الفن المعاصر بين الإبداع والانتهاكات: سلطة النموذج وتجلياته

حجم الخط
0

يعتبر الفن التشكيلي المعاصر، أو كما يلقبه بعض المؤرخين بالفن الأمريكي من الفنون البصرية المتحررة والمنفتحة على المحيط والفرد، أو العالم والإنسان وإن كان ذلك بمشاريع ومواد تعد – في أغلبها – غريبة عن المعتاد ومثيرة للاهتمام وحتى الاشمئزاز والشفقة أحيانا، وردّة الفعل أحيانا أخرى.
برزت هذه الأعمال أمام رغبة متزايدة لإظهار «الحاجة الداخلية» بتعبير كاندنسكي، وتطورت لأشكال تعبيرية مادية وفكرية، خاصة مع تنامي حماسة وتصاعد المشروع البشري الشخصي لتأسيس شكل تعبيري بصري صادق يخدم رغبة الفنان، ويكشف دواخله ويوصل خصوصياته التي كانت محظورة قرونا من الزمن عن الآخر والعالم، في زمن توَجّب فيه إعادة البناء من جديد على أنقاض واقع متدهور ومدمّر، منتصف القرن العشرين، توفرت لديه الجرأة لإنجاز بناء تشكيلي مجدّد وفاعل، اعتبر تجاوزا ثوريا مقلقا داخل الحلقة الكلاسيكية المعتادة، خاصة ما ارتبط منها بالمضامين التعبيرية المعتمدة والوسائل الفنية المتبعة والتقنيات التشكيلية المطبقة، دون السعي لحصر المقدار الجمالي المتبقي والذي بات خارج دائرة الضوء، منفلتا من كل القرارات اللوبية التي تفرضها سلطة المال والأعمال والدعاية. تتمحور أغلب هذه الممارسات والاهتمامات في التركيز على إرساء مفاهيم ومعطيات نشاطات، أو تحركات فردانية، تبدو -على الأغلب – جريئة ومتجاوزة للأطر المثالية، منها ما يرتبط بالمعنى ومنها ما يرتبط بالمبنى. بهذا يتضح جليا أن توجهات المشهد البصري المقترحة وماهية المقاربات في الفن المعاصر، التي تتماشى مع خصوصية مجمل التحولات المتراكمة، بداية من أواخر الفترة الكلاسيكية من جهة، خاصة مع تحول الأدوات والاتجاهات إلى الفعل الانطباعي، ومع نمو وتبلور الرصيد التشكيلي الطلائعي الذي أحدث الشرخ المعرفي وأسس للعقل القلق الرافض من جهة وللبرمجية التقنية والآلية الخدماتية من جهة أخرى، حتى أصبحت الغاية لدى البعض مجرد رغبة في إثارة الاهتمام لإحداث تغيير من أجل التغيير، أو للدعاية والتحسيس وللترويج.
مرّ هذا التمشي المؤسس للفن المعاصر بإدماج مواد سطحية مبتذلة لا تخطر على بال أحد من قبل، خاصة في أبجديات الحقل الجمالي والتجرؤ على الخوض في المحظورات، وفرض مواضيع ساذجة لا تمس الفن، حسب المقاييس المعيارية التقليدية والحديثة التي تستند إلى الآلية الأكاديمية والصورية المشهدية العبقرية الجذابة، إلى جانب تثمين النشاطات اليومية السهلة الاعتيادية، واعتبارها إبداعا عبر احتضان رسمي من المؤسسات والتعاونيات والهيئات المالية القرارية.
من بين النشاطات – حتى لا أقول الفنون – الكثير يتعلق همه في حصر وتعداد التقليعات المختلفة، وأنماط العيش والتصرف، وتصوف العبث والعدمية والفراغ والفحش والتعبيرات المستنبطة من الجندر والغريب المتمثلة بالخصوص في اللباس والحلاقة والوشم والموضة والتقديم عموما. ما يعيدنا مجددا إلى دائرة سلطة القرار وهو تقدم سريع إلى الوراء. تتميز خصوصيات واتجاهات وحدود هذا اللون بسيطرة مفاهيم مختلفة تعكس واقعها، منها القلق والرفض والسخرية واليأس والصراع، وهو أمر محسوم حين يتم استنباط مختلف الألوان الفنية والشبه فنية على أساسات لا ترتبط بالجمالية والإنسانية، باعتماد عناصر غرائبية مثل الألم والاشمئزاز والإثارة والصدمة والخوف والعنف، كما ظهرت بعض التقديمات السادية والمازوشية اللافتة في عروض البرفرمنس المتجاوزة لكل حد بداية من السبعينيات في اقتباس ومعارضة للفن المسرحي، سواء باستثمار الذكاء البشري والآلي، أو بطريقة عفوية، أو بواسطة فعل اعتباطي متهور. ناهيك عن حركة التصويب الذاتي بواسطة بندقية، عدا مشهد تفجير عدد من الآلات في أعمال تنغيلي مثلا، دون غاية تذكر سوى خلق الحدث وملء الفراغ والإعراض عن السائد، ذلك أنه من هنات هذا التوجه المعاصر وجود تمثيل وتعبير زئبقي خال من كل شخصية، متجانس مع الإطار والمحيط، ما يخلق نشاطات لا تمثل نفسها ولا تمتلك بصمتها، وهو حال الفن المعاصر، الذي يسعى بالأحرى للذوبان في المساحة المحيطة التي تمثله على غرار تنصيبات الرسكلة والتجميع العملاقة، المركزة على واجهات الشركات العالمية، أو في وسط الميادين العظمى التي لا تستمد صفتها الجمالية إلا من محيطها الحضري والمعماري والاقتصادي والتكنولوجي. لهذه الأسباب يمكن اعتبار الفن المعاصر الأقل خضوعا للتقليد المتداول والأكثر انفصالا عن الضرورة الدينية والمقدس.
غير أن هذه الحرية سرعان ما انقلبت إلى اعتداءات أخلاقية تخلخل وتمس المؤسسة الثقافية والاجتماعية، وتنتهك حرمة الأفراد، ما يجعل شكل التناول عرضة للتقييم والانتقاد، إثر كل تجربة جديدة أو بعد كل ممارسة تتحدى العرف وترذل المسار التاريخي والفكري والفلسفي المتداول، حتى إن المرامي النهائية للنشاط تأتي – في غالبيتها – دون أهداف محددة. ويمكننا تقسيم تقنيات العمل والتقديم إلى نموذجين:
-النموذج الأول: يمثل الدهشة المشروعة: وهو ما تعلق أساسا بمجمل القنوات والتقنيات المرتبطة والمكملة المسار الفني البصري، التي حافظت على قدر أدنى من القيمة الفكرية البحثية، أو الجمالية مثل: التمويه والإفراط والتعبير والتجريد والمفهوم والليرية والحركة والفعل. من ذلك ما هو وارد ورائد، نظرا لمقدار رمزيته في الفن المعاصر كقوة الحركات التعبيرية لجاكسون بولوك فوق فضاءاته الصباغية الأفقية العظمى، ومقدار تشكل وتناثر وتقاطر الألوان في مدرسة نيويورك. ومنها كذلك تمويه الغليون في عمل «هذا ليس غليونا» لريني ماغريت (1929)، ومجرد إظهار تفاصيل كعك فراولة بحجم متر ونصف المتر في عمل زيت وأكريليك على قماش للأمريكي أودراي فلاك سنة 1974، وحتى تصفيف ثلاثة مقاعد تحت جدار، الأول واقعي من الخشب والثاني صوري بينما الثالث في شكل كتابة كلمة مقعد (chair) للمعاصر جوزيف كوزيت، ما مهد لطرح تغليب الفكرة على الشيء في حد ذاته، وبالتالي التوجه نحو إقصاء الإطار والقاعدة وتهميش المشاهد وتغيير نوعية المحامل جملة وتفصيلا.
-النموذج الثاني: الدهشة غير المشروعة: ما ارتبط بابتكار نشاطات وأفعال وحركات مدهشة بالأحرى غير فنية، شكلت قطيعة مع المفهوم الفني السائد – في بداياتها – ثم فرضتها السلطة الدعائية والتجارية، تعلق الأمر بالخصوص بالإثارة والإدهاش والإجراء المصور والمسجل عبر الفيديو كمادة مستمدة من العرض المسرحي والقطيعة، وحتى الترهيب والترغيب، وذلك بداية من مبولة ديشامب المحيرة ( 1917) التي لم تعرض في أي مناسبة فنية تذكر منذ وضعها في وضعية عكسية لتتحول إلى حنفية. فيما بقي عمل «تربية الغبار» (1920) لمان ري الذي أنجزه على البلور، دون طبيعة محددة، حيث جمع بين الواقع والتجريد والمشهد والطبيعة الميتة والمحمل والإجراء، نظرا لدوره في تدجين الغريب داخل الحقل الفنّي البصري، سواء كان ذلك بالإرادة أو بالصدفة. كما أن عرض جسد نازف خلال عملية تشريح عضوية في «الحليب الساخن « للفرنسية جينا باين (1939) الذي تمت مشاهدته وعرضه على شرائط الفيديو آلاف المرات، لاسيما بمتحف جورج بامبيدو للفن المعاصر في باريس أثر في الرأي العام آنذاك، وأسال الحبر الكثير. ثم جاء دور تيم نوبل في تكديس القمامة داخل قاعة عرض كتجاوز للسائد الفني، ما أدى إلى قلب المسار رأسا على عقب في مسعى لتضمين واستغلال العنصر البيئي زعما، ومثله عمل «عروس القاذورات» المعروف بتجميع الصوف واللفافات المستعملة للفرنسية الأمريكية العصامية، والعارضة السابقة نيكي دي سان فال.
بدايات فنية غير متهورة: تبدو تحديات المضمون الجمالي عديدة ومتنوعة عمل فيها الفنان على الخروج عن السائد وتحدي المضمون الفكري الأكاديمي والعلمي البناء. بدأ تبلور هذه الموجة في الفن المعاصر مع التيار الرومانسي بالخصوص، حيث وجد الفنان نفسه في ضوء الانفلات التدريجي من السلطة الدينية، في حاجة إلى إخراج الشحنة الداخلية وتولدت لديه الرغبة في كشف المستور بإظهار رسومات أنثوية واقعية إباحية أكثر جنسية للمرأة بالخصوص، تم ذلك بداية في لوحة «غداء على العشب» للفرنسي إدوارد ماني (1863) التي تُظهر امرأة عارية تماما تجلس وسط رجلين بملابس نزهة. غير أن هذا التحول وجد في ما بعد تموقعا أرحب وأوسع في مضمار الفن المعاصر، في ضوء تحدي المؤسسة وتجاوز المقاييس الأكاديمية، ما أدى إلى تناول مواد ومواضيع تمس بالأخلاق وتخدش الحياء وتقلل من شأن الفكر والمرجع المعرفي المعتمد، بل وتحوله إلى مجرد شعارات خاوية ترتبط بالمجون والعبث والصراع مع المعطى القيمية قبل أن تعود المؤسسة الرسمية النافذة إلى سالف نشاطها المهيمن، عبر واجهة أخرى ألا وهي التبجح بالاختيار والتعددية والمنافسة والدعاية، فارتبطت التوجهات الفنية المعاصرة في مجملها بالسوق والبضاعة والترويج، وإن بطرق تقنية إلكترونية متقدمة وهذا ما يترجمه البوب آرت، الذي أخذ حيزا كبيرا في المسار المعاصر، لتتحول بذلك الأعمال البصرية غير المحددة في حضورها إلى فضاءات إشهارية كبيرة وصالونات ومناسبات للتعريف بالمنتوجات الجديدة سبيلا لتحقيق أرقام معاملات ربحية يشترى فيها الفن والفرد ويباع. فهل تحولت بعض توجهات الفن المعاصر إلى مجرد أبواق دعاية تخدم مصالح المؤسسات الكبرى دون اعتبار معايير النبل والإلهام والدقة والحذق والصنعة والسحر والتمثيل الواقعي، ومعنى الفرد والرؤية الشخصية التي ظهرت في كتابات النقد الفني لأقلام أدبية معتبرة مثل بودلير وإميل زولا صديق الفنانين الذي كان له حضور تاريخي بالخصوص في ريشتي سيزان وماني.

كاتب تونسي

تربية الغبار لمان ري (1920)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية