القاهرة ــ “القدس العربي”: “الفقراء ليسوا مجرمين، الفقراء لا يحملون السلاح ويتقاتلون مع بعضهم البعض، الفقراء يعملون ويكدون … إذا أردنا أن نقول إن هذا الفيلم يحمل رسالة محددة، فهي الاحتفاء بقيمة العمل، حتى لو كان المكان بهذه الصعوبة وهذه البشاعة”. (مخرج الفيلم في ندوة بعد عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي الأخير).
بعيداً عن هذه الكلمات التي تفوق حجم الدعاية لفيلم “ورد مسموم” إضافة إلى الحالة الاحتفائية التي قوبل بها من قِبل المحسوبين على الثقافة المصرية، والذين يرون البسطاء والمساكين في شكل مصطلحات لا أكثر ولا أقل، فمن المفترض أن يكون أحدهم قد اطلع أو قرأ الرواية المأخوذ عنها الفيلم، فهو مستوحى من رواية “ورود سامة لصقر” للكاتب أحمد زغلول الشيطي، ولكن حتى لو قرأوا وتثاقفوا، فالعمل الدعائي هو الأقرب والأسهل، والتهليل والتأويل وإضافة الكلمات الكبيرة الرنانة هي السبيل الوحيد، كما لا بد أن يحصل الفيلم على جائزة وأكثر في مهرجان القاهرة. فالفيلم مصري، ولا يمكن أن تخرج مصر هكذا من مهرجان يقام على أرضها ــ نال الفيلم عدة جوائز خارج مصر. هذه الأعمال وغيرها الكثير، والتي تفتقد التواصل مع الجمهور، رغم الادعاء الدائم والمزمن بأنها خير مُعبّر عن هؤلاء البسطاء والضعفاء والمقهورين، ولن تنتهي المفردات التي يستحدث بها دعاة التطبيل. الفيلم أداء محمود حميدة، وماريهان مجدي، وصفاء الطوخي، وإبراهيم النجاري وتصوير ماجد نادر وديكور أحمد فايز وصوت سارة قدوري وملابس لينا علي وسيناريو وإخراج أحمد فوزي صالح.
بين الفيلم والرواية
لا نود المقارنة بين الفيلم والرواية، ولا يجب أيضاً بما أن كل منهما هو وسيط مختلف، ولكن إذا كانت الفكرة الأساسية التي ذكرها المخرج في الندوة سالفة الذكر، لا تنتمي لفكرة الرواية، فلماذا العمل من خلالها، هل سيتغير شيء لو تغيّرت أسماء الشخصيات؟ بمعنى ما علاقة الفيلم بالرواية؟ فموقف صقر في الرواية وجودي في الدرجة الأولى، لديه درجة من الوعي، وقد خسر كل شيء ــ لا يدّعي كاتب الرواية أنه ينتصر للفقراء والعمال ويناصر المرأة المقهورة ــ فالرواية التي صدرت في بداية التسعينيات من القرن الفائت، كانت تمثل أزمة جيل جديد، وجد جميع الطرق مسدودة، ويحاول الخلاص من مأزق محتوم. أما الفيلم وهو مستقى من آخر وثائقي جاء بعنوان “جلد حي” للمخرج نفسه عن عمال المدابغ، فهو يتاجر بهذه الفئة كحال فناني الدعاية ومندوبي مبيعات السلع الاستهلاكية.
ورد مسموم
هنا تصبح تحية شقيقة صقر هي البطلة، والتي حسب التصريحات ــ سواء المخرج وبعض الصحافيين من رفاقه ــ تعاني قهراً متجذرا في المجتمع، فهي التي تعمل وتعيل الأسرة بعد وفاة الأب، حيث صقر شقيقها وأمها يعملان ضمن العمالة الموسمية، الأم في مشغل خياطة وصقر في أحد المدابغ المنتشرة في الحي. ورغم ذلك فهي تريد منعه من السفر، هذا الحلم الذي يراوده دوماً، حتى ولو كان عن طريق الهجرة غير الشرعية، إضافة إلى أن الآنسة تحية عاملة النظافة في أحد الأماكن ــ مول أو ما شابه ــ لا تجد سنداً في حياتها سوى شقيقها، حتى أن الأمر يختلط على البعض في تفسير علاقة البنت وشقيقها، فهي تراه رجلها الوحيد في الحياة بالمعنى الأوسع للكلمة. لا يهم، وتأتي التبريرات والتأويلات الناقدة المتبصرة، بأنها الأم الأولى، وتنويعة لحكاية إيزيس ولملمة أشلاء أوزوريس، وأن هذه العلاقة الغامضة تثير شغف المشاهد، ولا ننسى التذكير بمصطلحات ثقافية من قبيل الواقعية القذرة وروادها، والكثير من العبارات التي تثير إما الضحك أو الغثيان. الأمر لا علاقة له بمنظومة قيم وما شابه من هذه المصطلحات الأشد مقتاً من تبريرات رفاق الثقافة وشلليتها المعهودة.
الأمر هنا يعتمد فكرة التسويق، ولنبحث هذه المقولات، عمال كادحون، امرأة مقهورة تعمل وتعيل أسرتها، علاقة غامضة بأخيها، القهر الذكوري، والهجرة غير الشرعية. تركيبة مناسبة جداً للبيع في المهرجانات والحصول على بعض الدعم من أماكن أخرى.
الفيلم
“كان ممكن أجيب منوّم بـ 7 جنيهات، بدل ما أدفع 40 جنيها تمن التذكرة وأنام في السينما”. كانت هذه عبارة إحدى المشاهدات بعد العرض. والفتاة للعلم على درجة من الوعي ومشاهدة جيدة للأفلام، وليست من المقهورات وأبناء السبيل. وبخلاف التعلل بمقولات السينما المختلفة، وعلى الجمهور أن يرى سينما أخرى غير التجارية المعهودة، وأن الفن السينمائي المصري لابد وأن يخرج من إطار السرد التقليدي والحكايات التقليدية، وكل هذا الهراء ــ كلمات أكثر استهلاكية ــ ناهيك عن المزج ما بين السرد التوثيقي والروائي، إضافة إلى اللغة البصرية والإضاءة الطبيعية للأماكن، وقد جعلنا المخرج نرى المكان بشكل جديد وغريب عن عين الجمهور وما اعتاده من لقطات لمثل هذه الحواري ــ هذه العبارات تكررت بالنص في أكثر من مقال عن الفيلم، وكأنها نشرة أو بيان شارح قد وزّع عليهم ــ ولكن ماذا عن الممثلين الأموات في التعبير عن مشاهد قليلة ظهر بها بعض أشخاص من المكان؟ المقارنة ليست في صالح الممثلين، خاصة الفنان صقر، هذا البرود في الأداء قابله لقطات طويلة بها الكثير من الملل، لاستعراض عمليات دبغ الجلود، فعلى الرغم من جماليات بعض اللقطات، إلا أن مدتها على الشاشة قد أفقدتها الكثير من تأثيرها، إضافة إلى رحلة تحية اليومية وهي تحمل الطعام لأخيها ــ رحلة سيزيف كما قالت إحدى المشاهدات ــ أو أن البطولة لـ “عمود الأكل .. اللي رايح جاي قدامنا” كما قال أحد المتفرجين قبل مغادرته القاعة ــ ناهيك عن دور الساحر، الذي قام به محمود حميدة، أو أن الساحر هو الذي قام بمحمود حميدة، مش عارف!
من الممكن قبول العمل في إطار كونه تجربة سينمائية نتفق أو نختلف على بعض تفاصيلها، لكن تصوير وتصدير الأمر بأنه الحدث الجلل ــ كم من أحداثنا التافهة نلصق بها صفة الجلال دوماً ــ فهو أمر لا يُحتمل. كذلك التحدث بلسان الناس العادية، دون إضافة رتوش البلاغة الساذجة، وقبولهم كما هم، دون ادعاء أو تفلسف أجوف، هو أمر في غاية الغموض كما في علاقة صقر بشقيقته تحية.