الفيلم الهندي «لال سينغ تشادا» دعوة للتسامح ونبذ العنف والتطرف الديني

تبدأ أحداث فيلم عامر خان الجديد «لال سينغ تشادا» المقتبس عن فيلم «فورست غامب» إخراج روبرت زيميكس وبطولة توم هانكس، في قطار عبر البلاد، يروي لال سينغ حياته لزملائه الركاب في مقصورة الدرجة الثانية، نتابع لال سينغ تشادا (عامر خان) في رحلته حتى صار نجم مضمار جامعي، وبطل حرب وقطب أعمال وعداء مسافات طويلة وملهما، بينما يستشهد باستمرار بتأثير ومشورة حكيمة من والدته المحبوبة (منى سينغ). يتأثر لال سينغ أقل في اتباع الأوامر، وأكثر من ذلك بالمودة والرعاية التي يحملها لوالدته (منى سينغ) وصديقة طفولته المحبوبة روبا (كارينا كابور) والجندي العدو (ماناف فيج) الذي أنقذه من الموت وتحول إلى صديق ويدخل معه في نهاية المطاف في أعمال تجارية. في الكثير من أفعال لال سينغ تتكرر الإيقاعات، وحتى بعض اللقطات من فيلم زيميكس عام 1994 حرفيا تقريبا. عندما كان لال طفلا (جورفاتيه جريوال) يهرب بشكل كارثي من المتنمرين، ويتحرر من أقواس الساق الخشبية التي كانت مربوطة على ساقيه طوال طفولته، ويصبح عداء رياضيا في المدرسة. لال سينغ طفل معدل ذكائه أقل من معدل ذكاء جميع الأطفال، حتى أنه لم يستطع المشي بشكل صحيح عندما كان طفلا. والدة لال تربي ابنها من خلال منحه الثقة بنفسه وتعلمه الخير والمحبة. تعتقد منى سينغ أن ابنها (لال سينغ) ذكي جدا، يلتقي روبا دي سوزا (كارينا كابور) في المدرسة، وكان والدها سكيرا، وبعد أن يرتكب جريمة قتل والدة الطفلة روبا ويحكم عليه بالسجن تتولى الام ( منى سينغ) رعايتها.
منذ الطفولة تعيش روبا في فقر وتحلم بالزواج من رجل غني. تدريجيا تخطو نحوعروض الأزياء وتطمح إلى أن تكون بطلة سينمائية، لكنها تنحرف وتدخل في دوامة عالم المافيا وقذارته. يحارب لال سينغ تشادا من أجل انتشالها وإنقاذها من هذا الوحل لكنها لا تبالي لتحذيراته، هدفها الوحيد في الحياة هو الثراء، لذا تشد الرحال إلى مومباي لدخول عالم السينما، لكن ينتهي بها المطاف عشيقة لمنتج له صلات بعالم العصابات والجريمة. إنها ضحية لطمعها وتقع في حبال ممارسة عمل أفلام «البورنو» في الوقت نفسه ينضم لال سينغ إلى الجيش ويشارك في حرب كارجيل، ويحصل على ميدالية الشرف لشجاعته، هناك يلتقي بالأراجو (ناغا تشايتانيا). ويطور صداقته مع بالاراجو المهتم بمشروعه التجاري الخاص بصناعة الألبسة الداخلية، وتشمل خططه بدء عمل تجاري بمجرد مغادرته الجيش، لكنه يقتل في الحرب. يترك موت صديقه جرحا عميقا في نفسه. لال سينغ تشادا بعد خروجه من الجيش ينغمس في العمل وتنفيذ مشروع صديقه وتحقيق حلمه.
فيلم «فورست غامب» يتتبع مآثر رجل يعاني من إعاقة عقلية عبر عدة عقود، حيث يؤثر عن غير قصد في الأحداث الرئيسية في التاريخ الأمريكي، وإعادة التذكير بأيقونات مثل الفيس بريسلي ورؤساء الولايات المتحدة جون كينيدي وليندون جونسون وريتشارد نيكسون، من خلال المؤثرات البصرية المبتكرة للمخرج زيميكس، وعكس الفيلم العديد من اللحظات التاريخية الرئيسية بما في ذلك حرب فيتنام، ومسيرات الرفض والاستنكار لهذه الحرب وغيرها من الأحداث التاريخية الفعلية، التي ألهمت بعض مغامرات فورست. في حين أن النسخة الهندية «لال سينغ تشادا» تعالج مواضيع عديدة، ومحورها الرئيسي الاحتراب الطائفي والاضطهاد الديني والاضطرابات التي رافقت اغتيال رئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي، على يد حراسها الشخصيين من السيخ في عام 1984، ما أدى إلى اندلاع أعمال الشغب العنيفة ضد السيخ. ويتعين على لال سينغ وهو من السيخ أن تقص أمه شعره ويختبئ لتجنب موجات الكراهية العنيفة التي تجتاح البلاد. «لال سينغ تشادا» فيلم ينطق بتأملات حول الحياة والحب والأخلاق والمصير.

في فيلم روبرت زيميكس «فورست غامب» تشارك الشخصية الرئيسية في الحكمة الشعبية القائلة، إن الحياة تشبه علبة من الشوكولاته، في حين النسخة الهندية لال سينغ تشادا التي أخرجها لأدفايت شاندان، لا يحمل المسافر لال سينغ صندوقا من الشوكولاته، بل صندوقا من الغولغابا (وجبة خفيفة لذيذة شهيرة) التطور في فلسفة البطل لا يتحدث عن عشوائية الوجود، بل عن شهوة الحياة التي تساعده على تحمل الخسارة الهائلة التي سيختبرها. يلعب نجم بوليوود عامر خان، الذي سبق وشاهدناه في «3 أغبياء، دانغال» دور البطولة، باعتباره يتمتع بروح البراءة التي يتمتع بها سلفه الأمريكي، وهو طفل بطيء الذكاء والحركة يتعثر بالكلام لكنه متفائل إلى الأبد في الحياة ويفكر في نفسه. ليس من قبيل المصادفة أن تكون الشخصية من السيخ، لأن المخرج أراد أن يصور الصراعات الأكثر دموية والمخجلة في البلاد، مثل عملية «النجم الأزرق» عام 1984 وأعمال الشغب اللاحقة المناهضة للسيخ أو حرب كارجيل عام 1999 في كشمير.
الممثل عامر خان حاول المخاطرة بمظهره في تجسيد شخصية لال سينغ تشادا واكتسب وزنا.. تم تصوير الفيلم في جميع أنحاء الهند، ويعرض بفخر كل شيء عن حقول الخردل في البنجاب، المناظر الرائعة الجمال لنيودلهي (تساعد في ذلك جولات لال سينغ، والركض لمدة أربع سنوات في جميع أنحاء البلاد، ولا بد من الإشارة إلى لوحات التصوير السينمائي لساتياجيت باند. الموسيقى التصويرية تضمنت أغاني باللغات الهندية والبنجابية والتاميلية والتيلوغو من الملحن البنغالي بريتام، بالإضافة إلى التنوع في اختيار الممثلين والطاقم، والغرض منه هو إظهار الهند أمة متنوعة. يدمج سيناريو أتول كولكارني المقتبس، بين الحقائق والخيال بحيث استطاع أن يوائم مع القصة الأصلية، السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي للهند، دون أن يكون هناك انحياز لفئة على حساب أخرى. كما نجح الفيلم في إدانة التطرف الديني الذي يزرع الكراهية بين الأطياف المختلفة، وكشف بعض الأحداث بسبب هذا الاحتقان الديني والطائفي وأعمال الشغب الدينية.
يلمح المخرج إلى ميل بطل الرواية إلى الخير والعطاء. كما يؤشر البطل لال سينغ خلال رحلته، إلى الحرب وانتشار العنف بشكل عام، ومخاوف الناس الآمنين من اتساعها، ويؤكد أهمية السلام والمحبة، تبدو تلك القيم أكثر أهمية في التأثير مما كانت عليه في النص الأصلي «فورست كامب» للروائي وينستون غروم الذي تم تكييفه من قبل إريك روث، بينما كانت حرب فيتنام تحدث على بعد آلاف الأميال من الأراضي الأمريكية، هناك وقع القتال والدمار داخل البلد نفسه، وإشارة كاتب السيناريو أتول كولكارني الى إمكانية الوحدة في الهند.
رساله الفيلم الإيجابية تدعو إلى السلام ونبذ الحرب، بالإضافة إلى قصة الحب بين لال سينغ وروبا التي يمنحها المخرج حيزاً كبيراً في الفيلم.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية