موضوعة اللاجئين تحمل في متون قصصها الإنسانية خيوطا تراجيدية تناولتها نشرات الأخبار خلال الثلاثة عقود الأخيرة بعد أن تحول اللاجئون إلى طوفان بشري يواجه المجتمع الدولي لتكون حكاياتهم مادة خام تستقطب اهتمام العاملين في صناعة الأفلام الوثائقية والروائية، حتى ان مهرجانات سينمائية كثيرة تقام في مختلف دول العالم لا تخلو من فيلم يشير إليها، هذا إن لم تكن الموضوعة الرئيسة لعدد من الأفلام المشاركة.
وفيلم “the flood”أو الطوفان، إنتاج 2019 اعتمد في حبكته السردية على حكايات حقيقية، وهو من إخراج انتوني وودلز، سيناريو هيلين كينغستون، تمثيل لينا هيدي، ايفانو جرميا، بيتر سينغ، مانديب جيل، ارشر علي، إيان غلين.
وواضح ان العاملين على إنتاجه لم يكن في حساباتهم ان يقدموا فيلما يهدفون من وراءه اقتناص عائدات مالية فقط، من خلال استثمارهم لموضوعة ساخنة فيها من الممكنات الدرامية ما يجعلها مادة لاستقطاب الجمهور من زاوية شباك التذاكر، إنما حاولوا إتاحة مساحة أمام المتلقين للتفكير بقضية إنسانية، باتت تشكل معضلة كبيرة لأطراف مختلفة، في المقدمة منها يقف اللاجئون، ومن ثم الدول التي جاءوا منها والتي لجأوا إليها. فجاءت رؤية الفيلم قائمة على بنية سردية تحفز آليات التفكير بمآسي اللاجئين وبأسلوب فني يرسخ استراتيجية درامية واقعية لرؤية الواقع، وتحييد مساحة التخييل والافتراض إلى هامش بسيط جدا، لأجل ان يقترب المتلقي بوعيه الواقعي من عالم اللاجئين،عبر تناول فني يتعالق مع بنية واقعية تتمسك بالتفاصيل التي يعيشها لاجئون اختاروا الهروب من أوطانهم، والمضي في طريق اللجوء رغم ما يحمله من صعوبات ومخاطر تهدد حياتهم، ومن غير ان تكون رحلتهم إلى الملاذ الآمن مضمونة النتائج. والصور الدرامية التي سردها سيناريو الفيلم لم تكن نمطية، وما يميز هذا الشريط انه يقترب من عالم اللاجئين الداخلي بنفس القدر الذي يستكشف رحلتهم المحفوفة بالمخاطر والمشقات وهم يجتازون الحدود ويتحدون جنون الطبيعة وقسوتها.
حبكة الفيلم تتابع رحلة قاسية مر بها لاجئ ارتيري هيلي مثل شخصيته ايفانو جرميا، ينتهي به المطاف داخل مخيم أقامه لاجئون غير شرعيين في غابات كاليه الفرنسية،على أمل ان ينجحوا في عبور الحدود ليصلوا إلى بريطانيا، فيتعرف داخل المخيم على”أمير، اللاجئ الباكستاني يمثله بيتر سينغ وزوجته الحامل ريما، تمثلها مانديب جيل، كما سيواجه شخصيات أخرى ثانوية، مثل نصرت المهرب الأفغاني، يمثلهارشر علي الذي تحول في المخيم إلى زعيم عصابة لتهريب اللاجئين، وبات يملك سطوة تبعث الخوف في نفوسهم. وإلى جانب حكاية هيلي يسرد لنا الفيلم حكاية الموظفة ويندي، التي تعمل في منظمة بريطانية مسؤولة عن استقبال اللاجئين غير الشرعيين، تعاني من تدهور علاقتها مع زوجها الذي يعيش مع ابنتهما بعيدا عنها، فنسمع صوته عبر الهاتف ولا نراه، فتتكشف حقيقة علاقتهما وما انتهت إليه من برود وجفاء خاصة من جانب الزوج، من خلال المكالمات الهاتفية، حتى انه يتذرع بأوهى الأسباب لكي يتفادى الإصغاء لتوسلاتها بأن يسمح لها بسماع صوت ابنتها، هذا الحال يسبب لها انتكاسة نفسية بعد ان تجد نفسها عاجزة عن تحقيق التواصل مع طفلتها وترميم علاقتها الزوجية المتصدعة، مع ان وظيفتها في المنظمة تضعها في موقع تكون فيه مسؤولة عن تقرير مصير اللاجئين وترميم حياتهم المحطمة والبدء بحياة جديدة، فتعيش على إثر ذلك ضغطا نفسيا كبيرا يدفعها إلى احتساء الخمر خلسة حتى أثناء العمل، وبالتالي سينعكس ادمانها على مصير اللاجئ الارتيري هيلي فيتم رفض طلب لجوءه، لكنها بعد ان تستمع إلى شهادة المرأة الباكستانية ريما التي تكشف لها ما أقدَمَ عليه من دعم لحمايتها هي وزوجها قبل وبعد ان يتوفى بسبب المرض في الشاحنة التي كانت تجتاز بهم الحدود ما بين فرنسا وبريطانيا، تشعر اندي، بمسؤوليتها عن الخطأ وتعترف لمسؤولها الوظيفي فيليب، مثّل شخصيته إيان غلين بانها اتخذت قرارها تحت تأثير الخمر، فتصر على فتح ملف قضية هيلي ثانية، ليمنح بالتالي فرصة اللجوء .
تناوب الماضي والحاضر
نحن أمام خطاب فني يهدف إلى إعادة صياغة وجهة نظرنا ازاء قضية اللاجئين، ويترسخ هذا الشعور في كل لحظة من لحظات الفيلم التي ترصد شخصية هيلي وهو يبحث عن أي منفذ للوصول إلى انكلترا التي يحلم بالوصول إليها، فمن حيث البنية السردية لزمن الفيلم نجدها انقسمت إلى خطين متوازيين يسيران معا، وكل منهما يعكس وجهاً آخر للفكرة ذاتها، المتعلقة بما يعانيه اللاجئ من مكابدات حتى يصل إلى فضاء الأمان الذي ينشده.
هيلي المنتسب إلى القوات المسلحة الحكومية الارتيرية يضطر للهرب من بلده بعد ان تعرض إلى عقوبة الجلد من قبل وحدته العسكرية لأنه لم يطلق الرصاص على شخص مدني تم القبض عليه وهو يحاول اجتياز الحدود والهرب من البلاد، فصدر الحكم بإعدام هذا الشخص، ولما انكشف تواطؤ هايلي مع الضحية ومساعدته في الإفلات من الحكم، تعرض هو الآخر للجلد من قبل وحدته العسكرية، وعلى اثر ذلك هرب من البلاد متجها إلى فرنسا عبر البحر، وحطت به الأقدار في مخيم غابات كاليه للاجئين، وفي داخل المخيم يتعرف على فاز اللاجئ الباكستاني المريض بجهازه التنفسي وزوجته، فيهرب الثلاثة معا مع مجموعة من اللاجئين كلهم من ذوي البشرة السمراء بإحدى الشاحنات الكبيرة التي تنقل مواد غذائية إلى بريطانيا، وأثناء الرحلة يموت الباكستاني تاركا زوجته وحيدة، وبعد ان تصل الشاحنة إلى الأراضي البريطانية، يتم إيقافها من قبل إحدى سيارات الشرطة التي تراقب الطرق الخارجية، عندها يلجأ هيلي إلى ان يحدث شقَّا في غطاء الشاحنة السميك بسكين سبق ان انتزعها من أحد اللاجئين داخل الشاحنة بعد أن حاول ان يقتل الباكستاني لإيقاف نوبة السعال التي أمسكت به وكادت ان تكشف أمرهم، فيتمكن اللاجئون التسلل عبر الشق من الشاحنة والاحتماء تحت جنح الظلام بين أشجار غابة قريبة من الشارع العام قبل أن يتمكن الشرطيان من فتح باب الشاحنة الخلفي، والقبض على هيلي وهو يحمل السكين، فتسند إليه تهمة الشروع بعمل إرهابي ضد الشرطة.
سرد متوازي
السرد الفيلمي يبدأ من حيث تنتهي رحلة الهروب، أي عند لحظة القبض على هيلي وهو يقفز من الشاحنة وبيده السكين، ثم استجوابه من قبل الموظفة ويندي فيستذكر أثناء عملية الاستجواب الأحداث التي مرت به، منذ ان ساعد الشاب المحكوم بالإعدام على الهرب، مرورا بغرق القارب في البحر ونجاته وحيدا من بين جميع اللاجئين، وصولا إلى مخيم كاليه، وانتهاء بتجربة الهروب عبر الشاحنة، بهذا يأخذ البناء السردي لزمن الفيلم حركة يتناوب فيها الماضي والحاضر، متنقلا بين السرد الذاتي للشخصية المحورية وبين السرد الموضوعي لقضية اللاجئين، وهذه الانتقالات الزمكانية أوجدت ترابطا بين الوحدات الفنية وأسبغت الحيوية على الايقاع. وقد أفضى تناوب الزمن أيضا إلى تعميق مشاعر التفاعل مع قضية اللاجئين من خلال التركيز على شخصية هيلي المحورية.
وفي معالجته الفنية لقضية اللاجئين، قدم لنا الفيلم عددا محدودا من الشخصيات، كانت بمثابة موشور عكس من خلالها بؤس وقسوة الأوضاع في أوطانهم، من غير حاجة إلى ان يتضمن السيناريو مشاهد في تلك البلدان قبل ان يتخذ اللاجئون قرار الهروب بعيدا عنها، فاكتفى بمشهد واحد فقط، عندما يتم ارغام هيلي على تنفيذ حكم الإعدام بالمواطن الذي حاول الهروب، فكان ذلك إيجازا وتكثيفا لتقديم مقاربة صورية عن حقيقة الأوضاع.
أسلوب المخرج كان على درجة مهمة من الحساسية في تعامله مع الموضوع وبانسيابية واقعية، يذكرنا بالاسلوب المعتمد في تصوير الأفلام الوثائقية، وهذا ينسحب أيضا على الاضاءة الداخلية والخارجية، فقد بدت وكأنها تحاكي كثافة اللحظة الواقعية أكثر من ان ينشغل المخرج في توزيع مساقط الضوء بأبعاد درامية كما في صناعة الأفلام الروائية المبنية على قصص واقعية مفترضة، فبدا جهده منصبا على بناء الحالة الدرامية عبر العلاقات بين الشخصيات وتنظيم العفوية في اداء الممثلين، وهذا التعالق تم تكثيفه عبر إشاعة الاحساس بان ما يجري أقرب إلى ان يكون محاكاة فنية واقعية للواقع، وهذا المنحى في محصلته النهائية يؤكد على قضية أساسية في الفن تتعلق بالرؤية الفنية التي يتم من خلالها تقديم الفكرة، بمعنى ان المخرج عليه ان يجد الشكل الفني الذي يعرض من خلاله أفكاره عبر الاشتغال على النص من داخله لاكتشاف التقنيات التي تعبر عن مغامرته الفنية، وليس العمل وفق أطُر فنية جاهزة وتكييف الموضوعات والأفكار وفقا لها.
العنف والعنصرية
موضوعة أفواج اللاجئين التي تفاقمت في الأعوام الأخيرة، والتي كانت تنطلق جميعها من قارتي آسيا وأفريقيا باتجاه القارة الأوروبية، تحمل في تفاصيلها مستويات متداخلة من الأفكار والطروحات منها ما يتعلق بالمسافة الشاسعة التي باتت تفصل الأوضاع التي يعيشها الإنسان ما بين نعيم الشمال وجحيم الجنوب، إلى جانب مآلات مسألة اللجوء مثل قضايا العنف والعنصرية التي أشار إليها الفيلم بطريقة لمَّاحة من غير ان يصيغها بمفردات لفظية مباشرة، كما في شكل العلاقة بين اللاجئ الباكستاني وزوجته مع زعيم مافيا تهريب اللاجئين الأفغاني نصرت، فالباكستاني يدفع هيلي الارتيري إلى ان يتفاوض بدلا عنه وعن زوجته مع نصرت الافغاني لأنه يرفض وبدوافع عنصرية ان يقدم أي خدمة للباكستاني حتى لو كانت بثمن، وهي إشارة ذكية إلى ان اللاجئين يحملون معهم صراعات بلدانهم ومجتمعاتهم بكل حمولاتها القومية والمذهبية أينما حطت بهم رحلة اللجوء.