في بعض الحالات الإبداعية للفيلم الروائي القصير يحدث التداخل بين التصوير الفني للمضمون الافتراضي وبين الرصد التسجيلي للأحداث الواقعية، ويتأتى ذلك بشكل استثنائي في نماذج سينمائية قصيرة مُفرطة في الصدق، حيث يخال للمُتلقي أنه بصدد مشاهدة فيلم تسجيلي، بينما التجسيد الفعلي يكون مُختصاً بنوع درامي يقترب في مكوناته الإنسانية الواقعية من التسجيل المحض للتفاصيل المُتعلقة بطبيعة الأحداث والشخصيات.
الفيلم الروائي القصير «سيدة» يعتبر نموذجاً تنطبق عليه شروط السينما التسجيلية لو سلمنا بواقعية الظروف التي مرت بها البطلة وجعلناها مقياساً لاختلال المعايير وانتفاء المقومات الطبيعية للحياة الكريمة للمواطن الذي يُمثل ريشة في مهب الريح، فلا حماية اجتماعية ولا رعاية صحية ولا أي غطاء من أي نوع يضمن الحد الأدنى للأمان في ظل موجات اقتصادية ضاغطة وعزلة تامة للفقراء خارج محيط الرفاهية الذي يشمل الأغنياء والرأسماليين وأصحاب النفوذ والسيادة ومن هم على شاكلتهم.
الحكاية ببساطة تقدمها كاتبة السيناريو والمخرجة نسمة زعزوع في تجربة شديدة الدلالة، حيث تضع بطلة الفيلم في دائرة الاختبار الصعب لتكون عنواناً لملايين الشخصيات المرهونين بظروف الفقر والمرض والعوز والوحدة، ذلك أن الحالة التراجيدية في الفيلم المذكور تتجاوز محنة سيدة وابنها الذي يعاني من الرمد وضعف البصر وتتمحور حوله المشكلة الرئيسية في رحلة طواف الأم بالمستشفيات مُتسولة الرعاية والعناية والعطف لإنقاذ الطفل البريء من العمى الذي يتربص به ليسرق نور عينيه، وهو إلماح ذكي لاقتران العمى الحقيقي بالعمى المجازي الذي يصلح لأن يكون إسقاطاً على طمس البصيرة لدى الموكلين بالنظر في الاحتياجات والمُشكلات لمن لا تتوافر لهم فرص الوساطة والمحسوبية عند ولاة الأمر في القطاعات الحيوية المنوط بها كفالتهم والعمل على راحتهم.
وبرغم التضمين الدرامي المأسوي للحالة المُشار إليها إلا أن المخرجة لم تركز في مُعالجتها على مرض الطفل لكنها عكست ما ينتج عن المحنة من تفاصيل تخص الأم أكثر ما تخص الابن، فحين تكون الحياة عبثية وكل الطرق المؤدية للنجاة موصدة تُصبح الضحية مُستباحة، فالأسوار بينها وبين المجتمع تعلو وتمتد، وسخافات العامة والدهماء تتجلى في أبغض صورها المرئية والمحسوسة، حيث لا مُنقذ ولا مُجير!
وهنا تؤكد المخرجة نسمة زعزوع على تعاطفها مع بطلتها الشعبية التي لا تُمثل نفسها فقط، وتُمعن في تكثيف صور الفوضى والعشوائية في الشوارع والمُستشفيات وسلوك بعض العوام من الناس، فهي تُشير إلى جريمة التحرش وما يُقابلها من لا مبالاة وبرود في ردود أفعال المواطنين، كأنها تسجل بالصوت والصورة مُعطيات الإدانة وبراهين التفكك والانهيار المُجتمعي من خلال بانوراما واقعية كاشفة لما لا نعترف به ونجتهد في إخفائه، وهذا البعد يُمثل أيضاً إسقاطاً على حالة التبلد التي أصابت الشارع المصري فأصبح لا يكترث بما يحدث من تطور مُشين في السلوك الفردي والجماعي كرد فعل حتمي لعدم الانضباط وتراجع الأخلاق وفقدان اللحمة القوية بين مختلف الفئات والتي كانت عنصراً مهماً من عناصر التماسك والحماية المُجتمعية الذاتية قبل هبوب العواصف والرياح والإطاحة بالقيم الأخلاقية في ذروة التكالب المادي وشيوع مبدأ أنا ومن بعدي الطوفان.
الفيلم الذي شارك في مهرجان كان وعدد من المهرجانات المحلية والدولية يطرح تساؤلاً مهماً حول مصير الطبقة الفقيرة والعشوائية التي ترتبط بكل ما له علاقة بالبسطاء من المصريين.
وقد استخدمت كاتبة السيناريو والمخرجة من الأدوات السينمائية ما يجسد الحالة الواقعية ويدل عليها، بدءاً من ملابس البطلة الرثة وإعاقة إحدى ساقيها التي تتوازى مع عوائق حياتها وظروفها، وهو تأكيد مُحكم على عمق البعد التراجيدي والإنساني للبطلة صاحبة الامتياز في الأداء التمثيلي. غير أن هنات بسيطة شابت الرؤية الإخراجية فأثرت سلباً على المستوى الإجمالي كغياب العنصر الموسيقي في كثير من المشاهد المهمة، فضلاً عن تجاهل أزمة الطفل المريض ذاته والاكتفاء ببعض الإشارات المُتصلة بإصابته بالرمد دون التدقيق ولو للحظة في ملامحه وعينية المُتعبتين المُعتلتين، فقد ظل الطفل طوال الوقت وهو البطل الحقيقي للمأساة الطبية الإنسانية في خلفية الصورة والحدث، باستثناء مشهد النهاية الذي تلاقت فيه الأيدي في آخر امتداد السور الحديدي في ما يشبه العناق بين الأم والطفل، أو الارتكاز على المعنى الغريزي في علاقة الحب الفطرية الأبدية، بين طرفين مُتصلين غير مُنفصلين.
كاتب مصري