مر القطار. خلال السكة الحديد. المسافرون فيه من خلال النوافذ ينظرون إلى قطرات المطر. ملابس فاحت براوئح النهر المسقوف وأشجار السرو والصنوبر. وهي تمشي على الرصيف المبلط وتجر وراءها عباءة الزمان. محطة بغداد، في رأسي، التي عمروا فيها قطار حلب دير الزور، وقتها لم تكن دمشق على الخط، وكان المطر يسقط على نوافذ العربات المتوقفة كي تذهب، تسيح مياهه نحو حافة الرصيف التي وقفت عنده ترفع يدها وقلبها يقول، سوف يتحرك بعد قليل ويتنهي كل شيء. أي يمر الزمن وتعود حافية حين تفرغ المحطة من أشباح المسافرين، من الصوت الذي يقرع في الرأس برتم الحركة. سقطت دموع على خديها وراحت تخالط المطر الهاطل وهو ينقر سطح المحطة المسقوف بالقرميد الكابي، وهناك عادت تمر بصالة الإنتظار، ومرت بالأشجار التي على رصيف الحديقة، ومرت بجانبي ولم أنتبه، كما في كل مرة، حيث كنت في القمرة الراحلة أفكر كيف تركتها تعود وحيدة. أنا حلب. نعم حلب. كانت قد توقفت في مكان ما، بينما كان القطار يعبر الأحلام ويمر أمام عينيها ف. من خلال النوافذ، وكأنني اليوم، تذكرت قاطرات تحت الأرض في لندن، وهي تهتز وتتبعثر للذهاب إلى ريتشموند فرجينا وولف، وهناك قد عدلوا صورتها ولونوا الحواف الذهبية، وأنا أسأل الذي بجانبي عن أسم نهر التايمز، ماهو أسمه من خلال الجسر الممتد، ووجهها لا يترك مخيلتي، لا أحد يدري ما الذي يجري في الداخل، لآن الله لم يخلق لنا عيون الأعماق، كانت ترى نحو الملابس التي بللها المطر، وفاحت منها رائحة العطر الذي كانت تضعه على عنقها الممشوق، وهي مرة تقول لي، أنا سمينة شوي، ومرة تقول، حلوة كده؟! في ثوب تدور فيه، توها اشترته من محال الصحارى للزينة وبدلات الربيع وانوثة تناسبك يا سيدتي المحبوبة… يخرج القطار من المحطة وتصبح بيننا هوة زمان، بالتأكيد قد أوقفت ساعتها وربطت العقارب على وقت الوداع الذي كنا فيه، وكانت تقول: لا تقل باي، ولا تلوح بيدك: ما أسخف هذا الوداع! وتجلس بلصقي في قاعة الإنتظار، تنظر نحو الساعة التي لا تريدها أن تتحرك، واجمة تتمنى أن لا يتقدم الزمن، وأن لا يأتي القطار، وأن يعود الخلق إلى بداية العهد حين ألتقيتها وكانت في أرجوحة الحب أمسك بحبالها وأدفع البِشر كي يعلو ويرتفع نحو غيوم المدينة والتي أمتلكت سرنا في ذلك الوقت. أفكر اليوم في الخيال الحاسم الذي يحزنني كلما أتذكر تلك الأيام، وأمر بها مرور العابر الذي يدفعه العصر ألا يتوقف أو لا يتأمل، لأنني إن توقفت وتأملت فالساعة ستتأخر، ويفوت علي الوقت، ولهذا الشأن أطرحها عن خيالي، وأكتفي بالنظر إلى الطريق الذي أسير فيه وإلى الأصوات الهائجة التي هي الحياة المائرة، وبهذه الطريقة تنتهي الأحلام، ويتوقف الخيال الذي ربما دفعها نحوي كي أعيد ذكراها، يتوقف بخيبة تشابه خيبتها حين هطل الحزن في داخلها، وعرفت مقدار لوعتها وفظاعة تصرفي الذي لم يكن أوانها يفهم ويدرك أن الفتاة هي روح أخرى لا تصح حياة من دونها. حلب ليست هي حلب، وليس المكان هو محطة قطار، بل هو صالة الوصول الدولي، وصالة المغادرة. يدرك الكاتب أنه كلما مر على حلب أو على أي مكان آخر، يحضر مكانها الذي تركته فوق الغيوم، يتقمص الحاضر والماضي، يتقمص الأمكنة التي مررت بها وعرفتها، وهكذا تتداخل الذكرى وتتنامى وتصبح في كل مكان، طوفان الأبحر، حتى ان البحر المتوسط العادي الرائق الذي مرة ركبت سفنه، كان يشير إلى مكانها القريب، ولم يكن علي حينها إلا أن أقفز بضع خطوات كي أكون بجانبها. تضحك من أعماق قلبها الذي فرحه كان لا نهائيا، حين يهبط ليل المدينة علينا وكانت مصابيح النور تكشف درجات المبنى الذي يقود إلى المنزل الذي حين تصل إليه ترفع المفايتح كي تبحث عن مفتاح وحيد هو في قلبي. لماذا الآن هي ليست ذاك الماضي؟ ليست الماضي البعيد، بل الآن هي الحاضر الغافي الذي أغلق ماضي الحب وجعله صفحة مطوية لزمن آخر، هل يعود، أو يستعاد، والأمر كما أرى ليس كبيرا ليس إستعادة شيء كبير، الأندلس- بل هو أمر صغير… إستعادة ذلك الجزء الذي لم ينتبه له أحد، ولم يشغل بال الناس قط، ولو شاء الله لأعاده مرة أخرى وطرحه كما يطرح العواصف والأعاصير، أن نعود وندخل الدوامة التي ترفعنا نحو العلى، لنقترب من القمر الذي سنكتشف حينها أنه قمر مشاء، ونحن أكبر منه، ولا قيمة شعرية له، ومن دون نور، حيث نور وجهها هو الذي سينير الفضاء الواسع ويلهب النجوم وينشىء دروبا هي التي أمشي فيها.. نحو طريق الفن ف. تمشي أمامي وأنا أبتلع الوجود وأهضم الزمن، وأصرح بأنني آلة حبها التي تعبت، ويجب الراحة الآن ـ لبضع وقت ـ للصيانة والأكل والشرب، ولتدخين النوع الذي تحبه، وتطلبه دوما مني قائلة حين أقدم إليها: توقف في تلك الناحية وخذ لي كرتونتي مالبورو 100. أنظر إلى عينيها حين تفرغ جعبتي من الحياة ..وأتملى الوقع الوئيد لا مكان للكلمات وهي جافة والأحرف بله، ببعدها وأنا داخل القمرة التي تمضي نحو الغرب، يبقى طيفها بجانبي، أنظر إلى مساحات الشرق الواسعة، أقصد إلى الشجر، إلى خدها الأسيل الذي كنت أهيم بوضع أصابعي عليه، والذي حين ألمسه تتحول في الحال إلى أصابع من كحول. عينان واسعتان كما تقول القصائد، عميقتان فيهما حد السواد الذي حين أنظر فيه لا أرى إلا رقرقة لعينيّ الغريبتين تستنيران من عينيها ومن باطنها. وهي ككل امرأة. ذهبت. ولن تعود.