يُنظر إلى الفيروس على أنه طفيلي يصيب كل أشكال الحياة، والطفيلي يحيا على غيره، ويمتلك أسلحة الاختفاء والتقمص، والغزل على منوال ضحاياه من الخلايا، لإحكام السيطرة عليها، وتسخيرها لصالحه، فيتكاثر وينتج نسخا ضارة، متعددة من نفسه، تنتشر وتنقل العدوى، إلى شبكة من العوائل الجديدة، ويحقق إنجازه بنشر الوباء ثم الجائحة، بالسيطرة على امتداد جغرافي واسع في العالم. فالفيروسات بشكل عام على مدار التاريخ، كانت نموذجا مصغرا، لسلوك الاعتداء في عالم الإنسان الأكبر، وما يدور فيه على كافة مستوياته.
يُعرّف عالم المناعة بيتر ميداوار (1915- 1987 ) الفيروس بأنه «خبر سيئ مغلف في بروتين» في إشارة إلى المادة الوراثية في داخل الفيروس، فهي التي تحتل الخلية، وتنتحل آلياتها، وتسخرها لصالحها؛ من أجل تحقيق دورة التناسخ. ويرى العلماء بأن الفيروسات ليست في عداد الكائنات الحية، لأنها لا تمتلك الاستقلال الذاتي للقدرة على الحياة، ولكن هي «جسيمات لا تتمتع بأي أيض» كما يعرفها جان نيكولا تورنييه، وهو ما يتلاقى إلى حد ما مع البذور، التي تحتاج إلى حضانة التربة لتنمو، كما حاجة الفيروس إلى خلية يتفاعل معها ليحيا وينسخ حياته الضارة إلى أضرار متعددة، فلا حياة له بدون مضيف أو عائل. وهو ما يوصّفه أيضا الأصل اللاتيني لكلمة فيروس فيحيل إلى معنى «سام» و«مادة لاصقة سامة» أو «الغروي السام»، وكلها صفات تشي بالتطفل، وانتهاز الفرص للالتصاق، والاحتلال، والاستعمار، واستمداد الحياة من موت الآخر، كما تجسدها دورة حياته.
وتكتب الفيروسات سيرتها بسيرة ضحيتها – الإنسان- بما أنه هو الوحيد القادر على التدوين، في أرشيف الطب والأدوية، كما السير، ورواية التاريخ. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2002 ظهر الفيروس المسبب لمرض السارس، في «فوشان» في مقاطعة «جوانجدونغ» في أسواق المنطقة المطيرة من الصين. انتقل الفيروس من عائله «الخفافيش» إلى الإنسان، في بادئ الأمر انتشر بين أسر المرضى والعاملين في المستشفيات، ثم انتقل مع الطبيب المصاب إلى هونغ كونغ، الذي مكث في فندق «متروبول» وقبل وفاته بأيام قليلة، وخلال الأربع والعشرين ساعة التي أمضاها في الفندق، نقل المرض لما لا يقل عن سبعة عشر من النزلاء، الذين نقلوه بعد ذلك إلى خمسة بلدان أخرى، ومن ثم نشروا الوباء إلى كندا وفيتنام وسنغافورة، ولكنه انحسر سريعا بدون سبب واضح.
يمتد الوجه المجازي للفيروسات ودورة تناسخها وما تحدثه من أمراض في عالم الإنسان، ليتعالق بشكل مثير للدهشة مع الاستعمار الأوروبي، وما أحدثه من آثار مدمرة على البلاد المستعمرة، مثل نشر الأمراض، بالإضافة إلى اتخاذ الطب مبررا لشرعيته
ومن ناحية أخرى يُرجع الباحثون، أن هجوم الفيروسات على الإنسان، بدأ مع الثورة الزراعية، فيقول شلدون واتس في كتابه «الأوبئة والتاريخ» إن المعاناة من الفيروسات بدأت مع ظهور المزارعين المستقرين (خلافا لجامعي الجذور والصيادين) بين 10000 سنة ق.م (في آسيا) و9000 سنة ق.م (في مصر والهلال الخصيب). ويؤكد أن هذا التأريخ الزمني يتناسب بدقة مع المواعيد الزمنية الموضوعة لتطور وظهور أمراض العالم القديم. وكانت هذه الهجمة الشرسة مرتبطة ارتباطا مباشرا بتغير أسلوب الحياة، وخلق بيئة جديدة مساعدة لظهور الأمراض، فعلى سبيل المثال استبدلت المخيمات المتنقلة بمساكن ضيقة مزدحمة دائمة، داخل قرى مكتظة بالسكان، وظروف سيئة لتخزين الطعام، وتؤكد دروثي كروفورد، إن العامل الرئيسي في إدخال ميكروبات جديدة لأجساد المزارعين الأوائل، كان متمثلًا في قربهم من الحيوانات، التي كانت تحمل تركيبتها الخاصة بها من الميكروبات. فعلى مدار الأعوام استقرت الفيروسات في عوائلها، وتكيفت معها بمرور الزمن، وعليه فإن اختراق نظامها الأيكولوجي دفع بها إلى البحث عن عوائل جديدة.
وحديثا يخلص الكاتب العلمي ديفيد كومن في كتابه «الفيض»، إلى نتيجة مفادها، أن فيض العدوى يتوقف على السلوك البشري، ويسترشد بالتغير في معدلات نقل العدوى بين الرجال المثليين في أمريكا، وعامة السكان في أوغندا، أو بين العاملات في الجنس في تايلند، ففيروس نقص المناعة البشري، والفيروس المكلل المسبب لسارس، دخل المجتمع البشري، عندما صيدت عوائله الطبيعية «القرود والخفافيش» وقتلت من أجل الاستهلاك، نتيجة سلوكيات معينة أو ممارسات ثقافية. ويشير إلى أن نقل العدوى يتوقف على وجود الناشرين الفائقين لها، وعلى سلوكهم الذي يمكن أن يكون متنوعا، فضلا عن سلوك الناس الآخرين حولهم، وهو ما يؤدي إلى تشكيل شبكة فائقة لنشر العدوى، بخليط متشابك من الأشخاص والسلوكيات، ويصف ذلك بالمصطلح الرياضي الأيكولوجي لتنوع السلوك هو «تغاير الخواص» Heterogeneity ويعني ذلك ببساطة شديدة، أن السلوك الفردي بحد ذاته يمكن أن يسهم بشكل كبير في إعادة رسم خريطة انتشار العدوى أو كبحها، وهو ما يشبه إلى حد كبير مفهوم أثر الفراشة.
ويمتد الوجه المجازي للفيروسات ودورة تناسخها وما تحدثه من أمراض في عالم الإنسان، ليتعالق بشكل مثير للدهشة مع الاستعمار الأوروبي، وما أحدثه من آثار مدمرة على البلاد المستعمرة، مثل نشر الأمراض، بالإضافة إلى اتخاذ الطب مبررا لشرعيته، وانتشار مقولات من قبيل «إن العذر الوحيد للاستعمار هو الطب». ويرى الكاتب ديفيد أرنولد في كتابه «الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية» أن الأوربيين في أجزاء كثيرة من الكرة الأرضية، سببوا بالمعنى الحرفي للكلمة، تأثيرا قاتلا في المجتمعات المحلية. فيرى أن القرن التاسع عشر أتى ومعه الاختراق الأوروبي التجاري والسياسي، وخلق البنية التحتية الاستعمارية، والطرق والسكك الحديدية ومنظومات الهجرة العمالية والتجنيد العسكري، والإدارة المدنية، وأدى ذلك إلى اختراق الموانع السواحيلية، وتدمير تأثير ما كان يسمى الانعزال الصحي، الناتج عن طول المسافات وبطء النقل البري، بما لهما من تأثير وقائي بالنسبة لانتشار الأمراض المستوردة. ويشخص الكاتب بدقة حالة انتشار الملاريا، والاستعمار كعامل رئيسي لها، فيقول «إننا نجد بالمقياس الأكبر أن طبيعة الاقتصاد الاستعماري، هي والتغيرات الأيكولوجية التي يجلبها الاستعمار، أو يعجل بها قد تكون لها تأثيرات في الصحة العامة، بحيث تنتشر هذه التأثيرات لمدى أبعد، أو تظل باقية لزمن أطول، وهكذا فإن ما حدث من توسع في قنوات الري وإنشاء جسور السكك الحديدية، أدى إلى إيجاد المأوى الملائم للبعوض حامل الملاريا في الهند»، ما يبين التسبب في إعاقة كاملة لهذه المجتمعات، ممتدة آثارها إلى الآن، فسخر ودمر بنيتها الحيوية لصالح أطماعه ومصالحه الاقتصادية.
ويعرّف دستور منظمة الصحة العالمية الصحة، «بأنها حالة من المعافاة الكاملة بدنيا وعقليا واجتماعيا، لا مجرد انعدام المرض أو العجز»، وهو ما يؤكد أن الصحة هي مؤشر إجمالي لصحة السياقات الأخرى، التي يحيا فيها الإنسان. فظهور الفيروسات من حين إلى آخر على مسرح العالم، يجسد فصلا جديدا من قصة ما، وتنسحب تاركة خلفها أسئلة عن ماهيتها، وعن العجز الإنساني أمامها، وتعيد طرح سؤال الإنسان بقوة على الأنظمة المسؤولة عنه، وتختبر رصيد الإنسانية عند الجميع. فما تحدثه الفيروسات من أوبئة هي فقط الظاهر من جبل الجليد، الذي يخفي تحته طبقات عميقة من اختلال التوازن، على كافة المستويات في المجتمعات الإنسانية. فعوامل الفقر والمرض والحروب والفساد، تخلق بيئة المرض وتجذبه إليها بكافة أشكاله، وبيئة التفاوت وانعدام العدالة، والتهام الإنسان بمعيار الربح، تخلق بيئة الأزمات والاختلالات العميقة في المجتمعات، وكلها نسخ مكررة من اختلال التوازن في الطبيعة، فبيئة مريضة تنمي كل ما هو شاذ ومريض، تكون عائلا مثاليا لأقوال تكرس لأوضاع غير طبيعية مثل قول توماس مالتوس (1766-1834 ) «إننا نؤذي الفقراء بمحاولتنا مساعدتهم، وإن أفضل هدية نقدمها للجماهير هي تحريرهم من وهم أن لهم حقا في الحياة» وبعض ما نراه من سلوكيات على الشاشات يوميا في مواجهة أزمة كورنا ـ كوفيد 19، يجسد هذا الشذوذ ويستهلكه، ولكنه في النهاية سيندثر، كما كل سلوك لا يعبأ بمركزية الإنسان كأولوية كبرى، لأن كل شيء ما عدا الإنسان باطل.
٭ كاتب من مصر