القاهرة ـ «القدس العربي»: في كل دول العالم تبدو النخبة وكأنها الأمل الوحيد في التغيير، خاصة النخبة المثقفة، أو التي تدّعي الثقافة والتواصل مع الآخرين، والمقصود بهم أغلبية الشعب، أي شعب كان، يعاني من سياسات متطرفة، لا تشعر بوجوده، وتعامله دوماً في أفضل الأحوال كطفل لا يعرف مصلحته، لذا يجب أن يظل تابعاً ومنفذاً للأوامر طيلة حياته ـ فكرة الشعب القاصر ـ التي يتخذها الساسة ورجال الحكم، ذريعة لسياسة القطيع التي لا يؤمنون إلا بها. ولكن.. هل حقاً تؤمن هذه النخب المعارضة بالأساس بحقوق الناس؟ وهل فعلاً يشعرون بهؤلاء؟ أم أن الأمر ليس سوى ذريعة أخرى للوصول إلى الحكم؟ وهل ما يجمعهم بالأغلبية هو تهميشهم عن السلطة، وشعورهم بأنهم أقلية يبحثون عن دور؟
يأتي الفيلم البولندي The Hater 2020 محاولاً الاقتراب من هذا العالم، في صيغة حداثية لما نعيشه اليوم، من تأثير تكنولوجيا الاتصالات، وشكل الحروب الجديد، الذي يتخذ من السوشيال ميديا مكاناً له. الفيلم من إخراج جان كوماسا، الذي قدّم عدة أعمال على المنوال نفسه، في كيفية صناعة الخارج على القانون، أو الذين يواجهون ما يحيطهم بشكل آخر وأسباب ذلك، بداية من فيلمه «غرفة الانتحار» (2011) و«القربان» (2019) وصولاً إلى فيلمه الأخير، الأكثر مباشرة وتواصلاً مع الواقع.
توماس
توماس شاب يدرس القانون في إحدى القرى البعيدة عن العاصمة، وهناك أسرة ثرية أصولها من هذه القرية تتكفل بمصروفاته الدراسية. وعلى إثر سرقة توماس أحد الأبحاث، يتم فصله من الجامعة، لكنه يخفي الأمر، ويذهب إلى الأسرة التي ترعاه ليشكرهم، ويخبرهم بأنه متفوق في دراسته، إلا ان السبب الحقيقي للزيارة هو رؤية الابنة الصغرى، التي يحبها، والتي تتجاهله بدورها. هناك نقصاً حاداً يعاني منه توماس، ويخلق منه شخصاً يجيد التحايل، حتى يستطيع العيش، فيترك هاتفه عامداً قبل انصرافه، ويعود ثانية بحجة نسيانه، حتى وصوله إلى نُزل الطلبة، ليستمع إلى حديثهم بشأنه، في عدم وجوده بالطبع. ليجد عبارات السخرية منه ومن عائلته، ومن نظراته للفتاة، وهم ينفجرون بالضحك على ملامحه التي تفضح حبه لها. صوت الضحكات هذا يتزامن وملامح توماس المتشنجة، ودموعه التي لا تكف.
فلتبدأ اللعبة
ونظراً لتفوق توماس في عالم وأدوات السوشيال ميديا، يلتحق بإحدى الشركات التي تدير الحروب بالوكالة على خصوم عملائهم. وتعطيه مديرة الشركة الفرصة، فيقوم باختلاق حسابات وهمية تطارد امرأة تروّج لإحدى السلع، حتى يتم القضاء على المرأة ومشروعها تماماً، فتتثبت أقدام توماس في الشركة.
على الجانب الآخر تأتي (أسرة النبلاء) وكأننا في القــــرن الثامــــن عشــــر، في شكلها الحديث، ما بين الفن والثقافة، ومع المواقف النسوية والديمقراطية، وقبول الآخر، وكل هـــذه المفاهــــيم والمصطلحات التي لا تفرق بين بلد وآخر الآن، وبالطــــبع فهي أسرة يسارية الهوى.
ويؤيدون مرشحاً يسارياً في انتخابات العاصمة، فتأتي الفرصة لتوماس، حيث يتعامل الخصم مع الشركة، التي يعمل بها، فتكمن الخطة في تدمير الرجل، ومن ثمّ الأسرة، خاصة وقد علمت بأمر توماس وفصله من الجامعة، بمجرد وثوقه في ابنتهما، واعترافه لها بالحقيقة، لكنها اعترفت لوالديها بدورها.
لا مفر
وعبر الكثير من الأحداث المتشعبة، يتحول توماس إلى قاتل بدم بارد، رافض لجميع مظاهر مجتمعه الزائفة، فيؤكد مثلاً الإشاعات التي كانت تطارد المرشح اليساري، بأنه صاحب ميول مثلية، وقد أصبح من المقربين إليه، بل ويعمل ضمن فريق حملته الانتخابية. وعبر العالم الافتراضي يقوم بتجنيد أحد الشباب، الذين يعانون ولا يعترفون بزيف الشعارات ـ من سكان المدن المنسيين دوماً ـ ويرتب له الأمر جيداً حتى يقوم باغتيال الرجل في مؤتمره الصحافي الموعود، وبحضور أسرة النبلاء المترفين، وليشهد بعينيه مجزرة طالما تمناها، حتى يتخلص من كل هؤلاء المنافقين والساخرين والمتعطشين للسلطة، الذين يريدون بدورهم فرض رؤاهم الخاصة على البشر والحياة.
عالم توماس
يُختتم الفيلم بمشهد يجمع توماس وأسرة المثقفين، لكنه الآن ـ حاول الإمساك بالقاتل وأصبح بطلاً قــــومياً ـ يجلــــس بجوار الفتاة التي طالما تمناها، وهي الهائمة به. الآن.. يتأملهم في ثقة تامة، وهم يرونه المثل والمُخلّص الجديد، أحد أهم أفراد الأسرة، في ظــــل ضوء يملأ المكان، حيث النافذة المفتوحة التي يطالع العالم من خلالها.
جان كوماسا لم يترك خياراً لبطله، خاصة أنه أتى بنقيضه ـ القاتل البائس ـ فحسب قدراتك الذهنية لا بديل سوى أن تصل إلى هذه الفئة، بداية من الحيلة ووصولاً إلى الجريمة، وما هذه التركيبة النفسية للشخصية وسلوكها إلا نتاج فئات اجتماعية ترتكب جرائم غير منظورة كل يوم، وتتاجر بالأقوال الكاذبة عن الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، لكنهم في حقيقتهم يتأففون من هؤلاء، ويرونهم ككتلة ومجموع يُطلق عليه الشعب. هذه النخبة التي يجب أن تخشى مصيرها المحتوم.