ارتبطت السينما الهندية في ذهن الجمهور المصري بأفلام الأكشن ونجوم الشباك وعلى رأسهم أميتابتشان، حيث كان هو الأشهر على الإطلاق في فترتي الثمانينيات والتسعينيات، وقد تُرجم إعجاب المصريين بنجمهم المفضل إبان زيارته للقاهرة عام 1991، فالآلاف التي خرجت لاستقباله كانت دليلاً واضحاً على تأثير أفلامه في الشريحة العمرية الأكثر تعاطياً لهذا اللون من الفن السينمائي، التي تتراوح أعمارها بين 18ـ 20 عاماً.
وقد استمرت ظاهرة الإعجاب بالنجم الهندي الكبير لعدة سنوات، حققت أفلامه خلالها أعلى الإيرادات، يأتي في مقدمتها فيلم «مارد» الذي امتدت له الطوابير أمام دور العرض المصرية لاحتوائه على الخلطة السحرية بمكوناتها الجذابة، من أكشن وحالات إنسانية وقصة عاطفية ملتهبة، بالإضافة إلى الأغاني والاستعراضات المعهودة، واحتل أميتابتشان الصدارة، ولم ينازعه أحد من نجوم بوليوود في شباك التذاكر لمدة تجاوزت العشرين عاماً، إلى أن تقدم به العمر وتغير أداؤه فتراجعت أسهمه قليلاً لظهور نجوم آخرين مثل جاكي شان وغيره. وعلى الرغم من التحول عن أفلام الأكشن والأداء العنيف، ظلت للنجم مكانة خاصة جداً لدى الجمهور المصري، فما زال قادراً على إبهاره والتأثير فيه، ولكنه التأثير الإنساني والتقدير الخالص للموهبة التمثيلية الفذة.. وبالرصيد المتراكم للبطل الذي تربع على عرش النجومية لسنوات جاء الاحتفاء بفيلمه «بلاك» الذي أنتج منذ نحو 8 سنوات تقريباً.
تنتهي الأحداث مُخلفة وراءها مفهوماً مفاده أن الإحساس هو أجمل ما يتحلى به الإنسان وأن كل الحواس مرهونة به، ويأتي على رأس كل الأشياء الحب كغريزة أساسية لا يُستثنى منها أحد.
لافتاً للنظر، فالفيلم تسابقت عليه قصور الثقافة والجمعيات الفنية في مصر، واستمر عرضه على مدار شهور ولا يزال، فهو الأكثر شعبية وجماهيرية، لكونه يمثل عودة أميتابتشان في شكله الجديد والمختلف عن الشاب القوي الرياضي، إذ يلعب دوراً فارقاً يقوم فيه بدور مُعلم، هو أقرب للحكيم والفيلسوف منه إلى المدرس، حيث يتولى أمر طفلة صماء بكماء عمياء لا تقوى حتى على مجرد الحركة السليمة، وأمام عجز الأب والأم عن التعامل معها يأتي هو كأنه مبعوث العناية الإلهية ليبدأ مشوار الألف ميل من نقطة الصفر مع الطفلة المسكينة، ويبذل جهداً مضنياً لتدريبها على الحركة والمشي وتمييز الأشياء باللمس، ويحقق معها المعجزات، وفي هذه الأثناء نرى ممثلاً آخر لا يعتمد على القوة البدنية وسرعة القفز والوسامة وخفة الظل كما عهدناه، ولكننا وجدنا أنفسنا أمام ممثل قدير تظهر على وجهه وملامحه آثار الزمن، ولكنه في الوقت ذاته يبدو عميقاً في أدائه متزنا في انفعالاته غير مبالغ كما كان سالفاً، فالرحلة العمرية قد فرضت نفسها وبات الممثل القدير قديراً بالفعل، يعتمد على إحساسه الداخلي بالشخصية والدور وتظهر دلالات الصدق متجلية في عينيه اللامعتين، وقد امتلأت بالدموع من فرط إحساسه المرهف باللحظة الإنسانية.
وينقسم دور البطل في فيلم بلاك إلى جزأين أو مستويين، الجزء الأول كان فيه المُعلم الذكي المثابر المؤمن إيماناُ راسخاً بأنه لا شيء مستحيل، وأن المعجزات كلها تتحقق بالإصرار والعزيمة وتفعيل الطاقة الكامنة داخل الإنسان، أما الجزء الثاني فهو ذاك الذي يتقدم فيه العُمر بالمُعلم الأسطورة ويصاب بالزهايمر فتسقط من ذاكرته كل الأشياء، وتُصبح حينئذ الطفلة الصغيرة التي تولى علاجها شابه جامعية في سن التخرج، فتأتي إلى مقر إقامته في المصحة لتفك عنه الأغلال، محاولة مخاطبته بالوسيلة نفسها التي علمها بها الكلام، عساها أن ترد إليه بعض ذاكرته، في مشهد ميلودرامي بالغ التأثير، وتنجح في ذلك لبضع دقائق فتبرق أمام عينيه ملامح الفتاة وتمضي المواقف كوميض الضوء، بيد أن العجز كان أقوى من المعجزة.
وتنتهي الأحداث مُخلفة وراءها مفهوماً مفاده أن الإحساس هو أجمل ما يتحلى به الإنسان وأن كل الحواس مرهونة به، ويأتي على رأس كل الأشياء الحب كغريزة أساسية لا يُستثنى منها أحد، فالفتاة التي عدمت وسائل التعبير الطبيعية لم تفقد مشاعرها قط وظلت تشعر نحو أستاذها بعواطف دفينة، لولا أنه لم يشجعها بالقدر الكافي خوفاً عليها من الانزلاق في براثن أزمة عاطفية ربما تؤدي إلى انتكاسها فآثر الابتعاد بها عن هذه المنطقة الخطر، وهو درس مُستفاد في عدم الأنانية والتفاني حتى النهاية في الرسالة الإنسانية المنوط بكل إنسان تأديتها حسب الظروف والطبيعة والزمن.
فيلم «بلاك « شهادة موثقة بالصوت والصورة للأبطال الثلاثة، المُعلم والطفلة ذات الاحتياج والفتاة التي أكملت دورها بالبراعة نفسها.. غير أنه يمثل بانوراما حافلة بكل ما هو حيوي وذو قيمة ويعد تطوراً نوعياً مبهراً على مستوى أداء أميتابتشان الفني والأخلاقي والإنساني والثقافي.
٭ كاتب مصري