الفيلم الوثائقي «عملية القتل»: مجرمو الحرب وجهاً لوجه أمام جرائمهم!

حجم الخط
1

القاهرة ــ «القدس العربي» ـ محمد عبد الرحيم: عُرض مؤخراً بـ «نادي سينما بيت الوادي» التابع لمركز «بيت الوادي للدراسات والنشر» الفيلم الوثائقي «The Act of Killing» ، وهو عام 2012، لكل من المخرجين جوشوا أوبنهايمر وكريستين سين.
يحكي الفيلم عن المجازر التي صاحبت الانقلاب العسكري الذي وقع في إندونيسيا عام 1965، وأطاح بحكومة الرئيس أحمد سوكارنو، وثبتت مقاليد الحكم لسوهارتو بدلاً منه، وذلك من خلال ثلاثة رجال تم استخدامهم لتصفية خصوم سوهارتو، وهم نموذج لكثيرين شاركوا في عمليات قتل وإبادة جماعية. والجديد أن الفيلم لم يبحث عن الضحايا وحكاياتهم من خلال ذويهم، كما هو معتاد في مثل هذه النوعية من الوثائقيات، بل تناول البحث عن هذه الجريمة من خلال مَن قاموا بها، وعن طريق سرد مرئي عبر إعادة تمثيل بعضاً من هذه الجرائم، وهو ما أعطى له ــ الفيلم ــ تميزاً، حتى أنه حصل على العديد من الجوائز العالمية، ورُشّح لجوائز أخرى، أهمها جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي.

سوهارتو وصِبيانه
بعدما قام سوهارتو بانقلابه العسكري على سلفِهِ أحمد سوكارنو عام 1965، بمساعدة من وكالة الاستخبارات الأمريكية «CIA»، بحُجة أن حكومة سوكارنو تدعم الشيوعية، لجأت حكومة سوهارتو إلى عصابات قطّاع الطرق، ودعمتها حتى تتمكن من تصفية خصومها من أعضاء الحزب الشيوعي الإندونيسي، وكل العناصر البارزة من قوى المعارضة بشكل عام، وهو ما وصف في ما بعد بأنه عمليات قتل بالوكالة، وإبادة جماعية خلال تلك الفترة. كما أن عدة تقارير حديثة منها التقرير الصادر عن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في إندونيسيا، الذي أظهر أن الشيوعيين شملوا أي شخص عارض الحكومة الإندونيسية الجديدة التي دعمها الجيش، حتى ولم يكن لديه أي انتماء حزبي. وعلى إثر ذلك استعانت الحكومة بفرق القتل الخاصة، التي لم تكن تنتمي إلى الجيش، إلاّ أنها تعمل تحت بصره وإمرته، حيث كل مؤهلاتها سجلها الإجرامي السابق، وكان منهم أبطال الفيلم الثلاثة.

رجل العصابة الحُر
يبدأ الفيلم بعبارة لـفولتير إذ يقول: «القتل مُحرّم، وكل مَن يَقتُل يُعاقب، باستثناء الذين يُمارسون القتل الجماعي». فالقتل هنا كان ضمن سياسة السُلطة وممارساتها، وبالتالي فالقاتل لن ينال العقاب أبداً، وهو ما حدث بالفعل مع هؤلاء القتلة، بل وتعتبرهم السلطة حتى الآن أبطالاً، بذلوا كل ما لديهم للحفاظ على استقرار البلاد، بما قدّموه من تضحيات غير منكورة للوطن. حتى أن مسؤولاً حكومياً كبيراً ــ نائب الرئيس الحالي ــ يظهر في الفيلم وهو يعقد مقارنة بين مفردتين في غاية الغرابة، وهما (رجل العصابة) و(الرجل الحُر)، ويصل به الأمر بأن يساوي بينهما في نهاية خطبته الحماسية، ويُطالب الجمهور المُحتشد أمامه حتى يستمر الحفاظ على استقلال بلاده من الأعداء المتربصين بأن يصبحوا جميعاً رجال عصابات/أحرارا .
كان الخطاب أمام منظمة «شباب بانكسيلا» المعاونة للجيش، وهي المنظمة التي ساهمت في تصفية معارضي سوهارتو، التي تشير الكثير من التقارير الحقوقية إلى تجاوز أعدادها المليون مواطن.
ومن مؤسسي «شباب بانكسيلا» كل من: «أنور كونغو» الإثيوبي الأصل، ومساعده «هيرمان كوتو»، وزميله «عَيدي القادري»، وهم أبطال الفيلم، الذين شارف عمر أصغرهم سناً على الستين عاماً.

