الفيلم الأمريكي “البروفيسور والمجنون”: اللغة في أنقى ذروتها والنَّفْس البشرية في أقسى عذاباتها

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

السرد السينمائي بامكاناته البصرية يتفرد عن بقية الفنون في استظهار البواعث الداخلية للأشياء والإمساك بالزمن، وما تتوفر عليه سيمياء الصورة من مخزون تقني تمنحها القدرة على أن تأخذ بالمتلقي إلى رحلة جمالية في مجاهيل النفس البشرية بما تختزنه من أحاسيس، وعلى ذلك يحتاج الفن السينمائي إلى شخصيات استثنائية في موهبتها تتسم بروحٍ مغامرةٍ تؤهلها لاكتشاف مادة خام تصلح لبناء عالم فني يستولي على مشاعر المتلقين بدلالة عناصر خطابه البصري والسمعي، هذا ما يبدو في إصرار الممثل ميل غيبسون على ان يشتري حقوق رواية “جراح كروثورن” للمؤلف سيمون وينشستر حال صدورها عام 1998 والرواية تتوغل عميقا في تفاصيل حكاية شخصيتين لعبتا الدور الرئيسي في تأليف قاموس اكسفورد الذي صدر عام 1884 وقد اتسم الإثنان بالغرابة، أحدهما سجين متهم بجريمة قتل ومصاب بلوثة جنون، والآخر ضليع باللغة ولم ينافسه بموهبته حتى أساتذة اكسفورد مع أنه لا يملك شهادة جامعية.

فيلم “البروفيسور والمجنون” من إنتاج شركة “فولتيج بكتشرس” عام 2019 واشترك في كتابة السيناريو مع المخرج فرهاد سافينيا، الممثل ميل غيبسون، وتود كومارينسكي. أما عن التمثيل فقد تولى أداء الشخصيات الرئيسة كل من: ميل غيبسون، شين بن، ناتالي دورمر، ادي مارسان، جنيفر أهل، جيرمي ايرفين، ديفيد اوهارا، إيوان جروفود، ستيفن ديلان، ستيف كوغان.

يبدأ الفيلم داخل محكمة انكليزية عام 1874 حيث تجري وقائع محاكمة متهم أمريكي لاجئ في انكلترا اسمه وليم شيستر ماينور (يمثل الشخصية شين بين) كان يعمل طبيبا إضافة إلى كونه يحمل رتبة نقيب متقاعد في الجيش الأمريكي، وتوجَّه إليه المحكمة تهمة قتل رجل عن طريق الخطأ لم يكن بينهما سابق معرفة.

حكاية الفيلم

أثناء الحرب الأهلية الأمريكية يُقْدِم الطبيب والنقيب في الجيش ماينور على معاقبة أحد جنوده بعد أن حاول الهرب من المعركة، فيمسك بقطعة حديد ساخنة ويكوي بها خده لتترك عليه أثرا بارزا. في ما بعد تمضي حياة النقيب في مسار مضطرب، حيث لم يعد يشعر بالأمان بعد أن توعده الجندي بملاحقته وتعذيبه وقتله انتقاما منه، فتحول شعوره بالخطر إلى كابوس يطارده في اليقظة والمنام، وأطاح به في دوامة هواجس مرعبة جعلت حياته مستباحة بمشاعر الهلع والخوف. ولم يجد مفرا للخلاص من هذا العذاب إلاّ بالهرب من وطنه وطلب اللجوء في انكلترا. وفي ليلة مشؤومة استيقظ ماينور من النوم تحت ضغط شعور داهمه بأنه سيتعرض للملاحقة من قبل الجندي الذي وشم خده وسيعثر عليه وينال منه، ولأجل أن يحبط مسعاه أخذ مسدسه وخرج إلى الأزقة باحثا عنه لربما يعثر عليه فيباغته ويعجل بقتله قبل أن ينال منه، ولأنه كان يعيش صراعا نفسيا حادا أحاله إلى مخلوق مشوّش الذهن تتداخل في عقله الأشياء الحقيقية مع المتخيلة، يجد نفسه يقع في خطأ فادح سيحيل حياته إلى مِداد من ندم. ففي أثناء اندفاعه المحموم بين الأزقة باحثا عمن يسعى لقتله، يرسل القدر في طريقه شخصا عابرا فيظنه الجندي فيطلق عليه الرصاص ويستمر في مطاردته حتى يتمكن منه أمام باب بيته وعلى مرأى ومسمع من زوجته التي فتحت الباب بناء على صرخات زوجها واستغاثاته راجيا منها أن تفتح له لكي ينجو من شخص غريب الأطوار يطارده ويسعى لقتله. وبعد أن حضر رجال الشرطة وتمكنوا من القبض عليه نظر إلى جثة القتيل فإذا به ليس الجندي الذي كان قد توعده بالقتل. فيتضاعف إحساسه بالذنب والندم بعد أن يجد نفسه قد حطَّم عائلة القتيل المكونة من زوجة شابة وأطفالها الستة وانتهى مصيرها إلى جحيم اليتم والبؤس والفقر، حتى انها وتحت ضغط حاجتها لإطعام أطفالها تضطر ان تمتهن الدعارة، لكنها ترفض عرض القاتل الذي قدمه لها تكفيرا عن ندمه وشعوره بالذنب بأن تقبل استلام نصف راتبه التقاعدي الذي يتقاضاه من الجيش الأمريكي. والمحكمة من جانبها تجد ماينور مصابا بالجنون، فتصدر حكمها بحبسه في زنزانة آمنة في مصح خاص بالمختلين عقليا. لكن حالته الذهنية تتدهور داخل الزنزانة، ويتفاقم إحساسه بأنه مطارد من قبل ضحاياه (القتيل والموشوم) وتفشل كل محاولاته الاحترازية التي يلجأ إليها من أن تمنع أشباح ضحيتيه من النفاذ إلى زنزانته، فتجتاحه بين فترة وأخرى نوبات عنيفة من الهلوسة والهستيريا فيبدأ بضرب رأسه بقبضة يديه وهو يصرخ هلعا تعبيرا عن صراع نفسي حاد يعيشه بفعل إحساسه العميق بالذنب والندم، وحتى عندما تسامحه أرملة القتيل وتميل إليه عاطفيا بعد ان تزوره أكثر من مرة في السجن وتتأكد من أنه صادق في شعوره بالندم لم يجد القدرة على أن يسامح نفسه، فيلجأ خلاصا من هذا العذاب إلى قطع عضوه الذكري. ازاء هذه الحالة النفسية المركبة التي بدا عليها ماينور، يقرر الطبيب المختص برعاية السجناء ان يتخذ من حالته مادة للدراسة فيتعامل معه باعتباره عيِّنةً مرضية، فيجري عليه تجارب للعلاج علّهُ يتوصل إلى نتائج علمية تمكنه من معالجته، لذا يجد في مسألة انشغاله بالرسم إحدى طرق العلاج التي جعلته يميل إلى الهدوء على اعتبار أن الرسم وسيلة ناجحة لاستخراج ما بداخله من مشاعر.

إلى جانب هذا المسار الحكائي هناك آخر يسير بموازاته يدور حول شخصية جيمس موراي الشغوف باللغة الإنكليزية (مثلها ميل غيبسون) كان قد ترك الدراسة في الرابعة عشرة من عمرهِ، لعدم قدرة والده تاجر الكتان على تحمل تكاليف دراسته، لكن موراي لم يتوقف عن تعليم نفسه بنفسه، فأتقن إلى جانب الانكليزية اللاتينية والفرنسية والإيطالية والعربية والآرامية، كما تعلم التحدث بشكل جيد اللغتين البرتغالية والروسية ولغات أخرى، وبقي يعمل في أحد المصارف إلى أن جاءته الفرصة التي كان ينتظرها بشغف عندما كلفه مجلس جامعة اكسفورد بتحرير الطبعة الأولى من قاموسها الخاص باللغة الانكليزية، إلاَّ ان أثنين من أعضاء المجلس عارضا تكليفه وناصباه العداء، وسعيا لإفشال مهمتهِ. افتتح موراي عمله بمناشدة جميع البريطانيين ان يراسلوه حول معرفتهم بالكلمات التي يستعملونها في حياتهم اليومية، ويخبرونه عن جذورها. فتطوع عدد كبير منهم لمساعدتهِ وأرسلوا له رسائل تتضمن ما يعرفونه من كلمات، ونظرا لحجم المسؤولية والعدد الهائل من الرسائل أضطر إلى بناء سقيفة في حديقة منزلهِ لتكون مقراً لعمله مع مساعديه.

بينما كان ماينور يقضي عقوبة الحبس في مستشفى الأمراض العقلية اطلع على الدعوة التي وجهها موراي إلى الشعب الانكليزي، فتملكته رغبة قوية في أن يوظف معرفته باللغة بهذا المشروع الذي أعاد له توازنه الذهني والنفسي، حتى انه تخلى عن الرسم ووصل عدد الكلمات وجذورها التي ساهم بها إلى عشرة آلاف كلمة، وتمكن بما يمتلكه من سعة اطلاع بقراءة الكتب ومن معرفة باللغة من ان يعالج أصعب المواقف التي استعصت على أستاذ اللغة موراي ومساعديه، وهذا ما استثاره وحفَّزه لان يوجه له كلمة شكر خاصة ثبتها في مقدمة المجلد الأول من القاموس، وهنا يستثمر عضوا المجلس اللذان ناصباه العداء وجود اسم ماينور على القاموس وهذا ما عرّض الأستاذ موراي إلى الانتقاد من قبل بقية أعضاء مجلس الجامعة، ورغم ذلك يتم منحه درجة الدكتوراه الفخرية. وتعاطفا مع السجين وتثمينا لجهده الكبير يقرر البروفيسور موراي الاستقالة من عملهِ على تأليف القاموس، والسعي بكل السبل القانونية من أجل إطلاق سراح السجين ماينور وينجح في مهمته، ومن ثم يعود لإكمال عمله في إنجاز سلسلة القاموس بأثني عشر مجلداً بطلب من مجلس الجامعة، لتمنحه ملكة انكلترا لقب فارس تثميناً لجهده.

تقنيات المخرج

من الناحية الفنية يأتي هذا الفيلم ليضاف إلى قائمة الأعمال التي تستحق ان ترتقي إلى منصة الترشيح إلى الجوائز الكبرى، فمن الناحية الإخراجية يمتاز عمل المخرج فرهاد سافينيا بقدرته على إحداث ما يمكن وصفه بمناخ من المشاعر الدافئة التي تتجه إلى كسب تعاطف المتلقي مع جميع الشخصيات الرئيسية باعتبارهم ضحايا (ماينور المجنون، أرملة القتيل، القتيل، الأطفال، الجندي صاحب الوشم) كما أشاع في مقابل ذلك جوا خفيفا يبعث على الابتسام في جميع المشاهد التي تظهر فيها شخصية البروفيسور، مستثمرا بذلك ما يمتلكه ميل غيبسون من قدرات في الأداء الكوميدي، ليكسر من خلاله حدة وقتامة العالم الذي يحيط بشخصية ماينور، كما أن اعتماده على المونتاج المتوازي ما بين عالم البروفيسور والمجنون كان موفقا في الأخذ بالمتلقي إلى زمنين دراميين تتوفر فيهما حالتا صراع مختلفتين، صراع داخلي عند ماينور المصاب بالجنون وصراع زوجة القتيل مع ذاتها للوصول إلى حالة التسامح والحب مع من قتل زوجها، وهناك صراع خارجي يخوضه البروفيسور مع اللغة ومع البعض من أعضاء مجلس جامعة اكسفورد. وصراع زوجته معه لأجل الحفاظ على استقرار عائلتها في بيئة جغرافية ثابتة وان لا تضطر للتنقل بين فترة وأخرى من بيت إلى آخر.

أداء الممثلين

إذا ما توقفنا عند أداء الممثلين، فإن الحديث سيطول، لأن الفيلم وضعنا أمام كتيبة ساحرة تنافست في ما بينها لتقديم جرعة دسمة من الأداء تظافرت فيها تقنيات التعبير الجسدي والصوتي لخلق شخصيات الفيلم، ولاشك إن الممثل شون بن (مواليد 1960) في أدائه لشخصية ماينور سيأخذ الحيز الأكبر، كما عودنا في الشخصيات المتنوعة والمختلفة التي قدمها في أفلامه السابقة، وما قدمه من أداء يؤكد مرة أخرى على أننا أمام واحد من أهم الممثلين الأمريكان المعاصرين، بما لديه من امكانية على التخييل في خلق “كاركتر” للشخصية التي يتلاشى فيها وهو يتقمصها. إنَّ شون بِن يوظف طاقته الجسدية بشكل خلاق للتعبير عن التحولات النفسية الداخلية التي تمر بها الشخصية الدرامية، وهذا الحضور الآسر في خلق ملامح الشخصية ليس بجديد على ممثل سبق له ان نال جائزة الأوسكار عام 2003عن دوره في فيلم “Mystic River” وجائزة “غولدن كلوب” عام 2004. أما الممثل ميل غيبسون (مواليد 1956) فقد وضع قدراته كممثل يمتاز بالحيوية والنشاط أمام امتحان عسير عندما قبل ان يؤدي شخصية البروفيسور موراي والتي تتناقض بطبيعتها العفوية والمرحة مع التركيبة الدرامية المعقدة لشخصية ماينور التي أداها الممثل شين بن، ولكن غيبسون بما يمتلكه من خبرة تمكن من الإمساك بتفاصيل صغيرة منحت أداءه ملمسا جميلا لدى المتلقي وخلق بذلك بحضوره “ميزان سين” الأداء التمثيلي في هذا الفيلم.

أما عن المخرج الأمريكي الجنسية فرهاد سافينيا (الإيراني الأصل) فلديه أدوات المخرج الموهوب وقدر عالٍ من الاحتراف في إدارة الممثل وهذا امتياز يمنح من يتعامل معه مساحة من الحرية للإمساك بمفتاح الشخصية حسب تعبير المعلم ستانسلافسكي في كتابه إعداد الممثل، ومن ثم الدخول تحت جلدها وتقمص أحاسيسها وإظهارها بشكل إيحائي كما لو انها أحاسيس عفوية، وهذا ما تجلى بشكل بارز في أداء الممثلات ناتالي دورمر بشخصية الأرملة، وجينيفر إيلي بشخصية زوجة البروفيسور، والممثل إدي مارسان بشخصية حارس السجن، وانتوني اندروز بشخصية عميد جامعة اكسفورد.

يشار إلى أن خلافات حدثت بين المخرج وميل غيبسون من جهة وشركة الإنتاج من الجهة الأخرى بعد أن رفضت الشركة طلبهما تصوير مشاهد في جامعة اكسفورد متذرعة بأن فريق الفيلم قد تجاوز السقف الإنتاجي، وهذا ما دفع المخرج إلى ان يضع اسما مستعارا ” SHEMRAN   p.B” بدل اسمه في التايتل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية