لم يعد الفكر الاستعماري كما كان في صورته الكلاسيكية، بل أصبحت الدول تمارس استعماراً ثقافياً وفكرياً، حتى إن (ضحاياه) هم أكثر من يحافظ على تمثله، ومحاولة العيش من خلاله، والإصرار على الانتساب إليه، ولو حتى بمفهوم المقاومة الزائف، الذي يكذبه دوماً لاوعي الضحية، وفي سبيل ذلك تقدم الضحية موروثها كقربان لإله جديد تستجدي رضاه. هذه الآفة الروحية لم نزل نرى نتاجها في العديد من الأعمال الفنية، التي ربما تكون أكثر حياة من دراسات ونظريات اجتماعية جافة ومُفتعلة في الكثير من الأحيان.
العديد من الأعمال الفنية تتمثل هذا النهج، وبعضها بالمصادفة يتصدر المشهد، ويصبح حديث الميديا، وهو ما حدث مؤخراً مع الفيلم الفرنسي Mignonnes بمعنى (لطيفات صغيرات) أو Cuties في ترجمته الإنكليزية، خاصة بعد عرضه من خلال منصة نتفليكس، وقد لاقى هجوماً حاداً، بعد اتهامه بالاستغلال الجنسي للصغيرات. الفيلم إنتاج فرنسي مستقل، وحازت مؤلفته ومخرجته الفرنسية السنغالية الأصل مأمونة دوكوري ـ مواليد عام 1985 ـ جائزة الإخراج من مهرجان صندانس. أداء فتحية يوسف، مدينة العايدي، إستير جوهورو، إيلانة كامي، ومأمونة جوي.
التحرر الموهوم
(إيمي) فتاة في الحادية عشرة من عمرها، من عائلة سنغالية مسلمة تعيش في فرنسا. وما بين تقاليد إسلامية معهودة في محيطها العائلي ـ تحاول صاحبة الفيلم جعلها تقاليد متشددة ــ وحلم التواصل مع أخريات في المدرسة، لديهن موهبة الرقص، ويحلمن بالمشاركة في مسابقة مُرتقبة يتم سرد المفارقات. ولنا بالطبع أن نتنبأ بالتركيبة المعروفة ما بين مجتمعين منفصلين تماماً، وما الفتاة إلا حلقة الوصل بينهما. أدعية قرآنية في جلسة نساء، ودرس ديني يحض على احتشام المرأة وتغطية جسدها، لأنه أمانة الله لديها، كما أن والد الفتاة المسلم يستعد للزواج بأخرى، بل القدوم بها للعيش في بيت زوجته الأولى وأطفاله، وما على المرأة/زوجته إلا مباركة هذا الزواج، بل ترتيب البيت والمشاركة في حفل الزواج، واستقبال زوجها وزوجته الجديدة، فهذا هو الشرع وهذه قوانينه، وعلى المرأة السمع والطاعة. أما على الناحية الأخرى فالفتاة تتعاطف مع أمها، وتتمنى ألا يأتي والدها إلى البيت، وتحاول جاهدة البحث عن ذاتها من خلال التقرب إلى مجموعة من زميلاتها في المدرسة، يرقصن ويمارسن تدريباتهن في أماكن بعيدة بجوار النهر. وبالفعل تنضم إليهن، خاصة بعد مصادقتها متزعمة الفرقة، الفتاة البيضاء عربية الأصل، والأشبه بالأوروبيات ـ مثال الجمال المُعتَمَد ـ التي للمصادفة تشاركها السكن، بما أن الجميع عبارة عن مجتمع من المهاجرين، ومن ذوي الأصول المختلفة.

ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي ـ الخطر الغربي كما تصوّره صاحبة الفيلم ـ تقلد الفتيات رقصات الكبار، من خلال حركات جنسية مُفتعَلة، ناهيك من استعراض أجساد الفتيات بطريقة مقززة، حتى إن كان المقصود منها إيصال هذه الحالة للمُشاهد، إلا أن عرضها لا يكون بهذه الطريقة الرخيصة. وإن كان هذا هو سبب الإشكالية المباشر، إلا أن المشكلة الأكبر، التي لم يتم التعرّض إليها، تكمن في فكرة التبعية المقيتة، والشعور بدونية الأصل ومعاداة التقاليد والموروثات ـ معاداة فجة ـ في سبيل محاولة الانتساب للآخر، وجوداً ووعياً، فالتحقق فقط من خلال هؤلاء. وربما يأتي المشهد الأخير في الفيلم مغايراً لجميع أحداثه، فبعد الاشتراك الفعلي في المسابقة، تتوقف (إيمي) على المسرح، ولم تعد تسمع موسيقى الاستعراض الذي تقوم به، بل تبتعد وتسمع موسيقى افريقية بعيدة، بعدها تفر هاربة وهي تبكي، وتصل إلى المنزل، فلا تشارك حفل زواج أبيها، بل تظل أمام بيتها في الشارع تلعب مع أطفال في مثل سنّها، وتبتسم في فرح طفولي. ولكن.. هل يكفي مشهد وحيد في النهاية لنسيان أكثر من ساعة ونصف الساعة هي زمن أحداث الفيلم؟ الأمر أشبه بأفلام المخدرات المصرية، فطوال الفيلم لا نجد سوى إما النكات وأجواء المساطيل، أو إثارة المطاردات، وقبل النهاية بقليل يأتي المصير المؤلم، لأن ما سبق كان عيب وحرام!
فتاة سمبين
يستدعي الفيلم بالضرورة عمل المخرج السنغالي عثمان سمبين «فتاة سوداء» إنتاج عام 1966، حتى يمكننا اكتشاف الفارق بين الحلم بالحياة في الغرب ومصيره المحتوم، كما وضحه سمبين، وسذاجة التناول في عمل طفلات مأمونة دوكوري، والتوسل بأي شكل بالإيحاء بأن جنة الغرب هي المأوى، رغم بعض الأخطاء غير المقصودة. بالطبع عصر سمبين يختلف تماماً عن عصر المخرجة، وتصاعد أزمة المسلمين في أوروبا، خاصة فرنسا وخطابها المتعالي الإقصائي، بدون التنصل من وجهة نظر وموقف المتأسلمين، والذي يتعاظم عظمة جوفاء، وقد أصبحوا خارج التاريخ. لكن زمن سمبين كان زمن التحرر من الاستعمار الفرنسي، ومحاربة أوهام الحضارة والحرية والمساواة في العالم الأول، فالفتاة التي توهمت تحقيق أحلامها في فرنسا، عادت جثة، فلا أمل هناك سوى الضياع التام. كانت تحرك سمبين أحلام تلك الفترة، لكنه ـ كفنان سينمائي ـ صنع فيلماً، بدون التورط في منشور دعائي ستيني، بل نسج عالماً جمالياً يعرف جيداً كيفية صياغته. ولن نقارن بالطبع ما بين سمبين ومخرجة Cuties، لكن نتحدث عن الفكرة وطريقة تناولها، إضافة إلى اللغة السينمائية المتواضعة، فالأمر بالأساس يرتبط بمدى الوعي بالتراث والتاريخ ورؤية الآخر. ولم تكن صاحبة Cuties هي الأولى، ولن تكون الأخيرة، فالكثير من صناع الأفلام العرب والمصريين يصدرون أفكاراً على مقاس الغرب، تدّعي حرية الفكر والتعبير الصادق عن مجتمعاتهم، بدون مواربة أو تجميل الواقع، لكنهم يسقطون في جب هذا الواقع، الذي يبدو تماماً أنه لا يمت لما يعيشونه، أو يتصورون أنهم يعرفونه، فالأمر أولاً وأخيراً متاجرة، تحاول إبعاد شبح الدونية عن ذواتهم، مع نسيان أن هذه الأعمال تجسد إحساسهم بالنقص أكثر.
كاتب مصري