شاشة الغرب الأمريكي
يستعرض الفيلم حياة هؤلاء الرجال وطبيعة نفسياتهم التي جعلتهم يقتلون أعداداً غفيرة من البشر .. رجالاً ونساءً وأطفالاً، من دون لحظة ندم واحدة، لتبدو خلفياتهم النفسية والثقافية أقرب إلى رجال العصابات، قبل أن يمارسوا فعل القتل بالفعل. ولأنهم مُغرمون بأفلام الغرب الأمريكي، حيث التصفية الجسدية السريعة هي أبسط وأسرع الحلول، لم تجد الحكومة صعوبة في أن يكونوا مجرد قتلة بالأجر، بالرغم من أن بدايتهم كانت تقتصر على بيع السلع في السوق السوداء، ومنها تذاكر السينما على سبيل المثال، كي ينقلوا فعل القتل من شاشة السينما ــ التي يعشقونها ــ إلى أرض الواقع.
من هذا الماضي البائس يسرد (أنور) الواقع الأكثر بؤساً .. فيصف كيف أنه ابتكر طريقة جديدة للقتل شاهدها في أحد الأفلام الهوليوودية، حيث يقوم بتثبيت خيط قوي في عامود خشبي أو معدني، ويلف الطرف الآخر حول رقبة الضحية، فيخنق الشخص في سرعة خاطفة. وآخر متأثر بأفلام الرعب، فيُعيد تمثيل مشهد قطع رأس أحد الضحايا، وفي مشهد تفصيلي طويل يعيد تمثيل إحراقه لقرية بالكامل، بعد ذبح أهلها والتمثيل بهم.

أن تتنفس تاريخك الدموي
حاول المخرج أن يروي التاريخ الدموي على لسان صانعه، وليس ضحيته كما هو مُعتاد، إضافة إلى رؤية هذا الصانع إلى تاريخه يُستعاد مرّة أخرى أمام عينيه، فتأتي المفارقات … فنجد (أنور) يُعاني من الكوابيس المزمنة، التي سببها نسيانه لِعَين أحد ضحاياه مفتوحة، دون أن يغلقها، فتطارده هذه النظرة وتحول ليله إلى جحيم، بينما نهاره يوزعه بين أحفاده وصيد السمك والاستمتاع بما تبقى له من حياة.
أما (هيرمان) فرغم أن الأمر لا يقلقه مطلقاً، وفشل في محاولته الترشح كعضو في البرلمان، لتصبح سرقاته أكثر شرعية، لكنه يبدو في غاية الإنسانية عند إعادة مشاهد الإبادة، حيث يبكي الأطفال بالفعل عند رؤيتهم تعذيب ذويهم ــ فهم في سِن لا يسمح لهم التفرقة بين الواقع والتمثيل ــ عندها يقترب (هيرمان) منهم ويمسح دموعهم في عطف شديد.
بخلاف (عَيدي القادري) المُتصالح مع نفسه ومع أفعاله، بل ويبدي استعداداً للقتال مرّة أخرى، وبالطريقة نفسها إن استدعى الأمر ذلك، وينصح رفيقه (أنور) بالذهاب إلى طبيب نفسي، حتى تختفي كوابيسه إلى الأبد. في إشارة إلى أن هذا ما فعله (عَيدي) بالضبط، وإن لم يُصرّح بهذا علانية.
أما العلاج الدرامي الذي قام به (أنور) يتلخص في قيامه هو نفسه بدور الضحية، وخضوعه لمراسم التعذيب التي كان يُقيمها لضحاياه، فيبدو عليه الألم الشديد، عند مُشاهدة نفسه في شاشة التليفزيون، ويسأل المخرج الواقف خلف الكاميرا «هل كانوا يشعرون بكل هذا الألم؟»، ليجيبه المخرج «بل بما هو أسوأ .. فأنت تعرف أن هذا تمثيل، في ما هم موقنون بمقتلهم بعد قليل».

مفارقات مُربكة
احتوى الفيلم على عدة مشاهد تشرح في إيجاز دال ما يدور بعقل هؤلاء الرجال، ممن مارسوا فعل القتل بهذه الصورة، فالتحالف الأبدي بين رجال العسكر وتدين العامة من دون وعي حقيقي، علاقة لا ينتج عنها سوى (رجال أحرار) بمفهوم أبطال الفيلم بالطبع.
فـ (أنور) كان على وشك شنق أحد الضحايا بطريقته الخاصة، إلا أن الآذان يرتفع فجأة، فيلفت نظره أحد رجاله، مما يجعله يؤجل عملية القتل حتى الانتهاء من فريضة الصلاة أولاً.
الأمر نفسه يتكرر في إحد حفلات منظمة «شباب بانكسيلا» بحضور رجال الجيش وأعضاء المنظمة، فبينما يتحدث أحدهم عن تجربة جنسية وسط تشوق رفاقه لسماع نهاية الحكاية، يتصاعد أحد الأدعية قبل البدأ في تناول الطعام، فيرفع الجميع يده أمام وجهه، ولا يُهبطها إلا مع صوته المُردد لكلمة «آمين».
مشهد آخر يمثل قمة السخرية السوداء، فبينما يتم إعادة مشهداً لأحد مجازر الإبادة الجماعية لإحدى القرى، يحضر التصوير أحد كبار رجال الجيش، الذي كان واحداً من الضباط وقت عمليات التعذيب، وما كان منه إلا الوقوف فوق سيارته العسكرية، والهتاف عبر الميكروفون ليبث الحماس والشجاعة في جنوده المأجورين، ويحثهم على قتل الجميع بلا رحمة، آمراً بأن يكونوا أكثر واقعية أمام الكاميرا!

ما بين الفعل والتمثيل
برزت اللغة السينمائية للفيلم كأحد أهم مميزاته، من حيث زوايا التصوير، وإضاءة المشاهد، وتنوع هذه المشاهد ما بين مشاهد تقريرية وأخرى خيالية صرفة، وهو ما يجعل الفيلم أحد الأشكال الصريحة لأفلام (الدوكيودراما)، التي تعتمد على مشاهد وثائقية وأخرى روائية مؤلفة تماماً، إضافة إلى المونتاج الذي تباين حسب أجزاء الفيلم وحالاته. وفوق كل ما سبق، يضعنا الفيلم في حالة توتر دائمة، بين الفعل الحقيقي والتمثيلي، فيمزج بين الواقع والخيال في حِرفية شديدة، جعلت منه عملاً مُتميزاً للغاية، خاصة وهو يستحضر ويبحث في قضية شائكة لا تحتمل المواربة، إضافة إلى اختيار نماذجه من شخصيات تعشق السينما في صباها، وتوفرت لها الفرصة أن تمارس نوعية هذه السينما في الحقيقة (أفلام العصابات وفعل القتل)، محققاً أحد أحلام شبابهم، بالوقوف أمام الكاميرا، ومحاكاة أفلام عصابات هوليوود، التي كانت بمثابة الوحي بالنسبة لهم في كل ما اقترفوه من جرائم، كما ورد على لسانهم بالفيلم، وهو ما لم يكن يخطر لهم على بال. والمخرج لذلك اختار نماذجه التي تجيد التمثيل بالفعل، حتى أن المتفرج في بعض المشاهد يجد أنه أمام ممثلين محترفين، مهنتهم الأصلية هي التمثيل وليس القتل بأجر.

لعبة التغريب
وحتى لا نستغرق مع هؤلاء الأبطال الاستثنائيين ــ الأبطال نِسبة إلى الفيلم ــ عمد المخرج بين الحين والآخر إلى كسر الإيهام، كي يظل المُشاهِد على مسافة بين أداء الشخصيات وأفعالهم، فلا يتورط ويتفاعل معهم وهم يشرحون أسباب قيامهم بأفعالهم الشنيعة ــ كأبطال أفلام هوليوود ــ، فيتعمد المخرج ظهور صوته بين الحين والآخر، موجهاً سؤالاً تارة ومجيباً لسؤال تارةً أخرى.
ويتكرر كسر الإيهام عدة مرات أخرى، منها على سبيل المثال لا الحصر، حين يتحدث أبطال الفيلم الثلاث عن جدوى هذا الفيلم، وهل سيخرج في النهاية كما يرجون، أم ستختلف صورته النهائية، حتى أن أحدهم يتوقف عن التصوير، ويُصرّح بأن «كل ما حدث في الماضي عبارة عن خطأ كبير» … وعلى الرغم من أنه حاول أن يكون آدائه طبيعياً، ليرجو مغفرة الجماهير، إلا أن تاريخه لا يسمح إلا بأن تكون لقطة تمثيلية أخرى، يلقي بها عن عاتقه ما اقترفت يداه من جرائم في حق الإنسانية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية