الفيلم الوثائقي ‘كلام الجزائر’: الصوت الشاب في مواجهة السلطة الهرمة

حجم الخط
2

ربيعها سبق أي ربيع في الدول الشقيقة، لكن خريفها مازال طويلاً. الجزائر تلك البلاد التي ملأت الآفاق باسم شهدائها ومعركة تحررها من استعمار أوغل فيها وتجذّر في أرضها. تحرر كان أشبه باستئصال لورم تفشى في غير مكان فكانت جراحه كثيرة وعميقة. حتى بعد خمسين سنة يبدو الاستقلال بالنسبة إلى الجزائريين وكأنه حدث أمس، وتبدو دماء الشهداء ساخنة في وجدانهم كأنها ابنة يومها.
فيلم المخرج الفرنسي برونو أولمير Bruno Ulmer، الذي أنتجته قناة آرتي arte الفرنسية الألمانية، وكان عرضه الأول في معهد العالم العربي في باريس، لا يخوض في ذلك التاريخ، بل يتحدث عن جزائر اليوم التي تصارع الماضي. فيلم يرصد المشهد الجزائري ما قبل دخول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بكرسيه المتحرك إلى مكتب الاقتراع ليصوت لنفسه، وقبل أن يُعلن رئيساً لولاية رابعة. فيلم ‘كلام الجزائر’ Paroles dAlg’rie يحكي عن حال الجزائريين في اللحظة السابقة لهذا الانتخاب المعد سلفاً، عن البلد الذي تتراكم فقاعات غليانه صاعدة إلى السطح، عن ثرواته الهائلة وطرق شبابه المسدودة، عن تنوع طبيعته وتمركز سلطته بين يدي مجموعة من المتنفذين تتقاسم ثروات البلاد خلف الكواليس.
لم يكن لبرونو أولمير أن يصوّر فيلمه بموافقة السلطات. التصريح الذي مُنح له سرعان ما ألغي بعد أن صودرت معدات التصوير، فما كان منه إلا أن حمل كاميرا خفية، وزار الجزائر سائحاً. سائح لا يبحث عن المواقع الطبيعية والأثرية، وما أكثرها وما أقل الاهتمام بها، بل عن الكلام المكدّس في الصدور، واليأس المتمدد في أرواح الشباب كالطحالب.
صمت العباد أو دمار البلاد
ليس من السهل على جهة فرنسية أن تتحدث بموضوعية عن الجزائر، وليس سهلاً، إن كان وفعلت، أن يتقبلها الجزائريون بموضوعية، لهذا ربما كان فيلم ‘كلام الجزائر’ فيلماً يترك للجزائريين أنفسهم أن يقولوا ما لديهم. أن يصفوا حال البلاد التي وجدت نفسها، كنظيراتها في الدول العربية، تخسر حلمها وأملها بعد الاستقلال بسبب الحزب والجيش الوطنيين، حتى تحولت الخضراء إلى أرض لليأس، يطل أبناؤها على سراب الأمل في الضفة الأخرى للمتوسط.
عاطلون عن العمل، ناشطون، مدونون، محامون، صحفيون، عمال، فنانون، يفتح فيلم ‘كلام الجزائر’ نوافذه لهؤلاء جميعاً كي يطلقوا صرختهم في الفضاء المخنوق. بأسلوب ‘فيلم الطريق’ Road Movie تنتقل الكاميرا بين الجزائر العاصمة وبليدة ووهران وورقلة وتيزي أوزو، ومن حكاية إلى أخرى، وتجمع قصاصات الشهادات لتترك للمشاهد أن يرسم لوحة شاملة لوطن المليون والنصف المليون شهيد.
منذ أصواته الأولى، يكشف الفيلم عن عقدة الجزائر الأصعب، عن عشرية سوداء طحنت البلاد في الصراع بين الإسلاميين المتطرفين والجيش، عن القتل المجاني الذي قام به الإرهابيون فأرعبوا قرى ومدنا، وحولوا حياة الناس إلى جحيم، عشرية بدأت عام 1992 بعد إلغاء الجيش لنتائج الانتخابات التشريعية التي جرت نهاية عام 1991 وفازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ثم قرار الجيش بحل الجبهة، لتدخل البلاد في سنواتها السوداء، السنوات التي يُرجع الكثير من الجزائريين الفضل في إنهائها إلى عبد العزيز بوتفليقة. ويختلف كثير منهم حول طريقة إنهائها، وعدالة قانون المصالحة الوطنية، لكن الرجل الذي كان يمثل الخلاص للبعض يوماً، بات يمثّل بعجزه ومرضه حال السلطة التي تجاوزها الزمن والتاريخ لكنها ترفض أن تدفن.
‘البلد مازالت تُحكم بعقلية السبعينيات’ تقول محامية سرقت العشرية السوداء أعز الناس إليها. فكل ما تفعله السلطات هو استخدام ذكائها وحيلها للالتفاف على طموحات الشارع الجزائري. الشارع الذي هزّ عروش الحزب الواحد، وصلف الجنرالات، في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1988، قبل أن تدخله عبقرية المؤسسة العسكرية، وقد فُرض عليها التعددية والنظام الديمقراطي، في متاهات انتخابات ملغاة، ومواجهة مع أحزاب إسلامية ملغومة بالإرهاب.
الاكتشاف العبقري للسلطات الجزائرية، وأغلب السلطات العربية، بوضع الديمقراطية في كفة الفوضى والإرهاب، والاستبداد في كفة السلم والأمن. هكذا يربي الاستبداد وحش التطرف كي يثبّت حكمه على ظلاله. هذا الاختيار اللئيم والمغلق مازال يمارس سحره الأسود على الناس حتى اليوم، لكن الشعب الجزائري الذي لا يمر جيل منه إلا وتثخنه الجراح، يتجدد بأسرع مما ترغب به سلطاته. يقول تعليق الفيلم إن خمساً وسبعين في المئة من الجزائريين أعمارهم أقل من ثلاثين سنة، وإن عشرين في المئة من شبابه عاطل عن العمل. أرقام لا تترك علمية معادلتها شكاً في التغيير.. ليظل السؤال المعلّق: كيف ومتى؟
بانتظار المجهول ‘نربّي الأمل’
هذا الانتظار هو القاسم المشترك بين شهادات الفيلم. انتظار غارق في اليأس والتشاؤم لدى طالب يعمل في متجر. لم يعد للزمن من مغزى بالنسبة إليه. الأيام تتشابه.. سوى أن الغد هو بالتأكيد أسوأ من اليوم. وانتظار غارق في الهزيمة والعدمية لدى آخر يختصر حنقه العاجز على الأوضاع بسيف كلامه: ‘نأكل خبزنا ونخرس’. وانتظار على قارعة الطريق يمتهنه شباب بعمر الورد. المهنة التي أطلق عليها الكوميدي الجزائري محمد فلاج Fellag اسم الحيطيست (الحائطي). في ظلال الجدران ينتظر هؤلاء المحملون بقهر متفجر خروجاً نظامياً إلى أوروبا، وهو ما يصعب تحققه، أو رحلة تهريب عبر البحر نحو بلاد ‘الغاورية’، ‘حراقة’ كما يسمون الراكبين موج الموت على أمل الحياة. ليصل الجزائري إن حالفه الحظ، أو ليغدره البحر فيذهب طعاماً لأسماكه، لكن قبر الوطن المقدّس يجعلهم يرددون ‘يأكلني الحوت ولا يأكلني الدود’!
والد أحد ضحايا البحر يبوح للكاميرا بصوت واضح وجريح عن صناعة الهشاشة في بلاده. كيف يقف الشباب في لحظة من عمرهم بشهاداتهم وحرفهم، بطاقتهم وطموحاتهم، أمام صحراء من عدم، ومتاهات الكذب الإداري، فلا يجدون مستقبلاً يفتح ذراعيه إليهم خارج زرقة البحر.
الانتظار يبدو أشبه بسؤال معلق بالنسبة إلى صحفية في جريدة الوطن الجزائرية تختم شهادتها الطويلة بنظرة في الفراغ ‘وهكذا نحن ننتظر، ما الذي ننتظره؟ لا نعلم، لكننا ننتظر’. الصحفية التي تصف شباب الجزائر بأنهم يعانون الضجر واليائس والحزن والحصار، وتقرع ناقوس الخطر على حال المرأة التي تُصب عليها لعنات كل القهر والكبت والغضب الذي يعيشه المجتمع، تعترف للسلطة الجزائرية بالنجاح: ‘سلطات نجحت في تفرقة الجزائريين، في جعلهم أعداء لبعضه البعض، بينما تستمر هي في تسيير أعمالها المالية الخاصة’.
تلاعب السلطة بالثروة الوطنية، المهدئات التي تستخدمها مع الشعب من قروض ومشاريع وهمية، السلطة الظاهرة والسلطة الباطنة، جميعها صفات يتحدث بها الناشطون ويكشفون تفاصيلها، كي يواجهوا إعلاماً موجهاً يجعل بحر الجزائر طحينة وأنهارها عسلاً، وليس على الجزائريين سوى أن يحسنوا غرف خيراتها. إعلام يجعل السلطة هوية الوطن، وحب الوطن من حب النظام، ورفض النظام رفضاً للوطن! أحد الناشطين نشر صورة لقائمة بأقوى عشر شخصيات في الجزائر، لكن الصورة شملت أربع شخصيات بلا هوية، هكذا يشرح الناشط كيف تتوزع القوة في الجزائر بين عدة أشخاص لا بيد شخص واحد، كحال الأنظمة العربية الأخرى، وكيف أن بعض رؤوس هذا الوحش الأسطوري تحكم من وراء ستائر سميكة.
‘بلد المشاعر لا التفكير’ كما يصف الناشط بلده، لا تنقطع الاحتجاجات عن شوارعه، احتجاجات مطلبية وفئوية ونقابية وطلابية. آلاف التحركات والتجمعات والمظاهر الاحتجاجية تشهدها الجزائر سنوياً، غير أن تباعدها في الزمان والمكان، يسهل على السلطة تغييب أغلبها. غير أن شعوراً يتسع لدى الجزائريين بأن إصرار السلطة على بقاء بوتفليقة في الحكم رغم عدم أهليته الساطعة أثار الجمر من تحت الرماد، وخّلف حراكاً هو الأوسع منذ بداية حكمه، وأشعل السؤال المستكين في الصدور الشابة.
لا أحد يعلم متى تكسر البراكين قشور الأرض في الجزائر، لا أحد يعلم أي حرائق ستشعل، لكن الأمل الذي يحمله الكثير من الجزائريين اليوم، هو أن تكون هذه الصورة واضحة للسلطات، وأن يكون التغيير قريباً وسريعاً، قبل أن ينفجر الغضب في كل اتجاه، فلا يمكن لطاقة الشباب المكبوتة هذه أن تنطفئ دون اشتعال، ولا يمكن لرئيس ‘شبه ميّت’، كما يقول أحد أصوات الفيلم، أن يكون الاحتمال الممكن الوحيد لهذا الشعب الفتي، فليس لمومياء، مهما كثُرت دروعها، أن تروّضَ حصاناً في عز شبابه.

صادق أبو حامد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية