فيلم “تيسلا” للمؤلف والمخرج مايكل الميرادا إنتاج 2020 ينتمي من حيث التجنيس الأسلوبي إلى أفلام الدراما الوثائقية؛ وهذا النوع يحسب على الأفلام الروائية بقدر ما يحسب على الوثائقية، لكنه يبقى فيلما روائيا، لأن الحيز الأكبر من بنية الفيلم اعتمدت الإجراءات السردية الخاصة بالفيلم الروائي، مع استعادة الأحداث الحقيقية كما وردت في المصادر التاريخية، كما هو شأن الأفلام الوثائقية، ومن هنا تبدو صعوبة المهمة أمام صناع الفيلم، أولا لأنهم يضعون انفسهم في منطقة أقرب إلى التجريب وابتكار حلول فنية غير مستهلكة، وثانيا لأن التاريخ دائما ما كان ملتبسا من حيث دقة التفاصيل والأحداث.
في هذا النمط السينمائي لا يغامر كاتب السيناريو بالاتجاه نحو اغراءات التخييل والافتراض للوقائع التاريخية، وعادة ما يتألق حضوره الإبداعي في مدى قدرته على ان يكون بناء الفيلم قائما على تأكيد الحقائق التاريخية المعروفة، وكلما اقترب من التناغم مع هذه الفكرة المحورية كلما بدا خطابه أكثر مصداقية، وحقق جانبا حيويا من رسالة الفيلم في أن يكون على قدر كبير من الأمانة، وهذا ما حصل مع شخصية تيسلا التي تراجع حضورها في المشهد التاريخي أمام الاستحواذ الكبير الذي ناله توماس اديسون، رغم ان اديسون نفسه قد أخذ منه ما يزيد عن 17 براءة اختراع واستثمرها تجاريا لصالحه.
من يكون تيسلا؟
نيكولا تيسلا (1856 – 1943) من أصول صربية جاء إلى أمريكا مهاجرا من قرية في كرواتيا وهو يحمل في داخله آمالا علمية كبيرة، ومعه رفيقه الذي لم يتخل عنه لأنه آمن بعبقريته، وللوهلة الأولى اعتقد أن عمله مع شركة اديسون للأشغال الميكانيكية سيوفر له مثل هذه الفرصة، لكنه اصطدم بحقيقة اديسون، إذ لم يكن يتوقع ان يكون على تلك الصورة من الاندفاع ناحية الثراء من وراء أفكاره، دون ان يعير أهمية لأي قيمة إنسانية في تلك المخترعات، وبدا له في صورة شخص متبلد المشاعر، لديه رغبة في جمع المال عبر تحويل الأفكار إلى مشاريع استثمارية فقط، ولا ضير ان يتحول الإنسان إلى حقل تجارب لمخترعاته، وهو في الحقيقة يمثل في عقليته نموذجا للعقلية الرأسمالية في وجهها القبيح إلى الحد الذي تختفي أمام رغباته الحدود بين الحياة والموت، فالغاية بالنسبة له أولا وآخرا ان يحقق الأرباح، وهنا نقطة الخلاف بينهما، والتي جعلته لا ينسجم معه ويبعتد عنه، فمن ناحيته كان تيسلا يرى الاختراعات ما هي إلا امتداد للناس وليس العكس، وسيكون من الصعب لهذه المثالية ان تجتمع مع الهوس الرأسمالي بالربح، في زمن كان العالم قد استيقظ على اختراعات جديدة ستغير الحضارة الإنسانية، بينما هو كان لا يضع المال في حساباته بقدر ما كان يفكر في ان يساهم في انتقال البشرية إلى عصر جديد. إلا ان تحويل الأفكار إلى واقع ملموس، يحتاج إلى رأسمال، وهنا دائما ما كان يبرز محور الصراع بينه وبين المستثمرين
الدراما الوثائقية
إن اختيار المؤلف والمخرج بنية الفيلم الديكودراما جاء موفقا، طالما كان قصده إعادة الاعتبار للحقيقة المغيبة المتعلقة بهذه الشخصية، حيث يعود إليه الفضل في اختراع مولدات التيار المتردد في إنتاج الطاقة الكهربائية التي تستعمل في عصرنا الراهن، وهناك في سجله كمخترع أكثر من 700 براءة اختراع، ويشير الفيلم إلى أن غوليلمو ماركوني (1874 –1937) الذي ساهم في اكتشاف الموجات الكهرومغناطيسية واختراع الراديو، سرق من تيسلا 17 براءة اختراع، وهناك إشارات أخرى تؤكد على ان تيسلا له مخترعات في مجالات مثل الرادار واللاسلكي والمايكرويف والسكانر والمايكروسكوب الإلكتروني والراديو والتلفزيون والريموت كونترول، وليس هذا بمستبعد لانه توفي عام 1943 .
