القاهرة ـ «القدس العربي»: في الدول القمعية عندما تكون لك وجهة نظر مناقضة، أو حتى رؤية مختلفة للسلطة والنظام الحاكم، وقتها لا تكون قد اخترت وجهتك، أو مصيرك وحدك، بل أسرتك كلها ستدور في فلك هذا المصير. وفي عالمنا العربي السعيد ـ من وجهة نظر حُكامه ـ يتساوى اليسار والمتأسلمين في المصير المحتوم. وعند تحويل (التجربة) إلى فن ستميل الكفة ناحية اليسار ـ رغم تباين هذه التجارب بين الفن والفجاجة ـ بينما المتأسلم دوماً حينما يُيَمم وجهه شطر الفن فغالباً ما يبدو ثقيل الظِل وضيق الأفق، فالعمل يبدو توجيهياً وإرشادياً في الغالب، لظنه أنه الوحيد الذي يمتلك الحقيقة والرأي الصواب.

«أبو زعبل 89» فيلم وثائقي طويل، سيناريو وإخراج بسام مرتضى، عُرض مؤخراً في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الـ45، وحصل على عدة جوائز.. أفضل فيلم وثائقي طويل، إشادة في مسابقة أسبوع النقاد الدوليين، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مسابقة أفضل فيلم افريقي. يدور الفيلم حول طفل في الخامسة يتذكر رحلته مع والدته إلى سجن (أبو زعبل) لزيارة أبيه عام 1989. هذه الذكرى كان لها أكبر الأثر على حياة ذلك الطفل ـ مخرج العمل الآن ـ ومن خلالها يتم استعراض المناخ السياسي والاجتماعي لمصر وقتها، الذي يستمر أثره حتى الآن، فالعلاقة بين الحاكم ونظامه والمحكومين، تتم إعادة إنتاجها بشكل أو بآخر، فلم يتغير شيء. هذا من ناحية، أما الأهم فهو علاقة الآخرين ـ خاصة الأسرة ـ باختيارات معارض النظام، وتبعات موقفه الذي في كل الأحوال لا يخصه وحده. ومن خلال عين الطفل وقتها ووعيه الآن، يتم سرد الأحداث وإعادة إنتاجها لتقييمها ومواجهتها بمعنى أدق.
المناضل
تم حبس المناضل (محمود مرتضى) بصفته أحد الداعمين لإضراب عمال مصنع الحديد والصلب في حلوان، إضافة إلى التهمة المعهودة من مخلفات الستينيات والسبعينيات، وهي الانضمام إلى تنظيم شيوعي سرّي، ورغم حبس الرجل عدة مرّات من قبل، إلا أن أقساها كانت في أبي زعبل عام 1989.
الغائب
بعد تجربة السجن هذه ـ خاصة الحبس الانفرادي ـ يُعيد الرجل حساباته وترتيب أولوياته، ليرى أن النضال لا يمنع الحلم الشخصي، وانتوى أن يبدأ من جديد، فخرج رافضاً كل ما كان، حتى الزوجة التي يبدو أنها ناضلت بحق، مُتحمّلة مسؤولية بيت وطفل وزوج سجين ـ كالكثيرات ـ وسافر إلى الخارج وأقام علاقة بأخرى، وابتعد فعلياً أكثر مما كان في محبسه، وأصبح التواصل بينه وبين ابنه ينحصر في الخطابات والشرائط المُسجلة كعادة تلك الأيام. ويأتي في زيارة سريعة ليضيف إلى الأسرة طفلاً آخر، ثم يرحل، وفي الأخير ينفصل عن زوجته.

الابن
يبدو الابن هنا أكثر التصاقاً بوالدته، ويحكي بأنه حل محل الأب في مسؤولياته، إحساس لم يفارقه، حتى في رحلة مرض والدته حتى وفاتها. هذه الرحلة التي لم تكن اختيارية، كما رحلة الأب، إلا أنها كانت محرضة على استعادة هذا التاريخ ونقده، دون محاولة إصدار أحكام، فقط استعراض التجربة من وجهتي نظر الأب والأم ـ قام الثلاثة بتأدية أدوارهم أمام الكاميرا ـ وتبدو المقارنة بين الرجل والمرأة، ووجهة نظر كل منهما للحياة في موقفين.. فالأم تذكر أنها لم تكن تمتلك ترف الانهيار أو الإحباط ـ نظراً لمسؤولياتها ـ بينما الرجل أي موقف يقابله لا يستطيع تحمّله فينكسر على إثره. وفي لفتة موفقة نجد الأب ـ المسافر ـ يذكر في شريط مُسجّل لابنه، بأنه شاهد فيلماً مصرياً يريد أن يناقشه مع ابنه، وهو فيلم (شحاتين ونبلاء) المأخوذ عن رواية ألبير قصيري (شحاذون ومعتزون)، ويستشهد الأب بشخصية بطل الفيلم (الأستاذ جوهر) ويرى أن المثقف لا يجد أمامه في ظل أوضاع المجتمع إلا الانعزال، وهو أفضل ما يمكن فعله.
العزلة
لا يقتصر الموضوع على أسرة صانع الفيلم، بل يمتد لأسر بعض أصدقاء الأب، ممن شاركوه محبسه، فأغلبهم أولادهم في بلاد أخرى، منهم مَن كوّن أسرة، ومنهم مَن يعيش وحيدا، وحين يجتمع رفاق النضال لا يجدون سوى الحكايات المُعادة والمعتادة عن فترة السجن، وكأنهم في متحف يخصهم وحدهم، وبالطبع هنا سنجد الكليشهات المعهودة بالضرورة كغناء بعض من أغنيات الشيخ إمام، أو سرد قصيدة لأحمد فؤاد نجم، أو أمل دنقل الذي صدّر المخرج، بكلماته فيلمه.
المناخ العام
وحتى ينجو العمل من المباشرة ـ كالكثير من الأعمال التي تتناول حكايات مشابهة ـ كان هناك العديد من الإشارات الفنية.. كالمظاهرات التي بدأها الأب وسجن بسببها عام 1977 في انتفاضة الخبز ـ انتفاضة الحرامية كما أطلق عليها السادات وأبواقه ـ وصولاً إلى ثورة 25 يناير/كانون الثاني التي شارك فيها الابن، فهي مسيرة لن تتوقف سواء تغيّر الحاكم أو زمنه. كذلك المقارنة بين زنازين المساجين ومصنع الحديد والصلب الآن، حيث تم غلقه وتسريح عماله، إضافة إلى لقطات لأحداث مفصلية في التاريخ.. انهيار سور برلين، فض الجيش لاعتصام الطلبة المؤيدين للديمقراطية في بكين، وحرب الخليج. فكرة التوثيق هذه إلى جانب مانشيتات الجرائد وقتها كمقتل أحد العمال برصاص الشرطة، وكذا تعليق زكي بدر وزير الداخلية وقتها في الصحف مؤكداً أن «التعذيب لن يوقف مسيرة مصر الديمقراطية». إضافة إلى عرض حكي أداه الممثل سيد رجب عن تجربته في السجن، وقد كان شريكاً للأب في تجربة أبو زعبل 89.
فردوس بهنسي
زوجة المناضل ووالدة صانع الفيلم، الذي آمن بتجربتها الحياتية، وحاول تفهم تجربة والده، وهو ما يتضح في مشاهد قام فيها بإعادة تمثيل ما حدث لأبيه، بإلقاء نفسه في حوض ماء آسن، كما فعل والده حينما خرج من سجنه الانفرادي، وقد نسف بعدها حياته القديمة بتفاصيلها وشخصياتها. ويصبح الابن الآن متأرجحاً بين رؤيتين أو موقفين لا يحسمهما حتى نهاية الفيلم.. هل سيستقر في مصر أم سيسافر كابناء المناضلين؟ ولكن الأهم بالنسبة للمُشاهد يتمثل في مَن هو المناضل الحقيقي.. هل الكائن اليساري؟ أم السيدة فردوس بهنسي كامرأة مصرية تتشابه حياتها وحياة الكثيرات من المصريات؟