لندن ـ «القدس العربي»: في فيلمها الروائي الأول «يوم أضعت ظلي»، المشارك في مسابقة الفيلم الروائي الأول في مهرجان لندن السينمائي في دورته الثانية والستين (10 إلى 21 أكتوبر/تشرين الأول)، تجعل المخرجة السورية سؤدد كعدان من ظل الإنسان رمزا لألمه ومعاناته في حرب تقتات على كل ما يعز عليه وتفتك بروحه وأرواح الجميع.
يفقد الإنسان ظله، ذلك الذي يرافقه أينما حل ويرتسم على الأرض جواره، مع الانعدام التام للضوء، وتتخذ كعدان من فقدان الظل رمزا لهذه الحالة من العتمة والعذاب والفقد، التي تتسبب فيها الحرب. يفقد الإنسان ظله عندما يواجه مأساة تفتك بضوء روحه وتقتل الأمل في داخله وتتركه يتخبط في متاهة من الحزن والألم.
يروي الفيلم قصة أم سورية لطفل صغير في بدايات الحرب عام 2012. حلم الأم والصبي حلم بسيط للغاية لأسرة تحاول التشبث بالقدر اليسير للغاية من العادية والطبيعية وسط حياة أصبحت خارجة تماما عن المألوف والمفهوم والمنطق. حلم الأم أن تعد لصغيرها طعاما يدفئه في ليل الشتاء والقليل من الضوء، ولكن نفاد اسطوانة الغاز وسط أزمة طاحنة بسبب الحرب يدفع الأم للخروج في رحلة بحث عن قنينة غاز. هناك في رحلة البحث عما يمنح حياتها وحياة صغيرها بعض الدفء والعادية، تواجه الأم معنى الألم ومعنى أن يفقد الإنسان ظله بسبب الحرب، وترى البطش والظلم مجسدين في صورة جنود، وترى الخوف يرتسم على الوجوه، وترى الأمهات يحفرن قبورا لأبناء يعلمون أنهم لن يعودوا إلى ديارهم.
تصبح رحلة سناء للعودة إلى ابنها هي رحلتنا نحن أيضا، ونرافقها في طريقها على أمل أن نراها في صحبة ابنها مجددا، أمل قد لا يتحقق في بلد يواجه المأساة.
يجمع الفيلم بين الواقعية والواقعية السحرية، بين الحقيقة والرمز، وتغدو فيه سناء (سوسن أرشيد) رمزا لكل أم سورية تحاول أن توفر بعض الأمن والدفء لأطفالها، وتغدو رحلتها للبحث عن اسطوانة الغاز رمزا لسعي الإنسان السوري للبحث عن بعض الأمن والفهم والمعنى في حياة فقدت فجأة ملامحها الطبيعية. في رحلتها للبحث عن اسطوانة الغاز، تلتقي سناء بالشقيقين ريم (ريهام الكسار) وجلال (سامر إسماعيل)، ويتفق الثلاثة على أن يواصلوا معا البحث عن الغاز الشحيح. هناك على مشارف دمشق تدرك سناء لأول مرة مفهوم فقدان الظل، فجلال يسير بلا ظل على الأرض. يروي جلال أنه فقد ظله بعد أن شاهد واستمع إلى تنكيل الجنود بأخيه وتعذيبهم له وهو غير قادر على حمايته أو نجدته. يكاد يكون فقدان الظل في الفيلم موازيا لفقدان الروح، الروح التي يلتهمها الخوف والبطش والتعذيب. فقدان الظل هو أن تقف عاجزا عن حماية من يعزون عليك وأن يكبل البطش يديك فتصبح غير قادر على صد العدوان عمن تحب.
تستغرق أحداث رحلة سناء للبحث عن الغاز ثلاثة أيام. إنها بدايات الحرب، وسناء كانت تحاول أن تنأى بنفسها وبصغيرها عما يدور في البلاد، وتحاول ألا تفكر مليا في مصير الطبيب المالك للصيدلية الذي اختفى، أو أنه قد يكون اعتقل لموقف سياسي، ولا تفكر مليا في الصيدلية التي ينهب الجنود كل يوم مخزونها من الأدوية، ولكن رحلتها للبحث عما هو عادي تماما ومنزلي تماما مثل قنينة الغاز تصبح أمرا محفوفا بالمخاطر، ورحلة للوعي بالبلاد وبالذات تجعلها تحدق بعينين مفتوحتين على اتساعها في ما تعنيه الحرب.
في طريقها تحل سناء ضيفة على منزل أسرة، وفي مشهد يوضح لنا ولسناء فداحة الحرب، تقول طفلة صغيرة لا تزيد في العمر عن نحو الثامنة إن هذا هو الموعد اليومي للحفر، وتمسك يد سناء وتصحبها كي تساعدها في الحفر.
كل نساء المنطقة يتعاون في حفر قبور لأبناء وأزواج وإخوة يعلمون أنهم لن يعودوا، قبور تمتلئ بجثث الأحبة كل يوم ليعاودوا الحفر لمواراة جثامين أحبة جدد في اليوم التالي.

لا يتعمق الفيلم في رسم الشخصيات، وفي رحلة سناء مع الشقيقين جلال وريم، لا نعرف عن حياة سناء نفسها الكثير، إلا أن كل حياتها هو صغيرها خليل، الذي سافر والده منذ أعوام خارج البلاد وتركهما. ولا نعرف عن جلال وريم سوى أن ريم تحاول جاهدة حماية شقيقها لأنه كل ما تبقى لأمها ولها في الحياة.
ولكن علّ عدم التعمق في دراسة الشخصيات هو ما تتعمده كعدان تماما، ففي الحرب وفي محاولة البقاء على قيد الحياة للعودة إلى من نحب حقا يقابل المرء الكثيرين الذين يرافقونه جزءا من الطريق ويبوحون له ببعض مكنونات الروح، ثم لا يلبث أن يفرق الطريق ثانية من جمعهم، وأن تشتت الحرب من اجتمعوا بعض أيام أو ساعات.
قلب الفيلم وجوهره هو تلك الصلة المليئة بالحب بين سناء وصغيرها خليل، ففي المشاهد الأولى للفيلم يضيء خليل الشاشة بابتسامته وبعلاقته شديدة العذوبة والدفء بأمه، وتصبح رحلة سناء للعودة إلى ابنها هي رحلتنا نحن أيضا، ونرافقها في طريقها على أمل أن نراها في صحبة ابنها مجددا، أمل قد لا يتحقق في بلد يواجه المأساة.