أي فيلم سينمائي من الممكن أن يفرض حضوره المؤثر في منطقة الاشتغال الجمالي إذا ما توفرت في بنيته جملة عناصر فنية في مقدمتها جدَّة الموضوع وأهميته بالنسبة للمتلقي، وانحياز حبكته لصالح المشاعر بهويتها الإنسانية، ووضوح رؤيته الفلسفية وتوظيفها رمزيا في العناصر التقنية، بهذا التشاكل يدخل الفيلم في منطقة “التبئير” ليكشف عن واقع مستتر خلف تمظهراته المضللة التي تحجب عنا حقائق كثيرة، وما يطرحه المُنْتَج الفني من قيم جمالية لا تنفصل عما يطرحه من خطاب فلسفي يعرّي ما تَمَّ تغييبه، هذا ما يبدو واضحا في الشريط السينمائي الكوري الجنوبي “الطفيليparasite-” إنتاج 2019 للمخرج بونغ جون هو، الذي فاز بأربع جوائز أوسكار لعام 2020: جائزة أفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل سيناريو أصلي وأفضل فيلم أجنبي.
حكاية الفيلم
ابتدأ من المشهد الأول نواجه تمثلا واقعيا لنسق علاقات طبقية بتقاطعاتها الحادة تجمع ثلاث أُسَر كوريّة، الأولى تمثلها أسرة كيم الفقيرة التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى بأفرادها الأربعة (ألام وألاب إضافة إلى ولد وبنت في مرحلة الشباب) وأسرة بارك البالغة الثراء وهي نموذج للعائلة التي تنتمي للطبقة الرأسمالية، والثالثة تنتمي أيضا إلى الطبقة الفقيرة وتمثلها مديرة فيلا بارك وزوجها الذي نجحت في أن تخفيه في قبو الفيلا لمدة تزيد على الأربعة أعوام هربا من الدائنين بعد ان اقترض مالا منهم ولم يستطع إعادته إليهم، ولم يعلم بوجوده أحد بمن في ذلك مالك الفيلا.
تقيم عائلة كيم في قبو ضيق جدا مؤلف من غرفتين صغيرتين، ويبدو المكان أقرب إلى ملجأ تحت الأرض، لا يصله الهواء ولا النور وليس فيه سوى نافذة زجاجية تطل على الزقاق. حال أفراد العائلة يشير إلى أنهم شبه عاطلين عن العمل، وحياتهم تفتقد إلى أبسط حقوق العيش الآدمي حتى إشارة خدمة الواي فاي المجانية لا يمكن التقاطها في قبوهم فيلجأون إلى رفع أجهزة هواتفهم عاليا بحثا عن زاوية يمكن التقاط الإشارة فيها، هذا إذا نجحوا في العثور على الرقم السري لخط الانترنت للشقة التي تقبع فوقهم. هذا الحرمان والحياة الطفيلية جعلتهم لا يترددون في الإقدام على ممارسة فنون الاحتيال وتزوير وثائق لأجل الحصول على لقمة العيش، فتشاء الصدف أن طالبا جامعيا يتولى تدريس اللغة الإنكليزية لابنة رجل الأعمال بارك يقرر السفر إلى الخارج لإكمال دراسته فيعرض على صديقه ابن كيم، الذي يتقن الإنكليزية أن يحل بدلا عنه في تدريسها رغم انه لم يكمل دراسته الجامعية بسبب عدم قدرة والده على تسديد تكاليف الدراسة، كما أن صديقه يستطيع ان يأتمنه على ابنة بارك طيلة فترة دراسته في الخارج لأنه يحبها وعازم على أن يتزوجها حال عودته إلى كوريا، وبعد ان يحظى بالوظيفة مزوداً بوثائق جامعية مزوَّرة تبدأ عائلته تتحفز لوضع خطة محكمة فيها من الأسباب المقنعة ما تدفع عائلة بارك الغنية إلى الاستغناء عن سائقهم الخاص ومديرة المنزل رغم أن وجودها في هذه الوظيفة مضت عليه فترة طويلة وقبلها كانت تعمل أيضا في خدمة عائلة المهندس المعماري نامكونغ الذي صمم الفيلا ذاتها وبناها لنفسه ومن ثم باعها لبارك.
رؤية الفيلم تشتغل على مسار فني يرصد ما تتركه البنية الرأسمالية من آثار مؤلمة على أفراد الطبقة الوسطى من الناحية المعيشية والنفسية والقيمية إلى حد أنهم ينحشرون في أماكن تحت الأرض لا تصلح للعيش، تتكاثر فيها الحشرات وينعدم فيها الهواء النقي، وتغرق بمياه قذرة تطفح بها أنابيب الصرف الصحي ما أن تتساقط الأمطار.
من جانب آخر يقدم لنا صورة عن القيم الأخلاقية الشائعة بين الطبقات الثرية والفقيرة، فمالك الفيلا وعائلته لا يترددون في التعامل مع مخلوقات تنتمي إلى قاع المجتمع ولكن بشرط أن يعرفوا حدودهم، أما الشخصيات المسحوقة طبقيا فبقدر ما لديها القدرة على ان تستمتع وتفرح بأبسط الأشياء التي تنالها فهي معبأة بمشاعر حقد ومكر ورغبة في الاستيلاء على أملاك الأثرياء بكل طرق التحايل والتزوير ولا تقف أمامها أي حدود لأجل أن تغادر بؤس العيش الذي تقبع فيه، ولم نجد بينها ولو شخصية واحدة لديها موقفا رافضا تبتعد فيه عن أخلاقيات طبقتها.
بهذه الرؤية السوداوية التي مسخ بها المسحوقين طبقيا بدا المخرج بغاية القسوة وهو يرسم لنا هذا الشكل من التنميط الميكانيكي الذي أضفاه على جميع أفراد عائلة كيم ومديرة المنزل وزوجها المختفي في القبو.
يحصل التطور المهم في البناء السردي للفيلم عندما تكتشف عائلة كيم أن زوج مديرة المنزل مختبئ في القبو، وبعد ان انكشفت لعبة الاحتيال والتخفي التي مارستها العائلتان يتحول جميع أفرادها إلى حفنة مجرمين يدخلون في معركة دامية في ما بينهم، ويتلقى بارك طعنة قاتلة من قبل كيم ويسقط مضرجا بدمائه على العشب الأخضر لحديقة بيته وسط ضيوفه وعائلته بعد حفلة دامية استخدمت فيها السكاكين والفؤوس، وليختفي كيم في قبو الفيلا قبل أن تصل الشرطة، التي لم تتمكن من العثور عليه رغم بحثها عنه لفترة من الزمن، إلاّ ان ابنه وبعد عدة أشهر يتمكن من معرفة مكان اختبائه، لكنه لا يستطيع أن يدخل الفيلا التي اشترتها عائلة أمريكية ولم يبق أمامه سوى أن يحقق حلمه بالتفوق والنجاح في العمل حتى يتمكن من شراء الفيلا، وإخراج والده من القبو.
نحن أمام توليفة أرادها المخرج أن تكون صورة استعارية لطبيعة البنية الاجتماعية الطبقية الرأسمالية بكليتها وليس أمام نماذج فردية، وفي هذا التجانس والتماثل القسري يمثل قدرا كبيرا من التشويه للطبيعة الإنسانية للطبقة الفقيرة أكثر مما كانت محاولة لفضح الطبيعة البشعة في البنية الرأسمالية.
سرد تقليدي
لم يخرج الفيلم في بنيته السردية عن سياق محاكاة نماذج سينمائية سبق أن قدمتها السينما الأمريكية، بمعنى انه لم يشتغل في إطار الافتراق عما هو سائد من أساليب عادة ما ينساق إليها المخرجون الأمريكان المرتبطون بالشركات العالمية المعروفة في هوليوود والتي تحرص على أن تضع جملة معايير فنية وفكرية ينبغي توفرها في الأفلام المجدولة ضمن خططها الإنتاجية والتي تراعي فيها أولا تحقيق ايرادات مالية عالية، وثانيا مغازلة ذائقة الجمهور وإرضائه بتركيزها على موضوعات تشبع في داخله غريزة العنف والإثارة والجنس، وهذه المفردات الثابتة دائما ما يتم تمريرها ضمن سياق حكائي سردي تقليدي بسيط، خاصة ما يتعلق بالتعامل مع الزمن، ومن هذه الناحية الفنية ليس هناك ميل للخروج عن البناء الخطي الافقي، وقليلة جدا هي الأفلام التي يأخذ فيها الزمن غير هذا الشكل، والفيلم الكوري يكاد أن يكون مندرجا في هذا السياق وإن يبدو للوهلة الأولى على غير هذه البنية من خلال محاولته إضفاء أسلوب المخرج الأمريكي كوينتن ترانتينو وهذا ما تجلى بشكل واضح في الجزء الأخير الذي شهد عنفا مفرطا طالما عودنا عليه ترانتينو في جميع أفلامه، ولم يخف المخرج إعجابه وتأثره به وهذا ما جاء على لسانه في أحاديث صحافية اجريت معه، ولكن هذا لا ينفي قدرته الاحترافية على الإمساك بعناصر السرد السينمائي حسب الطبخة الأمريكانية في صناعة الفيلم، ويمكن ملاحظة ذلك في تدفق ايقاعه المحسوب وبدقة متناهية كما لو أنه قطعة سمفونية تتماهى فيها الأصوات والحركات والايقاعات مع بعضها من غير زيادة أو انحراف في أي عنصر من العناصر.
دلالة المكان والرائحة
القبو كمفردة مكانية كان فضاء دراميا أساسيا استوعب بإشارته الرمزية شخصيات تنتمي إلى الطبقة الفقيرة المسحوقة، هذا إضافة إلى أن دلالاته تتعدى اشاريتها إلى المستوى الاجتماعي بعنوانه الطبقي لتشتغل في منطقة تتجاوز نسقها الوظيفي كمكان إلى ما هو فلسفي لإيصال الشعور بفقدان الأمان وهيمنة شبح الحرب النووية التي يلوح بها زعيم كوريا الشمالية، وقد تم التعبير عن ذلك بسخرية في واحد من أجمل المشاهد عندما تجلس مديرة المنزل الأولى على ظهر زوجها كما لو أنها تمتطي حصانا وهي تمسك بالموبايل الذي تشبهه بالصواريخ النووية التي ستدمر العالم ما أن تضغط على زر البث المباشر، وتنكشف حقيقة أفراد العائلة الأربعة الذين احتالوا على مالك المنزل وزوجته لتوظيفهم جميعا في خدمته داخل الفيلا من غير أن يعرف بانهم عائلة واحدة، وليسوا غرباء عن بعضهم، كما تظاهروا عندما تقدموا في الخدمة المنزلية. رغم أن الطفل الصغير لمالك البيت اكتشف ما يفوح منهم من رائحة متشابهة ولكن مالك البيت وزوجته لم يعيرا أهمية لملاحظة طفلهما.
كانت الرائحة المبعثة من الشخصيات واحدة من الدلالات الرمزية على الانقسام الطبقي، فأبناء العوائل الثرية كل واحد منهم له رائحته الخاصة التي تميزه عن الآخر بينما الفقراء يتشابهون جميعا في ان لهم رائحة واحدة، مبعثها الأقبية التي يقطنوها والمواصلات العامة التي ينحشرون فيها يوميا فتكتسب أجسادهم وملابسهم رائحة واحدة تجعلهم كتلة آدمية متشابهة في بؤسها ورائحتها ولا يستطيع الأغنياء أن يحتملوا شمها عندما يتواجدون معهم في مكان واحد.
تساؤلات حول الجائزة
فوز الفيلم بالأوسكار رغم انه ليس إنتاجا أمريكيا ولا ناطقا بالإنكليزية يعد سابقة في تاريخ الجائزة منذ انطلاقها عام 1927 وكان من الممكن أن ينال جائزة أفضل فيلم أجنبي، كما هو متبع، خاصة أن أفلاما أمريكية كانت فرصة حصولها على الجائزة أفضل فلم منه بكثير، ويقف في مقدمتها فيلم 1917 للمخرج سام منديز، فهل توجد دوافع غير فنية تمارس تأثيرها على قرار أعضاء الأكاديمية؟ ليست هناك إجابة جازمة على هذا السؤال، لكن من الممكن تتبع مؤشرات نصل من خلالها إلى أن جائزة الأوسكار تخضع أحيانا لحسابات غير فنية، ومثل هذا التأثير سبق ان شهدته دورات سابقة للأوسكار، وهذا ما حصل عندما فاز فيلم “ضوء القمر” بالجائزة عام 2016 على حساب أفلام أخرى أفضل منه بكثير مثل “لا لا لاند “مع أن “ضوء القمر” بدا إنتاجا متواضعا وفي مستواه الفني أقرب ما يكون إلى دراما تلفزيونية، ولكن فوزه جاء انسجاما مع حملة الدعم الدعائية التي يتلقاها المثليون من قبل منظمات المجتمع المدني التي يقف وراءها المجتمع الدولي. وربما فوز “الطفيلي” يأتي في سياق الحرب الدعائية ضد نظام كوريا الشمالية والتي اتقن الفيلم تمرير هذه الرسالة بشكل سلس وغير مباشر، ولا ننسى أن المخرج سبق له أن قدم عام 2013 فيلم حركة وخيال علمي من إنتاج مشترك كوري جنوبي-أمريكي بعنوان “محطم الثلج”.