في هذا الفيلم الذي تم إنتاجه عام 2020 نحن أمام عمل فني يضع الحب في مرتبة أعلى من كل الحواجز التي تحاول ان تختصر علاقات البشر في أطر ضيقة جدا بما هم عليه من ألوان وهويات، لتخنق فطرتهم المجبولة على التفاعل والتواصل مع غيرهم من البشر. وعلى مدى 90 دقيقة يتملكنا احساس جارف بامكانية التعايش معا، رغم ما نحن عليه من اختلاف في انتماءاتنا الدينية والثقافية والعرقية، وما جاء من سردية في ترسيمة هذا المُنتَج السينمائي، يأتي معبأً برؤية واقعية قصدها الذهاب إلى رفض فكرة الاجتثاث والتطهير التي تمارس بحق الإنسان من قبل قوى مهيمنة على الحياة، دينية وسياسية وثقافية، ودائما ما تحاول ان تضعه في زوايا ضيقة جدا أشبه ما تكون بمعسكرات اعتقال، جدرانها مبنية من ايديولوجيات متطرفة، تدفعه بالتالي إلى ان يعيش بقية حياته يتجرع مرارة هذه التجربة، كما بدت عليه شخصية روزا التي أدتها النجمة صوفيا لورين (1934) .
ترغمنا محمولات هذا الفيلم الإنسانية على ان يستيقظ وعينا بينما نكون في حالة انشداد ونحن نتابع بمشاعرنا علاقات متداخلة ومتفاعلة بين شخصيات يهودية ومسلمة ومسيحية وأوربية ومشرقية وأفريقية. وليس بوسعنا ان نفلت من شباك لحظة مشبعة بالحنين ونحن نستذكر العصر الذهبي للسينما الايطالية، خمسينيات القرن الماضي نظرا لما ابتكره مخرجوها أسلوب واقعي في رؤية الموضوعات التي كانوا يتصدون لها وهم يتعاملون مع مجتمع محطم في بنيته المادية والمجتمعية، بعد ان خرج مهزوما من الحرب العالمية الثانية، فراهنوا على تقنيات جمالية متخلين فيها عن مزاج البذخ في الصناعة الهوليوودية وأوهامها الزائفة، ومالوا إلى ملامسة ايقاع الحياة الواقعية كما بدا عليه أسلوب هذا الفيلم. وعودة صوفيا لورين، أبرز نجمات تلك الفترة منحتنا في عدد من المشاهد ما ينبغي ان يحدثه الفن السينمائي من اثر عاطفي على وجدان المتلقي، وهذا جزء من سحر هذه الممثلة في كونها تعرف كيف تقف أمام الكاميرا بشكل لا تسمح فيه للمتلقي في ان يرمش له جفن، ولم يكن جمالها الفريد هو الذي يغري عشاق السينما إلى الهوس بأفلامها، بقدر ما كانت جاذبيتها في الأداء، وما تبثه من طاقة انفعالية للتعبير عن دواخل الشخصيات التي تضطلع بتأديتها وما تمر به من تحولات درامية. وايَّاً ما كانت الأفلام التي ستتنافس على الأوسكار هذا العام فلا شك ان صوفيا لورين ستحل في مقدمة المرشحين المتنافسين على الجائزة عن دورها وأدائها المدهش في هذا الفيلم، خاصة وانها تخطت عتبة سن السادسة والثمانين، وما زالت تملك سحرها الخاص على الشاشة.
جراح الماضي
تؤدي لورين تحت قيادة ابنها المخرج ادواردو بونتي شخصية روزا، المرأة اليهودية المتدينة، التي سبق لها ان عملت عاهرة في شبابها، ولكنها بعد ان دخلت مرحلة الشيخوخة، وجدت نفسها مهتمة برعاية أطفال العاهرات في بيتها أثناء غياب أمهاتهن، مقابل أجور زهيدة تساعدها على سداد تكاليف معيشتها، فتبذل جهدها في تعليمهم، وتمنحهم ما يحتاجونه من حنان يفتقدونه. وفي مقابل هذا هناك ماض بعيد يقبع في أعماقها يعود إلى أيام الحرب العالمية الثانية يدفعها إلى عدم الشعور بالأمان، حيث عاشت في شبابها تجربة قاسية داخل معسكر «اوشفيتز» المخصص لاعتقال اليهود، وهذا ما يدفعها إلى ان تنزل دائما إلى قبو تحت منزلها لتنفرد بنفسها، كما لو انها تحاول ان تتخلص من تلك الآلام ما ان تجلس في مكان موحش وبارد ومعزول يذكرها بأقفاص الأسر. وهذا الارتداد الزمني في بناء شخصيتها ضمن حبكة الفيلم، يحمل إشارة لحجم العذاب المدفون في داخلها، لكنه بدل ان يتحول إلى طاقة سلبية انقلب إلى اهتمامٍ مفرط بالأطفال المحرومين من رعاية الوالدين، وهذا ما تجلى في موقفها من الطفل المسلم الأسود السنيغالي «مومو»الذي أدى شخصيته بشكل لافت للنظر الممثل ابراهيم غوي، هذا الطفل صادف في إحدى المرات ان خطف حقيبتها وهرب بها، ولكن صديقها الدكتور كوين الذي كان قد تكفل برعايته يعيد إليها حقيبتها، ويطلب من مومو ان يعتذر لها، لكنه يفاجئها عندما يطلب راجيا منها الموافقة على ان تتولى الاهتمام به بدلا عنه، لانها قادرة بحنانها على ان تضبط شراسته التي أتعبته كثيرا، رفضت الأمر لانها لاحظت في الطفل ملامح شخصية مستفزة عصية على الترويض، وبعد جهد ينجح دكتور كوين في اقناعها مقابل ان يدفع لها الأجر الذي طلبته، إلاَّ ان التحول الدرامي ينعطف بمسار القوس العاطفي للحكاية عندما تتدهور صحة روزا، تكون فيها حالتها أقرب إلى الغيبوبة، وهنا تتطور العلاقة بينها وبين الطفل مومو، فتكشف ردود أفعاله تجاهها عن شخصية عاطفية لديها الاستعداد لان تتحمل المسؤولية في لحظات الشدة، وبحاسة الأمومة تكتشف ما يحمله مومو في داخله من قوة ونُبل، ولهذا تطلب منه ان لا يتخلى عنها أبدا إذا ما أرغموها في لحظة ما على دخول المستشفى، وبناء على الوعد الذي قطعه معها يغامر في التسلل إلى غرفتها التي احتجزت فيها داخل المستشفى بعد ان تدهورت صحتها، وينجح في تهريبها وإعادتها إلى بيتها واخفائها في القبو الذي كانت تحرص على ان تركن إليه، ويواصل رعايتها إلى ان تفارق الحياة.
لغة الكلام وليس العنف
سيناريو الفيلم كان موفقا في رسم شخصية الطفل السنغالي إلى الحد الذي لا يمكن للمتلقي الاَّ ان يتطلع إليه بدهشة وهو يحاول ان يفرغ ما بداخله من غضب وعنف بسبب حياة الحرمان التي عاشها، بعد ان وجد نفسه مشردا نتيجة اقدام والده على قتل والدته لانها رفضت الاستمرار في العمل بمهنة البغاء، ويحب هذا الطفل ان ينادونه باسم مومو وليس محمد لانه كما يعتقد اسم طويل، وهذا ينسجم مع طبيعته النزقة التي تدفعه إلى الانجذاب لحياة الشوارع، والهرب بشكل دائم من ملجأ الأيتام والانجراف في أعمال السرقة والعمل لصالح شخص يتاجر بالمخدرات بين أوساط الشباب، وكان يسعى من وراء ذلك إلى ان يتم التعامل معه من قبل الآخرين باعتباره رجلا وليس طفلا، ولهذا يرفض النصائح التي يتلقاها من العربي المسلم صاحب المتجر «أدى شخصيته الممثل الإيراني باباك كريمي، بعد ان طلبت منه روزا ان يساعده مومو في عمله، لكنه ينجح في ما بعد أثناء ما كان يعاونه في إعادة نسج الأماكن المعطوبة في قطع من السجاد الثمين يحتفظ بها في متجره، من ان يقنعه بان لغة الكلام أكثر تأثيرا من الفعل العنيف مع من يختلف معهم، والدلالة الرمزية هنا واضحة ما بين إعادة السجاد الثمين إلى حالته الطبيعية واقتناع الطفل بحكمة صاحب المتجر.
الفيلم يشير في مبناه الدلالي إلى واقع إنساني حافل بتنوع الثقافات والأعراق، وعبَّر عنه بلغة شفافة، مبتعدا عن المباشرة، كما هو شائع في أسلوب كثير من الأفلام التي تناولت هذه القضية، والانحياز إلى لغة الإيحاء يتوخى ترسيخ القيم الجمالية التي ينبغي ان تكون حاضرة في بنية العمل الفني إذا ما تصدى لأية موضوعة يبدو فيها التمايز العرقي والثقافي حادا ومتقاطعا بين أطراف الصراع، ولانَّ الفيلم التزم بهذه القاعدة الذهبية، نجح في ان يكسب ثقة المتلقي، ولم يعد يعنيه كثيرا ان روزا امرأة يهودية والطفل السنيغالي مسلم وصاحب محل البقالة عربي والمرأة المتحولة صديقة روزا مسيحية. بمعنى ان الفيلم لم يتعامل مع هذا التنوع على انه مدعاة لإثارة الشبهات والقلق ما بين شخصياته، ونجح في نقل هذه الفكرة إلى المتلقي، فأصبح الاثنان،الشخصيات والمتلقي، يقفان عند نقطة مشتركة واحدة، وبذلك تخلى في أسلوب تصدير رسالته عن الانسياق وراء جمل مباشرة عادة ما يتم تداولها في الأعمال الفنية سواء كانت لفظية أم صورية، وغالبا ما تفضي إلى تبديد الحس الجمالي للعمل والنزول به إلى مستوى فني متدن، لان من طبيعة العمل الإبداعي ان يخلق عالما واقعيا ومنطقيا، بشخصياته وعلاقاته ولغته، حتى وإن كان عالما متخيلا ويبدو في ظاهره لا واقعيا ولا منطقيا، فالمهم ان لا يتورط في تكوين محاكاة فوتوغرافية غير ناضجة لهذا العالم، فالفنون بكافة أشكالها وصيغها، عبارة عن نشوة ذهنية تتماهى فيها الأفكارالعواطف .
مخرج الفيلم كان حريصا على ان يقدم لنا عملا فنيا مشحونا بالشجن، ومن هنا عمد إلى ان يكون السرد متناوبا بين روزا والطفل مومو، فجاء هذا الأسلوب متناغما مع فكرة التفاعل والتلاحم بين الشخصية الساردة والزمن الذي تستعيده من وجهة نظر ذاتية، بالتالي انعكس على قضية التلقي عند المشاهد، إذ تشكلت بناء على هذه التقنية حالة من الحميمية بينه وبين الشخصيات، خاصة وان جميعها كانت تتحرك في مساحة من البناء الفني تبدو فيها عاطفية وخالية من القسوة والتطرف في مواقفها وانفعالاتها.
بين النسخة الاولى والثانية
سبق للرواية التي اعتمدها الفيلم، ان تحولت إلى شريط سينمائي عام 1978 من قبل الكاتب والمخرج موشيه مزراحي، وأدت شخصية روزا الممثلة الفرنسية سيمون سينوريه، واستحقت عن ادائها جائزة الأوسكار، ومن شاهد النسختين سيجد عدة تغييرات قد اجريت على المعالجة السينمائية الجديدة، وكان للتعاون بين الكاتب اوغو تشيتي والمخرج ادواردو بونتي أثر كبير في إنتاج فيلم يختلف في أسلوب تناوله السردي لموضوعة الرواية عن النسخة الأولى، وإذا كانت باريس قد تحولت إلى مدينة باري الايطالية، والطفل مومو من جزائري إلى سنيغالي في النسخة الحديثة، فمن وجهة نظرنا هذه التغيرات تبدو شكلية ولم تتعرض إلى تغيير المحتوى الجوهري لخطاب الرواية، فالنسختان حافظتا على الإطار الاجتماعي الإنساني الذي يلقي بظلاله على الشخصيات.