وما يلفت الانتباه من الناحية التقنية بروز الرؤية الفنية التي تعامل من خلالها المخرج مع بنية الدراما الوثائقية، حيث يبرز جنوحه الواضح إلى تأكيد ذاتيته في الأسلوب الفني الذي حاول من خلاله إعادة بناء التاريخ، وتأكد ذلك في شخصية الراوي الذي يسرد لنا الأحداث، عندما اسند هذا الدور إلى آن مورغان، المرأة التي ارتبط بها تيسلا بعلاقة عاطفية، لكن هذه العلاقة لم تكن واضحة، لأنها كانت تسعى ان تجعله ضمن استثمارات والدها مورغان، رجل الصناعة الأمريكي، ودورها في حبكة الفيلم جاء مزدوجا، فهي السارد للأحداث وإحدى الشخصيات المحورية، فكان هذا التداخل أداة تقنية لتفكيك حالة الوهم لدى المتلقي، فالمسألة تتعدى ارتباط هذه الأداة في السرد بتقنيات العمل الوثائقي من حيث تأكيد طابعه التجنيسي، بقدر ما أصبحت أداة فنية لتذكير المتلقي بان ما يراه سردا للحقيقة، وليس افتراضا متخيلا للتاريخ بصيغة سينمائية.
في هذه النوعية من الأفلام، تبدو المهمة التي يواجهها المؤلف أو كاتب السيناريو، تتمثل في مدى قدرته على ان يبتكر بنية حوارية لا يسمح فيها بوجود افتراق واضح عما هو مسجل في التاريخ، بمعنى ان يحافظ على الفكرة من الناحية التاريخية في الحوار، وتبقى مساحة التخييل الإبداعي في صياغة وتركيب الجملة تعود بالنهاية إلى ما يمتلكه من أسلوب في التعبير عن ذات المحتوى، فالمهم ان يحافظ على واقعية الجملة التي تُنسبُ إلى الشخصيات التاريخية، من غير ان يتلاعب في محتواها.
دلالة الإيحاء إلى المكان
هذه المحاولة السينمائية في استعادة التاريخ، والأمانة تدفع إلى ان توفر إدارة الإنتاج كل العناصر التي تتيح تصوير العمل في الأماكن الحقيقية، أو إيجاد نماذج بديلة مصنَّعة تمثل صورة مستنسخة عنها، إلا أننا وجدنا منعطفات أسلوبية جنح إليها الفيلم لم يعتمد فيها المخرج على المعطيات التقليدية في بناء سينوكرافيا الحدث التاريخي، والتي عادة ما تكون المعيار الفني الذي نجده في غالبية الأفلام عندما تتصدى لحدث يحمل صفة واقعية وتاريخية، فقد لجأ إلى اعتماد المناظر الخلفية الساكنة، سواء كانت عبارة عن صورة فوتوغرافية أو لوحات تشكيلية في العديد من المشاهد، بدل ان يستعين بديكورات واقعية، أو يعتمد على الأماكن الحقيقية، وهذا التوظيف الجمالي الإيحائي منح المتلقي فرصة ان يتخيل المكان بدل ان يجده جاهزا أمامه، وربما هذا الحل قد توصل إليه المخرج بناء على تداعيات فيروس كورنا، الذي كان قد أوقف معظم المشاريع السينمائية فكان من الصعب تصوير المشاهد في أماكن خارجية، والنتيجة النهائية أخذت البناء الجمالي للفيلم إلى مقاربة جديدة ابتعدت عن سياق الحلول الفنية التي تعتمد على استعادة سرديات تاريخية في أماكن حقيقية أو ديكورات فيها مقاربة للمكان الحقيقي.
تقنية التغريب
ولم يكتف المخرج بذلك بل كان أكثر جرأة في تأكيد أسلوبه الإخراجي عندما راهن على التغريب في بعض المشاهد لإحداث صدمة لدى المتلقي، بقصد أن يفصله في لحظة ما عن الاستغراق في أحداث الفيلم، كما في نهاية المشهد الذي يدور بين شخصيتي اديسون وتيسلا داخل المطعم، حيث يبتعد اديسون ناحية البار ويخرج من جيبه جهاز موبايل وينتهي المشهد مباشرة، وكانت تلك مناورة ذكية تداخل فيها الحاضر مع الماضي، إشارة إلى ان حكاية الإنسان المعاصر بكل التقنيات التي يتعامل بها اليوم ما هي إلا نتاج ما كان يفكر به هؤلاء أمثال تيسلا واديسون قبل أكثر من مئة عام، وبنفس الوقت فإن أداة التغريب تمثل جزءا أساسيا من تقنيات البناء في الأعمال الملحمية التي سبق ان نظَّر لها المخرج المسرحي الألماني برتولد برشت بهدف كسر الوهم في العرض المسرحي وإبعاد المتلقي عن الدور السلبي الذي كرسه المسرح الارسطي، ومن بعده انتقل هذا التوظيف المسرحي إلى السينما وبالخصوص لدى رواد السينما الفرنسية الجديدة وفي مقدمتهم جان-لوك غودار، وتعمقت تقنية التغريب في الأغنية التي جاءت في المشاهد الأخيرة من الفيلم، التي أداها تيسلا نفسه، خاصة وأنها بدت جزءا من عرض مسرحي موسيقي منفصل عن الأحداث التاريخية لكنه يرتبط بها من خلال شخصية تيسلا، إضافة إلى ان محتواها “الكل يريد ان يحكم العالم” يندرج مع طبيعة الصراع الذي كان يخوضه تيسلا الحالم والمثالي في عالم بدأ فيه بعض العلماء ينافسون أصحاب رؤوس الأموال من الصناعيين في الخوض بمستنقع استغلال براءات الاختراع كما هو الحال مع اديسون المتغطرس، وهذا ما جعله يميل وبقوة عاطفية إلى شخصية الممثلة سارة برنار، التي كانت تعيش أحلامها وفنها في الحياة مثلما كانت على خشبة المسرح، حتى انها كانت تنام في تابوت في حياتها الواقعية كما لو انها تتمرن على أداء الحالة التي يكون فيها الإنسان ميتا، وهذا يعني ان الشهرة التي حظيت بها لم تفقدها توازنها الاخلاقي، ولم تجعلها غائبة عن الوعي، بقدر ما كانت تذكّر نفسها بأن الحياة ليست إلاّ لعبة، مثلما هو التمثيل، وعليها ان تتقن دورها فيها مثلما هي متألقة على خشبة المسرح.
وإذا ما اقتربنا من ناحية الأداء التمثيلي، فإن الممثل إيثان هوك الذي أدى شخصية تيسلا، كشف عما يمتلكه من مساحة كبيرة في ابتعاده عن التنميط ، والميل إلى المغامرة، خاصة عندما يؤدي شخصيات مركبة بين فترة وأخرى، وبدا في كل لحظة يتولى تقديمها من سيرة الشخصية معتمدا على تكثيف المشاعر الداخلية بقوة واضحة، سواءعندما يكون صامتا أو أثناء تبادل الحوار، ويقف أمامه في الأداء الرفيع الممثل كايل ماكلاشلان الذي أدى شخصية توماس اديسون، فهو الآخر جاء أداؤه معبرا عن حرفية عالية في تقديم هذه الشخصية التي كانت الاقرب إلى الجشع والتغطرس .