القاهرة ـ «القدس العربي»: من الممكن كتابة نصوص أدبية تستطيع خلق عالم مثير للدهشة، ولكن ليس في إمكانية جميع هذه النصوص أن تحمل قدر الدهشة نفسه، عند تحويلها إلى وسيط آخر، نص سينمائي أو سيناريو مُكتمل. من ناحية أخرى قد يكون توقع الفنان لما يريده من عمله الفني يفوق إمكاناته بكثير، بحيث يصبح نجاح فكرة ما وكيفية تجسيدها فنياً مجرد وهم في وعي هذا الفنان أو ذاك. ولا يخرج فيلم «صندوق الدنيا» عن هذا الإطار، فلا حكاياته خارجة عن المتوقع، بل أقل، ولم يستطع أن ينسج عالماً سينمائياً مُحكماً، ربما اكتمل فقط في مخيلة أصحابه، خاصة أنه يتحدث عن القاهرة ـ وسط المدينة ـ فجاء العمل مجرد كليشيهات وشخوص نمطية مكررة، بل مشوهة إلى حدٍ كبير، لم يستطع الفيلم تجاوزها، أو بمعنى أدق تجاوز التفكير المبدئي في حكاية درامية. الفيلم أداء.. خالد الصاوي، رانيا يوسف، باسم سمرة، صلاح عبد الله، أحمد كمال، علاء مرسي، فرح يوسف، وعمرو القاضي. تأليف أسامة حبشي وعماد البهات، ومن إخراج الأخير.
نخب التأسي
نبدأ من التيتر، فبما أن الفيلم اسمه «صندوق الدنيا» فلتكن المقدمة عبارة عن استعراض عرائس يحركها طفل، يحاول أن يتجنب معركة بين شخوص هذه العرائس، حتى تتم جريمة قتل، فالحياة صراع وصعبة كما نعرف. يرد على هذا لعبة الحاوي داخل الفيلم، هذا الحاوي الذي يستعرض ألعابه من النوم على المسامير، وأكل الزجاج، واللعب بالنار، كل ذلك والحاوي يتفوّه طيلة الوقت بالعبارات الحكيمة عن العيشة واللي عايشينها.
ويبدأ الفيلم باستعراض الشخصيات، التي ستتوحد في الزمان والمكان، يوما واحداً، ووسط المدينة، شخصيات متنافرة، تتواجد مصادفة ـ أو هكذا أراد لها صُناع الفيلم ـ في التوقيت ذاته. سائق ميكروباص (باسم سمرة) ــ والد الطفل صاحب التيتر ــ يذهب إلى القاهرة ــ أو مصر كما يقول ــ ببعض السيدات لزيارة مقام السيدة زينب، ومعه ابنه، ويحكي في مباشرة أن الطفل هو كل حياته، بعدما ماتت زوجته، وأن مصر أم الدنيا يضيع فيها الغريب، ولا يستطيع أحد أن يعرف ما تدبره له، يعني.. كلام من مقام حكايات قبل النوم المعهودة. وبالفعل يضيع الولد من أبيه في زحام القاهرة.
هناك اضطراب واضح بداية من بنية الفيلم وأسلوبه، قصص مختلفة لا يربطها رابط سوى المكان. وهذه الطريقة من السرد لها شكل ليس من السهل أو الاستسهال الكتابة من خلاله.
وتتوالى الكليشيهات شخوصاُ ومواقف وعبارات.. شاعر وروائي (خالد الصاوي) ماذا سيكون؟ بالطبع سيسكر في بار شهير في المدينة، كما أنه كحال شعراء وسط البلد، إما أن يتبادلوا النسوة، أو تتبادلهم النسوة، الشاعر هنا من النوع الثاني، فعلاقته متوترة مع زوجته الشابه (فرح يوسف) الممثلة المغمورة، لا يجد ما ينفقه، وبالضرورة تخونه الزوجة ـ ذلك هو المبرر ـ فيقرر قتلها، ويسعى للحصول على سلاح للجريمة. أما صديقه (أحمد كمال) فهو ممثل، ولا يجد عملاً في الوقت الراهن، ويعيش فوق سطح إحدى عمارات القاهرة ـ سكن الفنانين دوماً أو مدّعي الفن ـ حكيم ورصين، ويحاول مساعدة رجل شبه معتوه (علاء مرسي) يحب فتاة تعمل ممرضة (رانيا يوسف) في عيادة في البناية نفسها، التي بدورها فاتها قطار الزواج، ولا تجد سوى الزواج عرفياً من الطبيب (صلاح عبد الله) الذي تعمل لديه، والذي بدوره يغدر بها ويسرق ورقة الزواج. آه .. نسينا أن الرجل الذي جاء بالمسدس للشاعر، وهو في رحلة هروبه قبل الإمساك به، قام بقتل سائق الميكروباص ـ والد الطفل ـ وسرق السيارة. كذلك فالشاب الذي تخون الزوجة زوجها الشاعر معه، يحب بدوره فتاة تبيع الخضار وترفضه، لأنها تعرف أنه يستغل النساء.
وبمناسبة النساء.. هل اختلفت نظرة الفيلم إلى النساء؟ فالممثلة التي تبيع جسدها في سبيل دور في السينما، تقابلها الممرضة التي تبيع جسدها أيضاً تحت مُسمى واهٍ اسمه الزواج، حتى تخرج من نفق العنوسة، أما قديسة الشوارع فهي بائعة الخضار، التي تنام بجوار بضاعتها في ما يُشبه السرير وكأننا في عالم فانتازي.
وإن كان مؤلفا الفيلم يجتهدان في البحث عن مخلوقات نتأسى من أجلها، كان من الممكن لهما بصفتهما خبراء وسط البلد ـ كما نطلق على قلب القاهرة ـ الاستشهاد بنساء مثقفات، داستهم الثقافة والأخوة المثقفون، فأصبحن يعشن في ما أشبه بالمصح النفسي. عليهما فقط القيام بزيارة بسيطة لآتيليه القاهرة، أو مقهى زهرة البستان. أما المدعيات المتأنقات، فيمكن إيجادهن في مقهى ريش. فالبحث عن نماذج مشوّهَة لا يصنع فيلماً مؤثراً، أو يحمل بعضا من حقيقة.
الزمن والسرد
هناك اضطراب واضح بداية من بنية الفيلم وأسلوبه، قصص مختلفة لا يربطها رابط سوى المكان. وهذه الطريقة من السرد لها شكل ليس من السهل أو الاستسهال الكتابة من خلاله. كذلك تأرجحت حالات الفيلم من الواقعي أو ما يشبه الواقع، وعالم الفانتازيا، بحيث يجتمع كل هؤلاء دونما أي استغراب، وهو ما لم يتحقق، كل هذا بدوره تجسد في مشكلة كبرى هي زمن سرد الأحداث، فالفصل بين الحكايات، التي اتخذت فيها كل حكايه اسماً، مثل.. حلم، كومبارس، ممرات الخوف، الرهان، آخر نفس ـ اسماء توحي بالعمق أو هوس العمق ـ هذا الفصل يأتي من خلال استعراض الحاوي الحكيم، وعباراته التي تثير الضجر أكثر من أن تنال الإيماء بالاستحسان، فهل يُعقل أن يستمر الحاوي في ألعابه طيلة هذا الوقت، يكاد يتجاوز الساعة، إضافة إلى الإصرار على أن تنتهي الأحداث في نهاية الليلة. والأفدح من ذلك.. أن تجتمع كل هذه الشخوص في حلقة الحاوي، حتى عازف البار، الذي قدم معزوفته تحية للشاعر الغارق في سُحب دخانه، قد أتى بدوره ليشارك في هذا السيرك المُفتَعَل، بأن الدنيا حلوة رغم شكلها الوحِش، على غرار أغنية ليلى مراد.. «إضحك كركر أوعى تفكر». يعني .. الأمر في الأول والأخير لا يعد سوى نُكتة (مزحة) سخيفة.