الفيلم الأمريكي «كرز»: أيها الجنود هؤلاء لا يعيرونكم أهمية!

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

السينما الأمريكية يصل نتاجها إلى أكثر من 800 فيلم في العام الواحد، وعلى الرغم من ان طابع أفلام الحركة والمغامرات هو الغالب على هذا الكم، إلاّ انها لم تتخل عن دعمها في إنتاج أفلام ذات مستوى فني رفيع، يجعلها ذات قيمة كبيرة في المهرجانات، والبعض من هذه الأفلام كان على درجة عالية من النضج الفني، بابتعاده عن حسابات الربح والخسارة التي عادة ما تحكم صناعة السينما في هوليوود. وهنا يمكن الإشارة إلى عدد من الأفلام التي تناولت تداعيات تورط الأمريكان في الحرب ضد الشعب الفيتنامي، في مقدمتها «الرؤيا الآن» إنتاج 1979 للمخرج فرنسيس فورد كابولا و«الفصيل» 1986 للمخرج اوليفر ستون و«صائد الغزلان» 1978 للمخرج مايكل شيمينو و«المولود في الرابع من يوليو» إنتاج 1989 للمخرج اوليفر ستون.

بنية المونتاج

على الرغم من المستوى الجيد لفيلم «كرز» إنتاج 2021 إخراج الأخوين روسو، إلاّ انه من غير الوارد مقارنة خطابه من حيث المستوى الفني بما ذكرناه من أفلام سبق ان تناولت موضوعة الحرب، إلاَّ ان السيناريو الذي كتبته انجيلا روسو وجيسيكا كولدبرك فيه من العناصر الفنية التي توفرت في حبكته، ما يجعله مادة للقراءة النقدية، ربما أولها تتمثل في تعامل السرد السينمائي مع الزمن السردي، وهذا ما يتضح في بنيته المونتاجية التي تشظى فيها المسار الأفقي للزمن الواقعي في بناء الحكاية، معتمدا على بنية درامية تقاطعت فيها أزمنة الأحداث في ما بينها بتفصيلة ارتدادية، كانت تتكرر بين فترة وأخرى، رغم ان الزمن الواقعي للأحداث لا يتعدى خمسة أعوام تبدأ في 2002 وتنتهي في 2007. وقد اعتمد المخرج على تغيير ألوان المَشَاهد وفق رؤية درامية مرتبطة بطبيعة أحاسيس الشخصية الرئيسة الساردة للأحداث، لانها كانت دائما خاضعة لتأثير المخدرات، فكان من المنطقي انها ترى الأشياء بغير طبيعتها الحقيقية، ولهذا تدرجت الألوان من الطبيعية إلى الأسود والأبيض، إلى لون الكرز الذي يشبه لون الدم، عند انتقال الانطباعات النفسية للشخصية الرئيسية بين تفاصيل سريعة تتوزع ما بين الماضي والحاضر.
الاندفاعات العاطفية التي امتازت بها الشخصية الرئيسية وبقية الشخصيات المساندة من أصدقائه وزوجته الشابة، أضفت مسحة من التوتر على الجو العام لبنية العلاقات القائمة بينها، وهذا ما حاول المخرج ان يوصله إلى المتلقي منذ اللقطات الاولى، عندما اعتمد على أسلوب الروي للأحداث من خارج إطار الشاشة «Voice Over « حينما ظهر الممثل توم هولاند الذي يؤدي الشخصية الرئيسية وهو يتجول في الحي الذي عاش فيه وعاد إليه بعد ان شارك في الحرب، ومن خلال صوت السارد، اتضحت المساحة العدمية التي نالت منه، بينما كان يصف للمتلقي البيئة التي عاش فيها «نشأتُ في الجوار هنا، الشقق جيدة، وبعضها فيها شرفات، والأشجار جميلة، لا أفهمها أيضا لكني أحبها، أظن لا أحبها كلها، يجب ان تكون شجرة قبيحة فعلا حتى لا أحبها». ولا يتردد المخرج في ان يستعير من أساليب السرد في رواية ما بعد الحداثة «الميتافكشن» التي أتاحت للمؤلف ان يكشف لعبة السرد للمتلقي عندما يخاطبه مباشرة ليكسر حاجز الايهام الفني الذي يفصل الشخصية الساردة عن المتلقي، فنجد cherry يتحدث إلى الكاميرا مباشرة قبل ان ينفذ عملية سطو على أحد البنوك، وهكذا يستمر انتهاج هذه التقنية في السرد طيلة زمن الفيلم على الرغم من ان هذا الأسلوب في السينما لم يثبت تأثيره في الكثير من الأفلام التي اعتمتدته، لان المتلقي لا يقبل ان يغادر حالة الوهم التي تتحقق أثناء مشاهدة الفيلم السينمائي لِما فيها من سحر وجاذبية، لكنها في المقابل حازت على قدر كبيرمن النجاح في المسرح.

جرأة الخطاب

امتلك الفيلم الجرأة في ان يلامس قضية بات من غير الممكن تجاوزها، تتعلق بالحرب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وتركت آثارا نفسية سيئة على عدد كبير من الجنود الذين شاركوا فيها. وفي هذا الصدد أشارت عديد الدراسات التي أجرتها مراكز بحثية أمريكية إلى ان مشكلة هؤلاء الجنود ليس من السهل تجاوزها، لان من تداعياتها، انها أفرزت نماذج تعاني من صدمة كبيرة أفقدتها القدرة على العيش والانسجام بشكل طبيعي مع المجتمع بعد عودتها من العراق، كما هو الحال مع cherry لانها عاشت تجربة معبأة بالوحشية والعنف المفرط ضد مجتمع بشري آمن يبعد عن أمريكا آلاف الكيلومترات، بالتالي تسببت الحرب للمجتمع العراقي بالكثير من الويلات والفجائع والدمار. وفي ما يتعلق بالفيلم فقد عبر عن ذلك بلغة موجزة تكفلت بها صور سينمائية حملت دلالات موخزة للضمير الأمريكي، مثل مشهد الجنود وهم يركبون عجلات الهمفي العسكرية في ساحة تتوسط قرية عراقية فيتجمع حولهم أطفال جائعون يطلبون منهم الطعام، ولفت انتباه cherry طفلة تتعرض للضرب والسقوط على الأرض من قبل بقية الأطفال حتى تمكنوا من ان ينتزعوا منها علبة الطعام البلاستيكية التي منحها إياها. وهناك مشهد آخر عندما ينفجر لغم أرضي على عربة عسكرية في داخلها مجموعة من الجنود الأمريكان فيحترق جميع من فيها، وكانت تلك أولى الصدمات العنيفة التي تلقاها cherry ولم يستطع الخلاص من صورها الكابوسية التي باتت تلاحقه في منامه.
ان الجروح النفسية العميقة التي يعاني منها cherry جعلته يعيش حالة توتر دائم، حيث ظهرت عليه ردود افعال عنيفة ومرتبكة ازاء ما كان يصادفه من مواقف في حياته اليومية، فباتت ينشد الخلاص من أزمته النفسية باللجوء إلى العنف، والاصطدام الحاد مع المجتمع، وبناء على ذلك تحولت حياته إلى جحيم، ولم يكن أمامه إلا ان يلجأ إلى تناول أنواع المخدرات حتى يحقق التوازن النفسي ولو لساعات، لكن حياته في النهاية تحولت إلى مأساة شديدة التعقيد، وليس من حل للخروج من الدائرة المغلقة إلا بالانتحار .
واقعيا يمكن القول إن صدمة ما بعد الحرب التي تعرض لها الجنود الأمريكان في حرب العراق أدت في كثير من الحالات إلى خلافات أسرية وطلاق وتعاطي للكحوليات وسوء استخدام للعقاقير والبطالة. وهذا ما سرده لنا هذا الفيلم عبر حكاية الطالب cherry الذي كان يدرس في جامعة أهلية حيث يلتقي بفتاة اسمها ايملي (مثلت شخصيتها سيارا برافو) فينشا بينهما إعجاب يتطور إلى علاقة حب، ولما تقرر ايملي الانتقال إلى كندا للدراسة، يشعر بالأسى، فيقرر الالتحاق بالجيش، وحتى عندما تقرر التراجع عن قرارها بالسفر إلى كندا يقنعها بان التحاقه بالجيش لن يستغرق سوى عامين فقط، فيقرران الزواج قبل ان يلتحق بالجيش، وفي العراق يواجه تجربة قاسية مثل بقية الجنود، ستترك آثارها المدمرة على نفسيته، حتى انه لم يعد قادرا على النوم وغالبا ما تداهمه الكوابيس وتطرد منه الشعور بالاطمئنان، وينتهي به المطاف إلى الإدمان على المخدرات ومعه تنخرط زوجته، ولأن تناول المخدرات يحتاج إلى أموال، يضطر إلى ان يقوم مع اصدقائه بالسطو على البنوك لتوفير ما يحتاجه من مال لشراء الهرويين، وتسقط زوجتة شبه ميتة بعد جرعة زائدة، فيتم انقاذها في اللحظات الأخيرة، أما cherry فما ان ينتهي من عملية سطو فاشلة على أحد البنوك، يخرج إلى الشارع ويطلق عيارات نارية من مسدسه في الهواء ثم يجلس على حافة الرصيف ويأخذ جرعة قوية من المخدرات في قدمه بقصد الانتحار، ولمَّا تحضر الشرطة للقبض عليه تجده في حالة غيبوبة تامة، فيتم نقله إلى المستشفى، ومن ثم يعالج في مركز للتأهيل بعد ان يقضي عدة سنوات في السجن. وعندما يخرج يجد زوجته بانتظاره.

القصة الحقيقية للفيلم

الفيلم مأخوذ عن رواية كتبها أحد الجنود الذين شاركوا في الحرب اسمه نيكو ووكر، وكانت تجربته في العراق من أقسى التجارب التي واجهها، رغم انه شارك في أفغانستان، وقد خلفت ورائها محنة نفسية دفعته إلى ان ينحرف في سلوكه فيرتكب مجموعة من جرائم السطو والقتل قبل ان يتم القبض عليه ليودع في السجن، وهناك يتلقى العلاج ليبدأ رحلته في استعادة تفاصيل التجربة التي عاشها في العراق عبر تدوينها في كتاب إضافة للفترة التي قضاها في مدينة كليفلاند قبل أن يقرر الانضمام إلى الجيش، وشاء الحظ ان ينال هذا الإصدارنجاحا كبيرا.
إن رواية ووكر استندت إلى تجاربه الشخصية مع الحرب والادمان على المخدرات والجريمة، وتشير تعليقات النقاد حوله إلى انه مكتوب «بنبرة قاتمة». ويعد ووكر ضمن حشد من الكتاب عادوا من جولات في العراق وأفغانستان بقصص خاصة بهم، وقصته مختلفة بعض الشيء، لأنه عندما عاد إلى كليفلاند من العراق، كان مدمنًا على المخدرات وشرع في سرقة11 مصرفاً على مدى أربعة أشهر إلى ان تم القبض عليه في النهاية، وحُكم عليه بالسجن 11 عامًا، واستخدم ووكر الأرباح التي جناها من عوائد الكتاب لتسديد ما بذمته للبنوك التي سرقها، في عام 2019 تم إطلاق سراح ووكر من السجن وتمكن من مشاهدة روايته وهي تتحول إلى فيلم.

إحصائيات

موقع «الجزيرة» الإلكتروني سبق ان نشر مقالا جاء فيه أن «فحصا عقليا لقدامى المحاربين أظهر أن 21620 من مجموع 222620 جنديا أمريكيا عادوا من العراق جرى تقييمهم على مدى عام، وظهر بانهم كانوا يعانون من إجهاد ما بعد الصدمة، وهو اضطراب يمكن أن يؤدي إلى كوابيس وعودة أحداث سابقة إلى الذاكرة والتفكير المضلل». وأضاف المقال اعتمادا على تقرير نشر في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية إن «19.1 في المئة من الجنود ومشاة البحرية الذين عادوا من العراق يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة أو الاكتئاب، مقارنة مع 11.3 في المئة بين قدامى المحاربين الذين خدموا في أفغانستان و8.5 في المئة بين جنود نشروا في مناطق أخرى».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية