الفيتو اللغوي

مازال الناس يبرمون العقود كل يوم باستعمال اللغة، حتى في عصر صارت القوة الكبرى فيه للعقود الورقية، وفي عصر لم يعد للشفوي فيه قوة الإبرام التي للمكتوب. قوة الإبرام الشفوي هي في الحقيقة خصيصة المجتمعات الشفوية، ونقصد بها المجتمعات التي يكون فيها النشاط الشفوي هو المهيمن على أي نشاط مكتوب، أو قل يكون هو النشاط الوحيد الذي به تبرم الصفقات، ويكون للبيع وللشراء رقاعٌ شفوية بقوة الكلمة.
لا أحد يمكن أن يقول لنا متى أبرم البشر أول عقد شفوي، أي متى اتفقوا على أن تكون اللغة المنطوقة ميثاقا غليظا على شيء تعاهدوا عليه، وخاف أحدهم من الثاني أن ينقضه. ليس بالضرورة أن يكون لذلك الشيء الأول موضوع العقد الشفوي الأول قيمة في ذاته، المهم أن قيمته في المعاهدة التي أبرموها حوله. شيء ما يقول لي أن الملكية هي أصل كبير من أصول إبرام العقود بالكلام، في مرحلة من عمر التعايش السلمي متقدمة.
العقود وإبرامها، شكل متطور من التعايش لأن فيها خروجا عن همجية الحياة التي تسودها الفوضى، إلى نظام الحياة التي يسودها الوفاق. في الحياة المتوحشة شيء من الوفاق يكتسب بالمعرفة الغريزية من بينها مثلا التنازل عن الرغبة، خوفا أو طمعا، تنازلا يمكن أن يلحظ في مشاهد الصيد، فلا يمكن لذئب أن ينازل أسدا في صيده فريسته التي يمكن له طبيعيا أن يصطادها. تخلق الطبيعة ضربا من التعايش بأن يوجه كل كاسر عنايته في الصيد إلى حيوان يناسب قوته، ويناسب مقدار جوعه، ويترك ما دون ذلك أو ما جاوزه إلى غيره. الطبيعة ترسي قوانينها التي تساهم في التعايش على رقعة واحدة: هذا مظهر طبيعي من «الاتفاق» يطوره الوجود البشري ويقننه باللغة، لكنه قبل ذلك يقننه بالمواضعة. سنترك الحديث عن المواضعة التي هي أصل في قوة الإبرام إلى حينه، كي نعود إلى فرضيتنا، التي ذكرناها أعلاه، من أن الملكية قد تكون أصلا لإبرام أولى العقود الشفوية بين البشر.
تصورنا عن أنفسنا شيء ثابت فينا، وهو تصور في الغالب يجعلنا نرى أنفسنا محورا للكون في طفولتنا الأولى قبل أن تقل هذه المركزية الذاتية شيئا فشيئا بمفعول الوعي، بقدرات الذات وحدودها وباتساع دائرة الآخر اتساعا قد يستوعب ذواتنا مرة، وقد يبتلعها أخرى؛ تقل مركزية الذات لكن الأنانية الإنسانية Human Selfishness تظل ثابتة فينا.
عرف الفيلسوف وعالم الأخلاق البريطاني ريتشارد داوكينز، بنظريته حول الجينة الأنانية Selfish Gene وهي نظرية نابعة من نظرية التطور عبر الانتخاب الطبيعي لشارل داروين. في كتابه الصادر عام 1976 الذي يحمل عنوانا اسم النظرية: الجينة الأنانية؛ يعرف هذه الجينة بأنها «من مادة الكروموسومات التي من المحتمل أن تدوم لعدد كافٍ من الأجيال لتكون بمثابة وحدة للانتقاء الطبيعي». حين يتوالد البشر ويتكاثرون أو تتكاثر بقية الكائنات فذلك بفضل جُزَيْءٍ قادر – خلافا لجزيئات أخرى- على أن يتضاعف ويتكرر بأن ينشئ نُسخا منه. الأنانية في هذه الجينات شيء مطلوب للتكاثر والاستمرار في الوجود، لكن الأنانية التي في هذه الجينة تحدد بالنسبة إلى مقابل هو الإيثار Altruism وهو مجموعة أعمال يقدمها الفرد وتساعد على أن تعزز بقاء أفراد آخرين أو تساعد على تكاثرهم، شرط أن يكونوا من السلالة ذاتها. فعلى سبيل المثال «يكون قرد الرباح Baboon موصوفا بالإيثار، إن كان يساعد قردا آخر من فصيلته على أن يعيش برفاهية على حساب رفاهيته هو». الأنانية هي سبب التكاثر والتواصل، والإيثار هو سبب الاجتماع.

دائما ما يكون لنقض العقد المبرم بالكلام سلطة ما، أو قوة نافذة قد تستمد من مواضعة اجتماعية أو ثقافية هي ضرب مصغر مما يعرف اليوم في الأمم المتحدة بحق النقض أو الفيتو، الذي لا يملك العمل به إلا الدول القوية.

وبالرجوع إلى موضوعنا فإن إبرام أول العقود بالكلام في التاريخ كان بسبب التنازع بين قوة الأنانية الدافعة إلى الاستمرار، وقوة الإيثار الدافع إلى الاجتماع وتيسيره. الملكية التي افترضنا أنها أول ما سبب إبرام العقود الشفوية هي شيء أقرب إلى قوة الأنانية من جهة المتحوز عليها لكنها أقرب إلى الإيثار من جهة المتنازل عنها، أو المساهم في نقلها إلى غيره بالبيع أو بالمشاركة أو غيرهما.
يسمي النحاة قسما من الكلام الذي تبرم به العقود إنشاء إيقاعيا فهو إنشاء لأن له طابعا إنجازيا Performative بالمعنى الذي ذكره أوستين في محاضراته التأسيسية لأعمال القول Speech Acts، ونشرت في كتابه الذي يحمل عنوانا How to do things with words «كيف ننجز الأشياء بالكلمات». الإنشاء الإيقاعي يكون في شكل جمل تقريرية أو وصفية (وبعبارة البلاغيين تكون بأسلوب خبري لا إنشائي) لكنها لا تصف ولا تقبل لا تصديقا ولا تكذيبا فليس لها بعبارة أوستين قيمة صدق Truth Value.
وهذه الأقوال التي تسمى إنشاء إيقاعيا لا تقال في وضعية تساق فيها الأقوال لمجرد الحكي، بل هي أفعال لها طابع إنجازي أي ينجم عنها إنفاذ فعل أو إنشاء عمل من نوع البيع (بعتُكَ) أو الشراء من نوع (اشتريت) أو التزويج (زوجتك ابنتي) أو الطلاق (أنتِ طالق) أو الولاية (سميتك واليا) أو الخلع ( قد عزلناك) أو غيرها. الكلام الإنجازي من هذا النوع هو الذي جعل أوستين ينقض القسمة الثنائية البلاغية الكلاسيكية، التي تميز بين كلام خبري وإنشائي؛ هذا الضرب الإنجازي لا يمكن أن نقول عنه كاذب، بل نقول عنه إنه « غير موفق» أو غير سعيد.
تفتتح جلسات القضاء بقول: «فتحت الجلسة « وتختم بقول آخر: «رفعت الجلسة» وما زلنا نبدأ الحصص في التعليم وننهيها بفعل من هذا النوع، ومازال للكلام رغم كل شيء قوة إبرام في بعض أنشطتنا اليومية التي لا تكون فيها الملكية أمرا مهما. الإنشاء الإيقاعي أو الإنجازيات تبرم العقود، والإبرام ضرب من الإنشاء مقابل للنقض، ومن يبرم العقد هو الذي ينقضه هذا في الأصل.
سلطة الإبرام هي سلطة موزعة ولكل منا هذه القوة التي يمارسها بالكلام؛ هي التي نجدها في قول أب الزوجة قديما «زوجتك ابنتي» وفي قول الزوج «قبلت» غير أن نقض العقد المبرم قد يكون من طرف وحيد كما في تفرد الزوج قديما بالقول: «أنت طالق» يقولها للزوجة. حق النقض ههنا هو حق أوكل قديما للزوج دون سائر الأطراف الاجتماعية التي شاركت في الإبرام. دائما ما يكون لنقض العقد المبرم بالكلام سلطة ما، أو قوة نافذة قد تستمد من مواضعة اجتماعية أو ثقافية هي ضرب مصغر مما يعرف اليوم في الأمم المتحدة بحق النقض أو الفيتو، الذي لا يملك العمل به إلا الدول القوية.
حين نادت الشعوب العربية (ارحل) في وجه الزعيم الذي انتخبته بالأوراق بنسبة تفوق التسعين في المئة أحيانا، ورحل الزعيم كانت الصيغة جازمة (فعل أمر) وحين يعلن الرئيس تنحيه يستعمل لفظا يدل على قبوله بالنقض (قرر رئيس الجمهورية تنحيه) لكنه حين يريد المماطلة يمكن أن يقول «فاتكم القطار» أو (فهمتمكم) أو غيرها من العبارات التي تفهم في سياق رفض القبول بالتنحي؛ هو كلام من المنجزات الضعيفة التي تؤجل النقض، لكنها لا تحافظ على الإبرام الذي جاءت به الانتخابات. حتى تكون لك سلطة النقض عليك أن تكون مالكا لقوة الإبرام، ويكون كلامك الإنجازي نافذا وساريا؛ لكن السلطة الكليانية، إما أن تنتفع بالإبرام والنقض الكلييْن، وإما أن تفرط فيه كليا. الإبرام والنقض بالأقوال هما شيء تحكمه في الديمقراطيات مقولة الإيثار باسم الدولة، وتحكمه في الديكتاتوريات مقولة الذاتية الجينية التي تريد أن تنقل جينة السلطة إلى السلالة القادمة.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية