاز رغم طوله. شكّل بنصه وإخراجه والسينوغرافيا التي أحاطت به تكثيفاً تراجيدياً لواقع الإنسان العربي بدءاً من نكبة فلسطين وصولاً للراهن. تشكل الصبية “غالية” لبّ العرض، بريئة، وطيبة، ومع هذا حُمِّلت تاريخاً من هزائم سياسية تتواصل فصولاً. وإلى هذا التاريخ أضيفت انكسارات النساء واحلامهن المغتصبة.

الغناء الأصيل

من الأحداث المهمة فنياً وسياسياً والتي شهدتها المنطقة العربية هذا العام استقبال الكيان الصهيوني لحفل “يوروفيجين” أو مسابقة الأغنية الأوروبية والذي تزامن مع الذكرى الـ71 للنكبة. اللافت في الحفل أن فلسطين كانت حاضرة وبقوة، فالراقصون الذين رافقوا المغنية الشهيرة مادونا لفوا ظهورهم بالأعلام الفلسطينية، وهذا ما استفز القائمين على الحفل. بدورها عملت فرقة “هاتاري” من ايسلندا على رفع لافتات تظهر العلم الفلسطيني خلال التسجيل معهم رغم تحذيرهم المسبق من هكذا سلوك. وهكذا كانت فلسطين حاضرة بقوة في هذا الحفل.

في الغناء الأصيل احتفى لبنان بميلاد عبد الحليم حافظ الـ90 والبدء مع المعهد الموسيقي الوطني وبصوت سمية بعلبكي، وتالياً في مهرجانات بعلبك التي اصطفت لهذه المهمة صوت النجم الفلسطيني محمد عساف، ومن ثم بين الدين التي اختارت صوتاً رخيماً من المغرب هو عبدو شريف.

لبنانياً وعربياً تقلصت حدود المهرجانات نظراً لتقلص التمويل، حتى أن بعضها ألغي كلياً. في لبنان لم تمر مهرجانات جبيل على خير بل شهدت سجالاً بدأ دينياً حول فريق “مشروع ليلى” ومضمون الأغنيات التي يؤديها، وتواصل ليطال كل راغب بالتعبير خاصة من يجهلون أي معلومة عن الفريق. حتى أن بعض الجهلة اقترح اعدام الفريق. وكانت الخاتمة باعدام الحفل المقرر واعادة بدل البطاقات لأصحابها.

 مهرجان جرش حافظ على فعالياته بنشاط، وكان حفل مرسيل خليفة من المحطات المميزة فيه. حفل غصّ بالحضور خاصة الآتين من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي المغرب كما في الجزائر وتونس تعالت الأصوات المستهجنة والرافضة للأجور السخية جداً التي يتلقاها المغنون العرب في حين تعاني شرائح كبيرة من الشعب من الفاقة وربما الجوع. وقد طال النقد في الأجر المرتفع لهذا العام كل من ماجدة الرومي، وكاظم الساهر، وراغب علامة، وأمينة فاخت وآخرين.

في جبهة الفن والغناء ثابرت حملة مقاطعة داعمي إسرائيل على حضورها في لبنان ورصدت تاريخ وتحركات الفنانين الأجانب الذين تتم دعوتهم للمشاركة في مهرجانات الصيف المحلية. الفنان اليوناني يانيّ حلّ ضيفاً على الواجهة البحرية لبيروت ومن ضمن مهرجان أعياد بيروت الذي يحظى بدعم سخي من بلدية المدينة، وفي سجله أنه أحيا حفلاً في تل أبيب سنة 2013. وكانت الحملة قد توجهت له بكتاب في حينها تشبه غناءه للصهاينة المحتلين بالغناء أمام البيض في جنوب افريقيا أيام العنصرية. لم يعر الكتاب أي أهمية. ولدى عدم النجاح في منع حفله دعت الحملة “أنصار الحرية والعدالة” إلى تشكيل قوة ضغط أمامه علّه يعيد النظر في زيارة الكيان والغناء للمغتصبين مستقبلاً.

 من المحطات البارزة في بيروت لهذا العام استقبال الكوميدي الفلسطيني صاحب الشهرة الواسعة علاء أبو دياب فلسطيني. سجل علاء عدداً من الفيديوهات النقدية الساخرة على يوتيوب، وفي خلال أشهر معدودة بلغت شهرته الآفاق. استقبله مسرح المدينة الذي ضاق بالوافدين، افترشوا السلم، وجيئ بمقاعد إضافية لتسهيل الحركة وبدء العرض. ومن بيروت أعلن علاء أنه أمام امتحان مهم. نجح واستحق كل التصفيق.

راحلون

غابت بعد صراع مع المرض المخرجة اللبنانية جوسلين صعب عن عمر يناهز السبعين. كانت لها بصمتها في السينما رغم أنها سجلت في أرشيفها فقط فيلمين روائياً، وحوالي 35 فيلماً قصيراً ووثائقياً. في الأفلام الطويلة كان لها “غزل البنات” صورته في بيروت سنة 1975 و”دنيا” في القاهرة سنة 2005. آخر حضور لها في بيروت كان خلال افتتاح معرضها للفن التشكيلي في المركز الثقافي الفرنسي، الذي تناول بأسلوب مبتكر مأساة النزوح السوري.

 وفقد المسرح اللبناني المخرجة والممثلة سهام ناصر وهي التي تُصنّف في خانة الأقوياء الذين لا يهابون موقفاً في المسرح. نعاها طلابها في معهد الفنون الجميلة، وزملاؤها الأكاديميون والممثلون. تُعتبر ناصر من صاحبات الرؤية الثاقبة في الفن. عُرفت طوال حياتها بجرأتها وانتمائها. لها الكثير من الأعمال منها “الجيب السري” وجاز” وسواهما. خطفها المرض بعد أن صارعته طويلاً.

 وفي القاهرة فارق الحياة فجأة المخرج سمير سيف عن 77 عاماً بعد أن أنجز 30 فيلماً بينها “الراقصة والسياسي وسوق المتعة”.

وكان لشوقي الماجري غياب سريع ومؤلم عن 57 سنة بسكتة قلبية. فاجعة حقيقية للدراما العربية. هذا المخرج الطليعي الذي قدم مسلسل “الاجتياح” وغيره الكثير مميز وحريص على تحقيق الواقعية في كل مشهد يقرر تصويره. يعتبر الأهم بين مجايليه. طموح العمل بإدارته راود أكثر الفنانين العرب من مختلف الجنسيات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية